أكدت منظمة "مراسلون بلا حدود" غير الحكومية في تقريرها للعام 2019 أن حرية الصحافة واصلت تراجعها غي عدد من الدول، موضحة أن المناطق الآمنة للصحافيين تصبح نادرة، فمن بين 180 بلداً ومنطقة تمت دراستها، تبدو 24% منها فقط في وضع "جيد" أو "أقرب إلى الجيد" لحرية الصحافة، مقابل 26% العام 2018.
وحذرت المنظمة من أن الكراهية للصحافيين من قبل القادة الشعبويين أو المستبدين، تتحول إلى عنف، مضيفة أن عداء القادة السياسيين لوسائل الإعلام شكل "تحريضاً متزايداً على أعمال عنف متكررة أثارت مستوى غير مسبوق من الخوف والخطر على الصحافيين".
وأضافت المنظمة أن "العداء للصحافيين، إن لم تكن الكراهية التي يكنها قادة سياسيون في بعض الدول للصحافيين، أدى في نهاية المطاف إلى أعمال أكثر خطورة"، وأشارت إلى "تزايد المخاطر، ونتيجة لذلك، تزايد الخوف في بعض الأماكن" بين الصحافيين، موضحة أن المضايقات والتهديدات بالقتل والاعتقالات التعسفية تصبح أكثر فأكثر جزءاً من "مخاطر المهنة".
وبحسب التقرير الذي نشرته المنظمة عبر موقعها الإكتروني، قال الأمين العام لـ"مراسلون بلا حدود" كريستوف ديلوار: "إذا انحرف النقاش السياسي بشكل خفي أو جلي نحو جوّ أشبه ما يكون بالحرب الأهلية، حيث يُعد الصحافيون من ضحاياها، فإن النماذج الديموقراطية تُصبح في خطر كبير"، مضيفاً أن "وقف آلة الخوف هذه ضرورة مُلحة بالنسبة لذوي النوايا الحسنة المتشبثين بالحريات المكتسبة عبر التاريخ".
وجاءت سوريا في المرتبة 174 من أصل 180 دولة في المقياس الجديد لحرية الصحافة متفوقة على السودان (175) ودول مثل الصين وإرتيريا وتركمانستان التي تذيلت اللائحة، كما تراجعت السعودية ثلاث مراكز التصنيف وباتت في المرتبة 172 بعد مقتل الصحافي البارز جمال خاشقجي بدم بارد في قنصلية بلاده في إسطنبول العام الماضي، والذي كان بمثابة "رسالة فظيعة إلى الصحافيين والمراسلين في جميع أنحاء العالم، وليس فقط داخل حدود المملكة العربية السعودية" علماً أن العديد من الصحافيين في المنطقة استسلموا للرقابة الذاتية أو توقفوا عن الكتابة، خوفًا على حياتهم.
وتصدرت النروج مؤشر المنظمة للسنة الثالثة على التوالي، في حين استعادت فنلندا (+2) المركز الثاني، على حساب هولندا (4، -1)، حيث يُجبر صحافيان متخصصان في الجريمة المنظمة على العيش تحت حماية الشرطة الدائمة. وفي المقابل تراجعت السويد مرتبة واحدة لتحتل المركز الثالث، بعد تجدد أحداث التنمر السيبراني ضد الصحافيين. وعلى صعيد القارة الأفريقية، حققت كل من إثيوبيا (110، +40) وغامبيا (92، +30) تقدماً ملحوظاً.
في السياق، تشهد 24٪ فقط من البلدان الـ180 حالة "جيدة" (المنطقة البيضاء) أو "جيدة إلى حد ما" (المنطقة الصفراء) مقارنة بـ26٪ العام الماضي. وفي ضوء ترسُّخ مناخ معادٍ للصحافة أكثر فأكثر، بسبب تصريحات دونالد ترامب وغيرها من الممارسات، فقدت الولايات المتحدة (48) ثلاث مراتب العام 2019 لتنضم إلى المنطقة البرتقالية، ما يعكس بوضوح الوضع الإشكالي الذي تعيشه البلاد، حيث لم يسبق أبداً أن بلغت وتيرة التهديدات بالقتل ضد الفاعلين الإعلاميين الحد الذي وصلت إليه في الآونة الأخيرة، كما لم يسبق للصحافيين أبداً أن تقدموا بمثل هذا الكم الهائل من طلبات الحماية لشركات أمن خاصة في الولايات المتحدة.
