بالورقة والقلم، والرقم والإحصاء، ولائحة الإنجازات ومجابهة الإخفاقات، حققت المرأة المصرية الكثير وأبرمت المفيد ولم يتبقَ لها سوى أن تسند ظهرها على مقعد وثير وتحتسي كوباً من الشاي احتفالاً بما تحقق وانتظاراً لما توثق.
عام قاس من المصاعب الاقتصادية والضغوط الاجتماعية والمشاحنات السياسية مرّ في حياة المصريين، لكن المرور عادة يكون أثقل وطأة وأعقد في تفاصيله على النساء أكثر منه على الرجال. فالتفاصيل الدقيقة تشكّل مجتمعة حياة ملايين من النساء. مذاكرة الصغار ورعايتهم الصحية، غذاء الأسرة، شراء مستلزمات البيت، عملها خارجه، مهامها داخله، تعاطيها وتعاملها وتعايشها مع الشارع الذي تحول في حدّ ذاته إلى معضلة حارقة للأعصاب وضاغطة على القلب والعقل.
قلوب 3.3 مليون امرأة مصرية وعقولهن وجيوبهن مسخّرة لإبقاء أسرهن على قيد الحياة. الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء كشف في مناسبة يومي المرأة العالمي (8 الجاري) والمصرية (16 منه) والأم (21 منه) أن 14 في المئة من الأسر المصرية بواقع 3.3 مليون أسرة ترأسهن نساء.
وليست رئاسة النساء لهذه الملايين من الأسر من النوع المفتخر حيث يحصل الرئيس على معاملة مميزة، ومكانة مرموقة، وتسهيلات معروفة. لكنها رئاسة تجعلهن واقعات بين شقي رحا توفير القوت اليومي للأسرة من جهة، مع مواجهة المجتمع الممسك بتلابيب القيم الذكورية والفوقية المرتكزة على أساس الجنس من جهة أخرى.
من جهة الأرقام، فإن أكثر من 22 في المئة من القوى العاملة نسائية، وإن كانت المهن الهامشية والمندرجة تحت بند السوق الموازية، وما أكثرها، غير مدرجة. وما يزيد على ربع العاملين في القطاع الحكومي هم من النساء. والحكومة الحالية تضم أكبر عدد عرفته مصر من الوزيرات، إذ بلغ عددهن ستاً يحملن حقائب بالغة الأهمية من اقتصاد وتخطيط وسياحة وتضامن اجتماعي وهجرة وثقافة. وعلى رغم ذلك، فإن جهة التغيير الاجتماعي تعاني بطئاً رهيباً ومقاومة عنيفة، ما يعني حتمية بذل جهد كثير من أجل تغيير هذا الوضع.
يوضح ريتشارد ديكتوس، المنسّق المقيم للأمم المتحدة الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر، أن المرأة في مصر تتمتع بفرصة تاريخية. «وكما هو الحال بالنسبة للمصريين جميعاً، فإن المرأة حالياً أفضل تعليماً وأكثر صحة وانخراطاً في الاقتصاد من الأجيال السابقة»، مشيراً إلى أن القيادة السياسية أعلنت التزامها بمعالجة أوجه عدم المساواة التاريخية التي أثرت على وضع المرأة في المجتمع وعزمها على المضي قدماً في هذا المسار، إلا أنه وصف التغيير الاجتماعي بـ «البطيء». وأضاف أن «الإرادة السياسية وحدها لا تكفي لضمان بقاء الفتيات جميعهن في المدارس حتى سن 14 سنة على الأقل، لا سيما وأن الأكثر تعليماً بينهن لا تتزوج في سن مبكرة ويكون لديها عدد أقل من الأطفال».
ويربط ديكتوس بين النهوض بالمرأة المصرية وفرصة حصولها على تعليم جيد جنباً إلى جنب مع توافر الإرادة السياسية ورؤى النهوض بها على مستويات أخرى.
