فكر حر
مارون بغدادي... السينما اللبنانية ابنة شرعية للحرب

أمل عارف

الإثنين 3 أيلول 2018

ضمن نشاطها «ثلاثاء الأفلام»، تخصّص «دار النمر للفن والثقافة» بالتعاون مع «نادي لكل الناس» شهر أيلول لاستعادة أبرز أعمال مارون بغدادي (1950 ـــ 1993). أربعة أفلام تروي الانقسامات والحروب اللبنانية، وقصص من عايشها.

من غير المنصف القول إنّ الحرب هي ما صنع سينما مارون بغدادي على رغم مساهمتها الكبيرة في أعماله وفي تشكيل هوية السينما اللبنانية عموماً. شاءت ظروف المخرج الشاب العائد من إتمام دراساته السينمائية في فرنسا، أن تبصر أول أعماله النور بالتزامن مع بداية إطلاق النار. تسابقت العروض الأولى لباكورة أعماله الروائية «بيروت يا بيروت» (1975) مع دوي الرصاص وارتفاع المتاريس. كانت الغلبة للحرب، ولم يحصل «بيروت يا بيروت» على فرصة مشاهدته من قبل الجمهور إلا بعد سنوات. كان هذا العمل بمثابة إنذار من بغدادي، حيث رقعة الانقسام بين أبناء البلد الواحد اتسعت، وعوامل الانفجار الداخلي تكاثرت.

مع اندلاع المعارك، اندفع بغدادي إلى الميدان للتسجيل، إلى الأعمال الوثائقية، جاعلاً من هذا التوثيق تجارب متراكمة تمكنّه من العودة إلى السينما الروائية. تأملّ طويلاً في الحرب التي استمرّت أكثر من 15 عاماً، تبادل معها مشاعر مختلفة، ترجمها في أعماله. كان كرهه للحرب واضحاً في صوره القاسية. لكن خلف هذه القساوة، كانت هناك جاذبية في عدسته. كان للدمار في شوارع بيروت، وللثقوب في جدران منازلها وفي سكانها، جمالية خاصّة... ظاهرة في صور جميع الأعمال السينمائية التي صوّرت الحرب.
أفلامه توثيق للحالة الإنسانية أكثر منها توثيق للأحداث، رصد لآثار الوقت الذي يمرّ خلال الحرب. أراد أن يروي يوميات شخصيات، كانت يمكن أن تكون قصصها شبيهة لأخرى خارج لبنان، لولا أنّ الحرب هي الإطار الخارجي لهذه القصص.


الوقت في أفلام بغدادي يحوّل مشاعر شخصياته ويحوّل أفكارها، يجعلها تخلط بين الوهم والواقع، تحوّل معاركها الكبرى إلى حروب صغيرة، وشخصيّة. هناك خيط في معالجته لهذه الشخصيات والقصص يربط بين أكثر من عمل. بين «بيروت يا بيروت» و«حروب صغيرة» على سبيل المثال، أو حين مهّد من خلال بعض أحداث «لبنان بلد العسل والبخور» للقصة الأساسية في فيلم «خارج الحياة». كذلك كان وثائقي «همسات»، بمثابة اكتشاف لشخصيّة المصوّر الفوتوغرافي نبيل إسماعيل أمام عدسة الكاميرا وتطوير هذه الشخصية بين شخصيات أخرى، إلى جانب كمّ من القصص والمشاعر رصدها مارون ليخرج بسيناريو عمله الروائي «حروب صغيرة».


في الجانب التاريخي، وثّقت أعماله أيضاً أكثر من مرحلة. أعماله التسجيلية وثّقت الاجتياح الإسرائيلي، الاقتتال في الشارع، الانقسام، مرحلة اغتيال كمال جنبلاط، المقاومة… أما الروائية كما «بيروت يا بيروت»، فرصدت المدينة المقبلة على الحرب. وفي «حروب صغيرة» رصد التحوّلات في المدينة وناسها خلال الحرب. «لبنان بلد العسل والبخور» و«خارج الحياة» تناولا مرحلة خطف الأجانب في لبنان وانتشار الفوضى.


لم تشبع أعماله فضول المُموّل الغربي وأحكامه المسبقة عبر رؤية كليشيهات الحرب في «الشرق الأوسط». ولم يخفِ نقده لعبثية الحرب وللعنف الذي تلده. فالخاطف المحلّي في أعمال بغدادي ضحية كما المخطوف. المخطوفان الفرنسيان، الطبيب في «بلد العسل والبخور» والصحافي المصوّر في «خارج الحياة»، ليسا شاهدين على الأحداث فحسب، بل على الهستيريا والجنون اللذين يطاولهما أيضاً.

لذا كانت سينما مارون التي تناولت الحرب مجنونة أيضاً، وهنا يختلف عن جيله السينمائي. أراد أن يسبر داخل شخصياته التي تعيش الحرب، أن يصوّر التوتّر، التردّد، الضجر، الهستيريا، والتحوّلات في الأفكار والمزاج والمشاعر، وفي الهموم... ضمن مشاهد بعضها ساخر وبعضها سريالي.


أحد المشاهد الأكثر دلالة على عبثية الحرب في أفلامه، اقتحام شخصية المقاتل «دي نيرو» الأحداث في فيلم «خارج الحياة»، ليعلن للصحافي الفرنسي المخطوف أنّ ما يراه فيلماً سينمائياً، يصوّره مع أصدقائه. هذا بالإضافة إلى مشهد الحصان الأبيض الذي يجري محاولاً عبور خطّ التماس في العمل ذاته.
كانت للحرب جولاتها التي لا تهدأ ولا تتوقف، وكانت لمارون جولاته فيها. لم يرتح منها إلا من خلال بعض الأعمال التي أخرجها في فرنسا، حين قرّر مغادرة لبنان. «زوايا» العمل الذي لم يبصر النور، كان عن الحرب أيضاً، انتهى من كتابته مع الروائي حسن داوود، لكنه توفي في نهاية شبيهة لما كان قد كتبه في السيناريو لإحدى شخصيات الفيلم.


أفلام الحرب لم تتوقف مع رحيل مارون أو عند أعمال جيله السينمائي. استمرّ هذا الاتجاه إلى ما بعد إعلان وقف إطلاق النار النهائي. فالسينما، في غياب قرار التوثيق العلمي الموضوعي، ووجود أمراء الحرب في مواقع السلطة، هي الأداة الأفضل للتوثيق ولتصفية الحسابات. كما أن أعمال جيل الحرب كمارون بغدادي، وجوسلين صعب، وجان شمعون، ورندة الشهّال وبرهان علويّة، هي زاد لدحض أي تزوير قد يطاول هذا الاتجاه السينمائي، في بلد يُمجَّد فيه مجرمو الحرب.



المصدر: الأخبار