في الذكرى المئتيْن لميلاد صاحب «الماركسية» كارل ماركس، غيّب الموت القطب اليساري المصري البارز، عضو مجلس قيادة ثورة تموز (يوليو) عام 1952 خالد محيي الدين عن 96 عاماً، بعد مسيرة عامرة في العمل السياسي غلّفتها «الأخلاق» لا «الميكافيلية» الحاكمة في تلك الحقب.
ولد محيي الدين في مدينة كفر شكر في محافظة القليوبية المتاخمة للقاهرة، وتخرّج من الكلية الحربية عام 1940، وانضم الى «الضباط الأحرار»، وأصبح عضواً في مجلس قيادة الثورة، لكنه سرعان ما استقال منه بسبب خلافاته مع الضباط الذين رفضوا طلبه عودة الجيش إلى ثكناته.
أثار محيي الدين جدلاً لم ينقطع إلى الآن بسبب روايته في مذكراته الشخصية «والآن أتكلم» الصادرة عام 1992، عن انضمامه قبل الثورة ومعه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، إلى التنظيم السري في جماعة «الإخوان المسلمين»، بترتيب من مؤسس الجماعة حسن البنا، وهو أكد أنه وعبد الناصر أقسما على مصحف ومسدس يمينَ الطاعة لمرشد الجماعة، وأعلنا البيعة التامة الكاملة والشاملة له، وهي رواية كذبها كُثر من الضباط الأحرار من رفاق عبد الناصر.
ولما لم تجد أفكار محيي الدين «الديموقراطية» هوى لدى الضباط الأحرار، انزوى في سويسرا لفترة، قبل أن يعود ليُنتخب عضواً في البرلمان، ثم أسس أول صحيفة مسائية، وترأس مجلس إدارة وتحرير دار «أخبار اليوم».
وبعدما أعلن الرئيس الراحل أنور السادات حل الاتحاد الاشتراكي، والتوجه إلى سياسة «المنابر» (التي هي تعددية سياسية مُفصلة)، أسس محيي الدين عام 1976 حزب «التجمع الوطني الوحدوي التقدمي اليساري»، الذي ذاع صيته في حقبتي الثمانينات والتسعينات، وكان واحداً من أكبر الأحزاب المصرية، لكنه تراجع مع أفول نجم الأحزاب عموماً في مصر.
عارض محيي الدين السادات سياسياً واقتصادياً، ورفض بشدة، انطلاقاً من أفكاره الاشتراكية، «سياسة الانفتاح الاقتصادي» التي تبناها السادات، وعلى قاعدة يسارية، عارض سياسة السلام مع إسرائيل، ورفض السفر برفقة السادات إلى تل أبيب، فطاولت اعتقالات أيلول (سبتمبر) الشهيرة غالبية قادة اليسار وحزب التجمع. ورغم الخلاف بين محيي الدين والسادات، إلا أن الأول حفظ للثاني قدره طوال السنوات التي تلت اغتياله، ولم يبخسه دوره في نصر أكتوبر عام 1973، فهو السياسي الذي تربى إلى جوار «الصوفية المتسامحة».
وفي عام 2005، لما قرر الرئيس السابق حسني مبارك للمرة الأولى منذ ثورة تموز (يوليو) 1952 إجراء انتخابات رئاسية تعددية، اتجهت الأنظار إلى شخصيات بقيمة محيي الدين لمنافسة مبارك، ربما لمنح المشهد «إخراجاً لائقاً». لكن السياسي العتيد رفض خوض تلك الانتخابات، وقاطعها حزبه.
ونعت الرئاسة المصرية ببالغ الحُزن والأسى «السياسي الكبير»، وقالت في بيان إن الفقيد على مدار مسيرته السياسية الممتدة، كان رمزاً من رموز العمل السياسي الوطني. كما نعاه مجلسا الوزراء والنواب.
المصدر: الحياة