فكر حر
فيليب سالم بقلم مهى سمارة قصّة نجاح لبنانية بامتياز

أحمد ياسين

الجمعة 22 أيلول 2017

«إفتتاحياته في صحيفة «النهار» اللبنانية، وإطلالاته الإذاعية والتلفزيونية، أوحت لي بكتابة سيرة البروفسور فيليب سالم، كقصّة نجاح لبنانية بامتياز». هكذا تكشف الصحافية اللبنانية والكاتبة مهى سمارة، دافعها لكتابة هذه السيرة التي وثّقت معالمها، في هذا الكتاب، عبر ثلاثة محاور مركزية: علميّة ومهنية وإنسانية. هذه المحاور التي تشكّلت منها شخصية فيليب سالم، الطبيب والعالِم اللبناني الذي بلغت شهرته آفاقاً بعيدة، بفضل نجاحه البارز، كطبيب متخصّص في معالجة أمراض السرطان، بل إن صاحب هذه السيرة وعلى ما يؤكد الكاتب إيلي سالم، في نص تقديمه لها في هذا الكتاب (الذي يروي السيرة الشخصية والعلمية والتربوية لفيليب سالم ويعرض آراءه الفلسفية والسياسية) ليس فيليب سالم طبيباً فحسب، بل إنه مرجع في حقل السرطان، يبحث فيه، يكتبُ عنه، يُرشد الباحثين، ويخترع أدوية تُعالج أصعب أنواع هذا المرض وأخطرها. وفيليب سالم كانت انطلاقته المهنية من الجامعة الأميركية في بيروت، وتحديداً من مركزها الطبي، حيث شكّلا معاً مسرحاً مهماً لإنجازات فيليب سالم في لبنان. فلقد عُرف فيهما بالطالب المتمرّد والحكيم الثائر، الذي خاض معارك كبيرة ومشهودة، لعصرنة وتحديث مناهجهما التعليمية، وأساليب المعالجة والاستشفاء فيهما من مرض السرطان. إذْ إن فيليب سالم تمسّك بالبحث العلمي الحديث طريقاً للمعرفة الحقّة، ما وضعه في مواجهة مع بعض رؤسائه في كلية الطب، ودعاه الى مقارعتهم. فلم يأبه للخلافات؛ بل استمر في قناعاته، واخترق العديد من «التابوات»، واستطاع أن يُحقّق للبحث العلمي في طب السرطان، اعترافاً به، وموقعاً مركزياً له، ونهجاً يُنتهج في سماء لبنان والشرق.

ولقد هاجر فيليب سالم (إبن بلدة بْطرّام في قضاء الكورة شمال لبنان)، الى أميركا، مكرهاً، إذ إن تداعيات الحرب، والتهديدات الجسدية دفعاه الى مغادرة لبنان والاستقرار في أرقى وأهم مركز طبي في العالم «مركز تكساس الطبي» في هيوستون. فما لم يستطع تحقيقه في وطنه علمياً، لِضمور الميزانيات وضعف الإمكانات، نفّذه في الولايات المتحدة، ونال عليه التقدير، الذي يستحقه، فذاعت شهرته في العالم، من خلال توسيع شبكة معالجاته الى بلدان عدة، في طليعتها إيطاليا.

فالبروفسور فيليب سالم حارب داء السرطان، وكانت له، ولمن عمل معهم وعملوا معه، انتصارات عديدة، في ميادين أبحاث وعلاج هذا المرض الخبيث.

عُرِف فيليب سالم بإنسانيته، من خلال اهتمامه بالمريض وبأسرة المريض، بقدر اهتمامه بمحاربة داء السرطان. من هنا، أُقرّ له بإسهامه الهائل، في تحويل جحيم المعالجة الى تجربة مقبولة، غنيّة بالامتحانات والتحديات والإثراء الذاتي. وإلى هذا البُعد، ينضمّ البعد الآخر في شخصية البروفسور سالم، وهو البعد المتمثل بلبنانيته الأصيلة، لا بل كورانيّته، لا بل شغفه غير المحدود ببلدته بْطرّام، أرضاً وأهلاً وتراثاً، وولائه العميق لوالديه، وأمانته لحبّهما وتضحياتهما، ولِما جسّداه في شخصيتهما وفرادتيْهما. على أن شخصية هذا الرجل اكتملت أبعادها في قصة موسومة بالجمع الدائم بين شغفين متلازميْن، بل متقاطعين لديه هما: المغامرة العلمية الإنسانية التي لا تعرف حدوداً معرفية أو جغرافية، والتي يمكن توصيفها على أنها تحد وثورة دائمان، والارتباط الوثيق والمتعمّق بالجذور والمناهل، وأبسط لطائف التراث.