وبحسب التقرير، بلغت الكراهية ضد وسائل الإعلام ذروتها في الولايات المتحدة عندما أطلق رجل النار على صحافيي جريدة "كابيتال غازيت" في ولاية ماريلاند، ما أسفر عن سقوط خمسة قتلى، علماً بن مرتكب الجريمة كان قد أفصح عن كراهيته للصحيفة علانية من خلال رسائل نشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي قبل الإقدام على تلك المجزرة الشنيعة.
وبقيت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأصعب والأخطر على سلامة الصحافيين. فبينما انخفض بشكل طفيف عدد الصحافيين القتلى في سوريا خلال العام 2018، فإن ممارسة العمل الصحافي تبقى خطيرة في بعض البلدان، مثل اليمن وليبيا، كما يئن الفاعلون الإعلاميون في المنطقة أيضاً تحت وطأة الاعتقالات التعسفية وعقوبات السجن، علماً بأن إيران التي تقبع في المركز 170، مازالت واحدة من أكبر سجون الصحافيين على الصعيد العالمي، بينما يظل عشرات آخرون قابعين خلف القضبان في كل من السعودية ومصر والبحرين من دون أن تُوجَّه لهم تهم رسمية يُحاكَمون بها.
وتبقى تونس، التي تصدرت الدول العربية بوقوعها في المركز 72 استثناء على ذلك، فيما يتواجد لبنان خلفها على الصعيد العربي، في المركز 101 عالمياً، متراجعاً مرتبة واحدة عن العام 2018 الذي شهد زيادة في حالات المدونين والصحافيين عبر الإنترنت الذين يتلقون مذكرات استدعاء من "مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية" على خلفية تعليقاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تثير شكاوى من طرف خاص، غالباً ما يكون شخصاً بارزاً مرتبطاً بالحكومة.
إلى ذلك، بقيت منطقة الاتحاد الأوروبي والبلقان الأكثر احتراماً للصحافة رغم تراجعها النسبي في ظل تعرض الصحافيين في بعض دول المنطقة لأسوأ التهديدات، بعد الاغتيالات في كل من مالطا وسلوفاكيا وبلغاريا والهجمات اللفظية والجسدية التي خيمت على الأجواء في صربيا أو الجبل الأسود، بالإضافة للمستويات غير المسبوقة من العنف خلال مظاهرات "السترات الصفراء" في فرنسا لدرجة أصبح معها مراسلو بعض القنوات لا يجرؤون على إظهار شعار أو علامة المؤسسة الإعلامية التي يعملون لحسابها، مع اضطرار بعضهم إلى الاستعانة بحراس شخصيين للتمكن من تغطية المظاهرات.
وأشار التقرير إلى أن الانتقاص من قيمة العمل الصحافي أصبح أسلوباً من الأساليب المُتبعة بشكل علني في مختلف أنحاء أوروبا: ففي المجر يواصل قادة حزب فيكتور أوربان رفضهم التحدث إلى الصحافيين الذين لا ينتمون إلى وسائل الإعلام "الصديقة"، بينما تحولت الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في بولندا إلى أداة دعائية تستخدمها الحكومة حسب أهوائها لتكثيف الضغط على الصحافيين.
يذكر أن "مراسلون بلا حدود" تنشر التصنيف العالمي لحرية الصحافة سنوياً منذ العام 2002، حيث يعمل على قياس حالة حرية الصحافة في 180 بلداً، انطلاقاً من منهجية تقيم مدى تعددية وسائل الإعلام واستقلاليتها وبيئة عمل الصحافيين ومستويات الرقابة الذاتية، فضلاً عما يحيط بعملية إنتاج الأخبار من آليات داعمة مثل الإطار القانوني ومستوى الشفافية وجودة البنية التحتية.
المصدر: المدن