بينيديتو كروتشه وفلسفة الجمال
إبراهيم أبو عواد
الخميس 31 كانون لأول 2020
كان لفلسفة كروتشه تأثير قوي في الفلسفة الإيطالية والأوروبية.. تعالوا لنتعرف إليه ونكتشف أبرز أعماله.
وُلِدَ الفيلسوف الإيطالي بندتو كروتشه (1866 -1952) في بيسكاسيرولي بالقرب من بيسكارا. نجا بأعجوبةٍ مع أخيه من الزلزال الرهيب الذي ضرب كازاميشيولا (جزيرة إسكيا) عام 1883، والذي ذهب ضحيّته أفراد أسرته جميعاً. كانت حياته عملاً دؤوباً من الدراسات الفلسفية رفعت ذِكره في مجالات النقد الأدبي وعِلم الجمال وتاريخ الثقافة وعِلم التاريخ.
فلسفة كروتشه هي فلسفة المثالية المُطْلَقة. ومذهبه الفلسفي يضع أربع درجات في "هبوط عالَم الروح " وهي الدرجة الجمالية (تُجسُّد الرُّوح الفرد)، والدرجة المنطقية (مجال العام). والدرجة الاقتصادية (مجال المصلحة الخاصة)، والدرجة الأخلاقية (مجال المصلحة العامة).
وكان لنظرية كروتشه الجمالية تأثير بالغ على النقد الفني البرجوازي. فقد عارَضَ الفنَّ باعتباره معرفة حَدْسية بالفردي المُتجسِّد في الصوَر الحِسِّية، باعتباره عملية عقلية لمعرفة العام.
ويسعى مذهب كروتشه الأخلاقي إلى إخفاء الأساس الاجتماعي والطبيعة الطبقية للأخلاقيات. وتُروِّج فلسفته لمبدأ إخضاع الفرد للكُلِّي، أي إخضاع الفرد للنظام الاستغلالي السائِد. وكان كروتشه أيديولوجيّاً بارزاً وزعيماً سياسيّاً للبرجوازية الليبرالية الإيطالية، وخَصْماً للفاشية.
وهو أفضل مَن يُمثِّل النَّزعة التعبيرية في فلسفة الجمال. إذ يرى أن الجمال في التعبير، وعنده الفكر أربعة أنواع:
- الحَدْس أو التصوُّر الصادِق.
- عملية الإدراك: أي إن الحَدْس والإدراك يُمثِّلان الجانب النظري للفكر، ويُقابله الجانب العملي، وهُما:
- الإرادة الفردية.
- الإرادة الجماعية.
يُعتبَر كروتشه من أكثر فلاسفة إيطاليا تميّزاً في القرن العشرين. وكان يؤمِن بوجود نوعين من المعرفة: المعرفة التي تأتي عن طريق الفَهْم، والمعرفة التي تأتي عن طريق الخيال.
والخيال عند كروتشه يُوجِّه الفن. وكان يؤمِن بأن الفن لا يحاول تصنيف الأشياء، كما يفعل العِلم، لكنه يَحُسُّ بها ويُمثِّلها فقط. اهتمَّ كروتشه بالسياسة، وشغل مناصب مهمة عدَّة، منها عضوية مجلس الشيوخ (1910)، ووزارة التعليم العام بعد الحرب العالمية الأولى (1920)، ورئاسة الحزب الليبرالي بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد بقي نشاطه خارج نطاق الأوساط الأكاديمية الرسمية، فقد أصدر بالتعاون مع أحد زملائه مجلة "النقد" (1903)، كما أسَّس في العام 1946 معهداً للدراسات التاريخية في نابولي، وتولَّى بنفسه تقديم المقرّ والمكتبة.
تأثَّرت فلسفة كروتشه بفلسفة الروح عند هيغل، غَير أن الروح عند كروتشه ليست الفكرة، لكنها الواقع أو الخبرة، وتاريخها هو تاريخ الخبرة أو المعرفة، والخبرة أو المعرفة درجات، وهي أربع:
- الخِبرة الإدراكية التي يُدرَك بها ما هو جزئي وهي حَدْسية عِيانية، عن طريق الخيال، وهي المعرفة الجمالية وميدانها عِلم الجمال.
- الخبرة الإدراكية التي يُدرَك بها ما هو كُلّي، أي معرفة الكلمات، وهي منطقية صوَرية وميدانها عِلم المنطق.
- الخبرة العملية التي تهدف إلى غاياتٍ فرديةٍ وميدانها عِلم الاقتصاد.
- الخبرة العملية التي تهدف إلى غاياتٍ كُليّةٍ وميدانها عِلم الأخلاق.
ومِن ثَمَّ يكون للنشاط الروحي أربعة مستويات هي: الجمال، الحق، المنفعة، الخير. والتاريخ هو وصف نشاط الروح في هذه المستويات أو المراحل، وهذه هي الحقيقة بكاملها عند كروتشه، ويُطلق عليها إسم اللحظات الأربع، وهذه اللحظات ليست منفصلة بعضها عن بعض، بل إن كل لحظة تُمثِّل الحقيقة العِيانية كاملة.
أمَّا في فلسفة الفن فيرى كروتشه أن الفن رؤية وحَدْس كموضوعٍ خارجي (شيء أو شخص) أو كموضوعٍ داخلي (عاطفة أو مِزاج)، يُعبِّر عنه الفنان باللغة أو اللون أو النَغَم أو الحَجَر، ولا ينفصل التعبير عن الرؤية، حيث يمزج بينهما العمل الفني، ومِن ثَمَّ يستوي القول إن الفن مضمون أو إنه شكل.
والعمل الفني هو صورة ذهنية يؤلِّفها الفنان، ويُعيد متذوّقو الفن تأليفها، وليس الفن سوى عَرْض الشعور مُجَسَّماً في صورةٍ ذهنية.
كان لفلسفة كروتشه الغنية تأثير قوي في الفلسفة الإيطالية والأوروبية بِرُمَّتها، واحتلَّت أعماله مكانة بارزة في كلاسيكيات مثالية القرن العشرين، فكان له أثر كبير في معظم مَن أتى بعده مِن المُفكِّرين والفلاسفة. وكان له أثر في إعادة تقويم أفكار الفيلسوف الألماني هيغل.
مِن أبرز أعماله: عِلم الجمال (1902)، الفلسفة العملية (1908)، المُجْمَل في عِلم الجمال (1913)، فلسفة الروح (1902 - 1917) وهو أهمّ مؤلَّفاته.
المصدر: الميادين