كما ويلتقي البعدان، العلمي واللبناني لفيليب سالم، في بُعد ثالث تجريدي نظري، لا يظهر في التحليل السياسي وسبْر أغوار الأمور الوطنية وحسب؛ بل يتعدّى ذلك الى محاولة اكتناه الكينونة الحقة، وأسرار الوجود، ومراتب المعرفة وتجليّات الجمال، أي الى المعرفة الفلسفية المحصّنة، التي طالما تاق إليها وتركها، مكرهاً، لأسباب خارجة عنه.

وما تدوين هذه السيرة وعلى ما تُوضح الكاتبة إلا مساهمة متواضعة في رسم ثلاثية فيليب سالم في وحدانيّتها العميقة وحبورها.

ولد فيليب سالم خلال الحرب العالمية الثانية، وذلك يوم 13 تموز سنة 1941 في بلدة بْطرّام الكورانيّة. وهو الإبن الخامس لأديب سالم ولميا مالك. ولقد كان والده يشغل في الثلاثينات من القرن الماضي منصب الكاتب بالعدل في قضاء الكورة لأربعة وثلاثين عاماً بلا انقطاع.

تلقّى فيليب دروسه الابتدائية في المدرسة الرسمية في بْطرّام، كانت المدرسة الوحيدة المتوفرة لأهل البلدة. وفي عام 1953 نال فيليب شهادة الابتدائية، وودّع البرنامج الفرنسي، لينخرط في البرنامج الإنكليزي، بانتقاله الى مدرسة خاصة هي مدرسة بشمزّين العالية. وفي هذه المدرسة ظهر نبوغ فيليب المبكر حيث كان الأول بين زملائه في الصف السابع. ورُفّع مباشرة من الصف الثامن الى التاسع، وكذلك أُعفي الصف العاشر ودرس الحادي عشر، وتخرّج من الصفّ الأخير بنيله شهادة البريفيه، أي المتوسطة العامة.

بعد البريفيه قصد مدينة طرابلس والتحق بـ»كلية التربية والتعليم الإسلامية» التي كانت مؤهلة تأهيلاً جيداً لتدريس القسم العلمي الأول لشهادة البكالوريا اللبنانية. وفي «الكلية الإسلامية» ظهرت بوادر التمرّد والثورة لدى فيليب عندما اصطدم مع أساتذة اللغتين العربية والإنكليزية، لاتّباعهما طريقة التلقين والإملاء التقليديتين، فاعترض على منهجية التعليم وعبّر عن رأيه بكل جرأة، منتقداً النظام التعليمي، ومطالباً بضرورة إدخال الحوار والنقاش وعدم الأخذ بكلام الأستاذ كأنه منزّل، فعوقب على ذلك.

كان العام 1958 عاماً مميّزاً في مسيرة فيليب سالم، إذ خوّله نجاحه في البكالوريا قسم أول الى الدخول في الإنترناشيونال كوليدج IC، في بيروت، حيث ترافق انتقاله إليها مع إنشاء المعهد فرعاً خاصاً للعلوم التطبيقية. وفي تلك السنة التي أمضاها في الـIC حصل فيليب على نتائج باهرة جداً في جميع المواد العلمية والأدبية. وبعد نيله شهادة البكالوريا الجزء الثاني دخل فيليب الى الجامعة الأميركية في بيروت وتسجّل في صف الصوفومور في كلية الآداب والعلوم، وعلى الرغم من أنه كان يميل الى التخصص في الفلسفة. إلا انه رضخ أخيراً لمشيئة أمه ونفّذ رغبتها في اعتماد الطب مادة اختصاصه. وعندما قدم طلباً للانتساب الى كلية الطب في 1961 ارفقه بطلب آخر للحصول على مساعدة مالية من المجلس الثقافي البريطاني. ونظراً للعلامات العالية لفيليب وسلوكه الممتاز تكفل المجلس بتغطيه دراسته ومعيشته في كلية الطب طيلة خمس سنوات أي من 1961 الى 1965، ووضع بتصرفه غرفة وحماما مستقلين في مبنى المجلس القريب من الجامعة. ومنح معاشاً شهرياً بقيمة 400 ليرة لبنانية للطعام والمصاريف الشخصية.

