في العام 1958 أصدر أستاذ الفلسفة عثمان أمين كتابه «رواد الوعي في الشرق الإسلامي» وحددهم في: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي السوري، محمد إقبال الهندي، لأنهم يشتركون في سمات واضحة جعلتهم، على اختلافهم في الزمان والمكان ينتمون إلى سلالة روحية واحدة؛ فهم مفكرون «جوانيون» على الأصالة. والنظر والعمل عندهم متصلان أوثق اتصال، وهم جميعاً متفقون على أن الدين؛ في أعلى صوره ليس أحكاماً جامدة، ولا كهنوتية ولا أذكاراً، وإنما تتيسر بالدين تهيئة الإنسان المعاصر لحمل العبء الثقيل الذي يحمله إياه تقدم العلوم في عصرنا. وهم يرون الإيمان والثقة ييسران اكتساب شخصية في هذه الدنيا والاحتفاظ بها في الآخرة. وهم مشتركون كذلك في نظرتهم الجوانية إلى العلاقة بين الدين والسياسة؛ إذ يرون أن لا تعارض بين السياسة والدين لو فُهما على الوجه الصحيح، ويرون أن إصلاح الدين هو أسهل وأقوى وأقرب طريق للإصلاح السياسي. كما أنهم جميعاً؛ بعد نجاح دعوتهم لإيقاظ الوعي الإنساني أصبحوا في بلادهم من رواد الوعي القومي. غير أن عثمان أمين أمضى خمس سنوات ليبلور ما اعتبره السمة الأولى التي ربطت بين هؤلاء الأعلام، وهي ما سماه «الجوانية»؛ لذلك أصدر العام 1963 كتابه «الجوانية (دار تعليم القاهرة). وبلورها في إهدائه: «إلى القراء في الوطن العربي»؛ بعبارة «إذا كان للرأي عينان فللقلب عيون». فعقيدة «الجوانية» عند عثمان أمين هي عقيدة مفتوحة تأبى الركون إلى «مذهب» أو الوقوف عند واقع، وتتجه إلى «المعنى» و «القصد من وراء اللفظ أو الوضع وتتجه إلى «الفهم»، و «التعاطف» لا إلى الحفظ والتقرير، وتدعو إلى العمل البنّاء مؤسساً على النظر الواعي، وتلتفت إلى الإنسان في جوهره وروحه؛ لا في مظهره وأعراضه، وتدرسه في حياته الداخليه لتنفذ إلى ما هو أصيل فيه. يرد أصول الجوانية عنده: من تآكل روح الدين الأخلاقية بعامة ومن تأمل آيات القرآن وأحاديث الرسول بخاصة. وباعتبار ما كان للدين والأخلاق من سلطان على المصريين القدماء، فقد أفصحوا عن جوانيته بالإيمان واستنكارهم للتظاهر والنفاق، لذلك نقل عن أحد أعيانهم قوله: «إن أهل الصخب والضجيج من المغضوب عليهم، فصلي لربك بقلب خالص وامسك عن الكلام يستجاب لدعائك ويتقبل قربانُك». وباعتبار أن المصريين وغيرهم من العرب، تعرضوا لموجات من الطامعين والغاصبين؛ شرقيين أم غربيين، فقد أورثوهم شعوراً بتهافت سلطان الدين والأخلاق، وبتغلغل هذا الشعور على مر الايام نُسيت «الوسطية» الإسلامية في كنهها الحقيقي ولم يبق منها إلا رسومها الظاهرة. ومن هنا كان شيوع «البرّانية»عند الناس والذي تبدى في هذا الاختلاف الصارخ بين الأقوال والأفعال، والتباين الجامح بين المظاهر وافتراق العبادات عن روح العقيدة السمحاء واستغلال أحكام الدين الحنيف في تحقيق المآرب وتبرير النزوات. ولذلك استخلص أن الجوانية فلسفة تستند على تزكية للوعي الإنساني وممارسة الحرية النفسية، وتسعى إلي تعميق فهمنا للمقاصد والمعاني والقيم. وبهذا الاعتبار تمارس الوظيفة الفلسفية الأصلية: التماس اللب والمبدأ والكيف والحق. إنها لا تقيس حياة الإنسان الفكرية والعاملة بالمقاييس البرانية، خصوصاً مقياس الكم الذي تقاس به المادة والذي يطفئ جزوة الحياة الإنسانية ويغرقها في لجة «الحتمية». ويناقش عثمان أمين ركائز في أخلاقية الإسلام ومسلماتها، ويعددها في: كرامة الإنسان، فكتاب الأمة الإسلامية، ينص صراحة على تكريم الإنسان وتفضيله على بقية مخلوقات الله. وكرامة الإنسان قوامُها القلب والإرادة والعقل. والمسلّمة الثانية هي مسلمة الحرية الإنسانية وما ينتج منها من مسؤولية فردية وحرية الاختيار. أما المسلّمة الثالثة فهي حسن النية واستقامة الضمير، والإسلام يقوم على استيحاء الضمير واستفتاء القلب. ويستشهد في هذا بأن النبي عليه السلام كان دائم التذكير والتنبيه إلى أن القيمة العليا للعنصر الجواني هي في الأفعال متمثلة في الإيمان، والصدق والإخلاص.
ويخصص عثمان أمين في كتابه فصلاً عن «الجوانية في أخلاق الصوفية»، وباعتبار الرسول عليه السلام قد عبّر عن الجوانية في قوله: «لكل امرئ جواني وبراني، فمن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه، ومن أفسد جوانيه أفسد برانيه»، وهي دعوة إسلامية صريحة كان لا بد أن تشغل مكاناً من أخلاق المحققين من الصوفية المسلمين. والجوانية في الأخلاق الصوفية دعامتها وعي مستنير يتبعه عمل بناء يعتمد القيم الروحية والمثل العليا ويرى أن لا حياة لفرد ولا لجماعة من دونها. والحب هو المبدأ الأعلى في الأخلاق الصوفية، فهو لب الدين وغاية المجاهدة. كما المؤلف يخصص فصلاً للجوانية الأخلاقية عند الإمام الغزالي، فهي تتمثل عنده في أمرين؛ الأول أن يكون بحث المرء عن علم الأعمال وعما يفسدها ويشوش القلوب ويهيج الوسواس ويثير الشر. أما الأمر الثاني فهو أن يكون اعتماده في علومه على بصيرته وإدراكه وصفاء قلبه؛ لا على الصحف والكتب ولا على تقليد ما يسمعه من غيره. ويفرق الغزالي بين «الجواني» و «البراني» بتفرقته بين «العالِم» و «الحافِظ»، منبهاً إلى أن شيمة العالِم أن يكون باحثاً عن أسرار الأقوال والأعمال. وحاصل موقف الغزالي من الأخلاق الإسلامية هو تحريه المعنى الجواني، واشتراط «حضور القلب» في كل عمل من أعمال الإنسان؛ سواء كان عبادة أو معاملة.
ويخلص عثمان أمين إلى أن الدين هو البعد الجواني للإنسان، فالدين من حيث هو الدين يوجه الإنسان إلى ذلك البعد الجواني فيه ويدعوه إلى الإيمان بقوة غيبية فائقة ويدعوه إلى الإيمان بوجود إله قدير. ويختم بالاتفاق مع الفيلسوف برغسون في أن الإنسان «حيوان ديني» وأن الذين لا يشعرون بذلك البعد الجواني هم مثل من يعجزون عن تقدير روائع الفن الجميل لفقدانهم حاسة التذوق الجمالي.
المصدر: الحياة