ثمة مثل جزائري يقول "كِشاب علقولو كتاب". أي أنهم منحوه كتابا بعد أن غزاه الشيب، كناية عن تأخر الحصول على ما تحلم به. غير أن هذا ليس حال بائع الكتب القديمة العم عباس العلاونة (1958) والمعروف بـ"راهب الكتب" حيث أصبح معلما بارزا في مدينة برج بوعريج شرق العاصمة الجزائر . فهو قد عرف الشغف بالكتاب منذ طفولته الأولى، حيث تعلم على يد الفرنسيين، الذين بقوا في الجزائر، بعد الاستقلال الوطني عام 1962.
الكتاب كانت بوابته على العالم، ومفتاح علاقته بالبشر، ومعنى وظيفته في الحياة، عبر نور حبره، وروائح ورقه العتيقة، يسافر إلى ماضي الجزائر دائما، في محاولة مستمرة لفهم وتذوق أفضل وأعمق للحظة الراهنة.
البداية كانت مع نخبة فرنسية من المعلمين رفضت مغادرة الجزائر، وواصلت مهمتها التنويرية، بعيداً عن النزعة الاستعمارية، رغم الظروف القاسية، التي رافقت التعليم في الجزائر التي خرجت من احتلال دام 132 سنة.
يعيدنا العم عباس العلاونة إلى ذلك الزمن بالقول: "وجدتْ جزائر الاستقلال الوليد نفسَها أمام واقعٍ يندر فيه المتعلّمون ناهيك عن المعلّمين. بالنظر إلى أن سياسة الاحتلال قامت على احتكار التعليم لأبناء الفرنسيّين، وأبناء الأسر الجزائريّة المواليّة له، فكان للمعلّمين الفرنسيين الذين انسلخوا عن مجتمعهم وفضّلوا البقاء في المدارس الجزائريّة، بعد أن تسلَّمتها حكومة الاستقلال، فضلٌ كبيرٌ في نشر العلم والثقافة"
يتساءل العلاونة بحسرة: "هل كرمناهم بما هم أهل له؟ هل تحمل مدرسة جزائرية اليوم اسمَ واحدٍ من هؤلاء؟".
ويكمل العم عباس حكايته مع الكتاب، التي بدأت منذ الطفولة، يقول: "التحقت بالمدرسة عام 1964. وكان معلمي الأستاذ كازو يعمل على جعلي أحب القراءة من خلال جعلي أحبه هو شخصيا؛ كان ودودا وطيبا. وفي مقابل اعتماد الأب الجزائري سياسة الضرب في دفع ولده للاجتهاد في الدراسة، كانت سياسة معلمي الفرنسي في ذلك تقوم على اللين والمودة".
القراءة.. شغف وحب وصراع
يقول العم عباس إن شغفه بالكتاب ارتبط بشظف العيش؛ كان مطالبا بأن يخصِّص وقتاً وجهداً لمساعدة أسرته، التي كانت ترى في إقباله على قراءة الكتب إهداراً لوقت وجهد كان قادراً على أن يستغلهما في مساعدتها على توفير حاجياتها، "فكان ذلك بداية لانخراطي في الصراع من أجل الكتاب"
ذكّرتُ العم عباس بمقولة الروائي الأمريكي هنري ميللر: "إنّ أوّل شيء أربطه بقراءة الكتب هو الصّراع، الذّي خضته من أجل الحصول عليها". ولكن عباس، بحسب روايته عن تجربته وأبناء جيله مع القراءة الحرّة، لم يجد صعوبة في الحصول على الكتب، فقد كانت متوفّرة في الشارع الجزائري، خلال العقود الثلاثة التي تلت الاستقلال، وبأسعار زهيدة جداً، على العكس اليوم تماماً، إذ كانت معظم منشورات دار "الجيل"، ودار "الآداب" اللبنانيتين، ودار "التقدم" الروسية، ودار "غاليمار" الفرنسية، و"المؤسسة الوطنية للكتاب" في متناول الجميع بالمكتبات وعلى الأرصفة، "وإنما كنت أجد صعوبة في التوفيق بين القراءة والالتزامات العائلية".
المصدر: رصيف22