حقق فيليب نجاحات لافتة في صفي الصوفومور والجونيور في جميع المواد العلمية والدراسات الحضارية. كذلك استفاد من المكتبة القيمة الموجودة في المجلس الثقافي البريطاني اذ اشبعت نهمه الى قراءة الكتب الفلسفية والأدبية ومن خلالها أحب تولستوي وبرتراند راسل.

إنتخب فيليب رئيساً للطلبة في المجلس الثقافي البريطاني لمدة خمس سنوات. وفي تلك الفترة كان فيليب يتردد الى مطعم فيصل لتناول وجبتي الغداء والعشاء، وقد احتل هذا المطعم حيزاً مهماً من حياته الطالبية والمهنية، حيث عاش أجواء الحوارات السياسية والإيديولوجية الساخنة في ذلك المعْلم الفكري والسياسي في بيروت الستينات. فاقام فيليب علاقات خاصة مع مستخدمي المطعم وضيوفه من مفكرين سياسيين لبنانيين وعرب.

في الجامعةالأميركية عرف فيليب بـ»الطالب المتمرد»، وصوِّر على انه «الثائر» و»الناقد»، المتحامل على أسلوب التعليم المتبع، الساخر من نهج التفكير السائد، ذلك النهج الرافض للرأي الآخر والمانع فتح أبواب الحوار والنقاش مع الطلاب المتدرجين. وكان فيليب ينتفض ضد إهانة الطلاب أمام رفاقهم ويغضب لعدم إحترام الاساتذة لآراء الطلاب وافكارهم، وخلافه مع الاساتذة حول أسباب تعليمية عرّضه للعقاب والانتقام إذ حاول بعضهم تخفيض علاماته المتفوقة حتى لا يتخرج بامتياز.

واستطاع فيليب ان يثأر من أساتذته عندما طلب منه العميد فريد نجار ان يدرّس مادة البيولوجيا في كلية التربية الحديثة الانشاء وقتها في الجامعة اللبنانية، فوضع فيليب قواعد جديدة للتعليم فيها، وعلى مدى ثلاث سنوات استطاع أسلوبه الجديد ان يجذب عدداً من الطلاب الذين أحبوه وتفاعلوا مع طريقته غير التقليدية.

في الوقت ذاته، الذي كان يعلم فيه في الجامعة اللبنانية، كان فيليب طبيباً مقيماً في مستشفى الجامعة الاميركية في قسم الطب الداخلي لمدة ثلاث سنوات. كما كان مسجّلاً في قسم الفلسفة في الجامعة.

في تلك الاثناء عزم فيليب على التخصص في أمراض الكلى، لكن زوجة صديقه التي كانت مصابة بداء سرطان الرحم، تمنّت عليه قبيل وفاتها ان يتخصص في معالجة داء السرطان. وهكذا بدأت رحلة فيليب الطويلة في هذا المجال. تخرج فيليب طبيباً يافعاً سنة 1965 من الجامعة الاميركية في بيروت، وتدرب لثلاث سنوات في قسم الطب الداخلي في المستشفى التابع لها، وفي العام 1968، قرر التوجه الى الولايات المتحدة الأميركية للتخصص في السرطان والابحاث، واختار مركز (ميموريال سلون كيترينغ)، أهم مركز للسرطان في نيويورك.

وقد شكلت «سلون - كتيرينغ» حجر الزاوية في حياة فيليب سالم المهنية وغيرت من مجرى مسيرته العلمية وفتحت له آفاقاً أطلقته في عالم معالجة السرطان على مستوى اميركي وعالمي. وذلك بفضل العملاق الطبي الدكتور دافيد كارنوفسكي مؤسس معالجة الأمراض السرطانية بالدواء الكيميائي هناك، فهو الذي تبنى فيليب مهنيا وأصبح بمثابة الأب الروحي له، وهوالذي عمل على انتقال فيليب في العام 1970 الى هيوستون في تكساس للعمل في مستشفى «إم. دي. اندرسون»، لمتابعة تخصصه. فكان فيليب سالم أول طبيب من لبنان والشرق الوسط يعمل في هذا المستشفى الحكومي.

