فكر حر
زياد أبو عبسي... الماركسي الذي مات وحيداً كما عاش

عبيدو باشا

الإثنين 19 تشرين الثاني 2018

لا أزال أنسى أن أشبع من الحزن. لا أزال وحيد هذا القرن، وحيد تحيطه الكتائب والفصائل والأسنان، لأنّ بلاداً تلتهم أولادها بجوع كبير وسائب، بلاد أسنان، لا تعترف بصواب ولا بحياة. لا تعترف إلا بالموت. موت زياد أبو عبسي (1956 ـــ 2018) موت من فاته أن يعلن أنه ملاك، وحين أخفق مات. رجل حاضر على الدوام، رجل غائب على الدوام.

 

رجل مبعثر على الطرقات وعلى قبة بلاد بلا قبة. زياد فكرة طيبة لإنسان طيب، لم يستطع أن يخبئ طيبته في الرمل، ما استطاع أن يحب التدجين، هكذا أصيب بالعطب الأول. بعدها أصيب بالأعطاب الكبرى جراء الأمر. غرق زياد في الصداقات، ولم يستطع بناء صداقات لا تغرق، وهو يتهور باللطف من دون أن يمتلك القدرة على التقافز بالسعادة. وُجد زياد أمس في منزله في منطقة الشويفات. وجد في مظهر لا يزال يخدع. باسمٌ ، غير أنه ميت. مات من سقط رأسه بالصدفة بين قرني العالم، بين قرني الكرة الأرضية. الحزن على موته الأقرب إلى حياته، حزن قطعان على شخص سال بأكبر التجارب المسرحية في لبنان منذ وجد هشاً على طرقات بيروت.

 

لأن الرجل قليل اللغة، قليل الكلام، لأن الرجل ولد في صيدا. وإنّ من لا يولد في بيروت يموت. لأن من لا يولد في المدينة، يتهم بضعف القلب والجبن. قلب زياد قلب سهل وأليف، ضعيف لأنّ الرب هندس بجسده كل الأمراض الصفيقة. السكري والضغط وثرثرات الأعصاب الخاسرة. غير أن زياد لا علاقة له بالامتلاءات الكاسرة، لا علاقة له إلا بفهم ما يؤلم الواقع وما يؤلم الخيال أكثر. هذا الصباح صباح نشاز بموت زياد. ليس بنيّتي أن أفهم لأنني أفهم أن الرجل أدرك أن السعادة أمر شائك. الآن أدرك أن جيل زياد، جيلنا، ليس بمقدوره أن يرمم أي شيء، بعدما قدم كل شيء من أجل أن يفيد البلاد.



المصدر: الأخبار