عاد فيليب سالم الى لبنان في العام 1971، وعين رئيساً لقسم السرطان في الجامعة الأميركية في بيروت، وسرعان ما أصيب بخيبة أمل عندما وجد ان الجامعة التي تخرج منها والمستشفى الذي تدرب فيه لم يكونا بالمستوى المطلوب فسبب له هذا الواقع حزناً وغضباً شديدين، فحاول جهده لتغييره، لكنه اصطدم بعقبات ومطبات، وبالرغم من التحديات التي واجهها على هذا الصعيد استطاع ان يحرز انتصارات علمية عديدة. منها اكتشافه ان السرطان في الامعاء، يبدأ بالتهاب جرثومي ثم يتحول الى سرطان، وكانت هذه هي المدة الأولى التي يبرهن فيها على ذلك، وهذه النظرية التي اطلقها الدكتور فيليب سالم من الجامعة الاميركية في بيروت، كانت أساساً للنظرية التي اعتمدها الطبيبان الاوستراليان الدكتوران باري مارشال وج. روبن وارن فيما بعد، اي بعد عشرين سنة، في معالجة وشفاء القرحة ونالا على أساسها جائزة نوبل للطب في 2005.

وفيليب سالم هو أول من طور نظرية تحول الالتهاب المزمن الى سرطان، وأول من تبنى نظرية الوقاية الكيميائية في 24 آب 1973 اقترن فيليب سالم بالفتاة العراقية وداد جبوري، التي كانت طالبة في الجامعة الاميركية في بيروت، وقد رزقا بأولاد ثلاثة هم: ابنتهما البكر دارة وابنهما خالد وابنتهما الصغرى ريا.

وخلال عمله في لبنان الذي امتد من العام 1971 الى العام 1987 حقق سالم ثلاثة ادوار مهمة:

1 - كان أول طبيب أعطى الأمل بامكانية الشفاء من السرطان.

2 - اسس برنامجاً علمياً لمعالجة الأمراض السرطانية والابحاث عنها.

3 - قام بتدريب نحو 23 طبيباً لبنانياً وعربياً في الجامعة الاميركية دفع بهم الى أهم مركز للسرطان في العالم هو مركز «إم.دي. اندرسون»، حيث أصبح بعضهم رؤساء دوائر ومن قادة البحاثة العلميين في حقول اختصاصاتهم. كذلك ترأس سالم «الجمعية اللبنانية لمكافحة السرطان» لمدة 15 عاماً. كما شغل منصب الأمين العام لمؤسسة برامج السرطان في منطقة الشرق الأوسط.

هاجر فيليب سالم وعائلته الى الولايات المتحدة الاميركية في العام 1987، بسبب ظروف الحرب في لبنان، وفي العام ذاته كان أحد أعضاء لجنة تق,يم الرعاية الصحية في اميركا، والتي كانت قد انشئت للتو في ذلك الوقت. وعضوية سالم في هذه اللجنة، جعلته مقرّبا من الرئيس بوش الأب، الذي في عهده حصل فيليب سالم وافراد عائلته على الجنسية الاميركية.

انضم سالم الى الحزب الجمهوري وأصبح أحد أعضاء الدائرة الداخلية للحزب، ما جعله صديقاً شخصياً لعائلة بوش، وبعد فشل اللجنة الصحية وحلّها، حول سالم اهتمامه الى شؤون الحزب الجمهوري، وعمل على إطلاق برنامج جديد للرعاية الصحية في اميركا.

وفي العام 1991 أسس سالم «مركز سالم للسرطان» المركز الذي وضعته مستشفى سان لوك تحت مظلتها، فقدمت بذلك الى الدكتور سالم عرضا سخيا بتعيينه رئيساً لابحاث السرطان فيها» حيث كانت هذه الخطوة الجبارة نقلة نوعية في حياته المهنية لأهمية ابعادها المستقبلية، من خلال امتياز كبير لا يمنح عادة إلا للأطباء الخارقين، وكان سالم هو الطبيب الثالث الذي منح هذا الامتياز في اميركا، وأخيراً أسس سالم فرعا للجمعية اللبنانية الاميركية للسرطان في هيوستون. كما انشأ ثلاث فروع لمركز سالم للسرطان في ثلاثة مدن ايطالية هي روما وميلانو ونابولي، يزورها سالم لأكثر من مرة في السنة بمرافقة فريق تقني ومهني لمعالجة المرضى فيها.

وقد منح البروفسور فيليب سالم عدة أوسمة اميركية رفيعة لا تمنح عادة إلا لكبار الشخصيات، كذلك نال تكريمات عدة في بلدان مختلفة.

[الكتاب: فيليب سالم (الثائر والعالم والانساني: سيرة).

[ تأليف: مهى سماره

[ عن دار الساقي ودار النهار - بيروت

ـ طبعة أولى 2013



المصدر: المستقبل