مستويات عدة تحلم المرأة المصرية فيها بالتغيير. فبدءاً بظروف العمل الصعبة والتي عادة لا توفّر أية خدمات للأم العاملة، مروراً بمرارة التعايش مع شارع يتعامل معها إما بعنف نفسي متأرجح بين رفض وجودها فيه أو التحرّش بها، وانتهاء بأعباء أسرية لا أول لها أو آخر، وكل ذلك في ظل تقلّص وانكماش إن لم يكن تبخّر وانعدام مساحات مخصصة لها ككائن على قيد الحياة.
ثناءات عدة وإطراءات كثيرة تتواتر هذا العام فيما يتعلّق بالمرأة المصرية. فالقيادة السياسية لا تألو جهداً في توجيه رسائل عميقة المغزى يرفض المجتمع فهمها ناهيك عن هضمها. فعلى رغم من وزيرات يحملن حقائب مهمة، وبرلمانيات ذائعات الصيت، ونماذج من النساء العاملات المصنفات بـ «المهمّشات» وجدن أنفسهن في بؤرة اهتمام رئيس الدولة نفسه، تارة بالتكريم وأخرى بالرعاية وثالثة بتخصيص برامج الدعم الاقتصادي وخطط العون الاجتماعي، إلا أن المجتمع لا يزال مصراً على حبس النساء والفتيات في خانات بالغة الضيق، تارة باسم الدين وأخرى تحت مسمّى العادات والتقاليد، وثالثة إبقاء للوضع على ما هو عليه وهو ما يفسره خبثاء بالغيرة من نجاح النساء.
وللغيرة أشكال وألوان وفق اختلاف الأسباب. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن عدداً متزايداً من القوانين صدر أو جاري إصداره لصالح المرأة. وفي كل مرة يصدر فيها قانون ينصف النساء ويعيد لهن جانباً من الحقوق المهدورة والمسلوبة من دون وجه حق، ينتفض بعض الرجال غضباً، ويحذّر آخرون من تمكين النساء على حسابهم ملوّحين إما بفزاعة التحريم الديني أو محتكمين إلى العادات الشرقية الأصيلة والتقاليد العربية العتيقة.
فمن قوانين ومشاريع قوانين تنظيم العلاقات الزوجية منذ بداية إبرام عقد الزواج، إلى تجريم أشكال العنف ضد المرأة وختان الإناث ومنع التمييز وغيرها، يتناولها رجال كثر بقلوب ملؤها عدم الرضا. ويكفي مشروع قانون الميراث، والذي يقترح سجن كل من امتنع عمداً عن تسليم الورثة نصيبه الشرعي من الميراث ستة أشهر وغرامة تتراوح بين 20 و100 ألف جنيه. كما يقترح القانون أن يعاقب كل من يحجب سنداً يؤكد نصيباً للوارث، أو يمتنع عن تسليمه حال طلبه من أي من الورثة الشرعيين. ويذكر أن نساء كثيرات في مصر، لا سيما في مناطق الصعيد لا يحصلن على أنصبتهن في ميراثهن الشرعي خوفاً من أن تؤول إلى رجال غرباء من خارج الأسر ألا وهم أزواج البنات.
وبينما المرأة المصرية تعيش موسم الاحتفالات النسائية هذه الآونة، تتابع ثناء الجهات الرسمية على ما يجري إنجازه على صعيد الوزيرات والسفيرات والقاضيات. كما ينمو إلى مسامعها ما يقوله مسؤولو المنظمات الأممية عن رؤية المرأة المصرية 2030، التي هي أول وثيقة استراتيجية عالمياً تهدف إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة لها. لكنها تعلم إنها في صباح اليوم التالي مضطرة لمواجهة الشارع حيث العنف مغلّفاً برؤى دينية منغلقة أو مفاهيم اجتماعية مندثرة، ومنه إلى مكان عمل خالٍ من الخدمات التي تشدّ من أزر الأمهات العاملات، ومنه إلى البيت حيث التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة مسؤوليتها، وإلا فاتهامات التقصير جاهزة للانطلاق بغض النظر عن عدد الوزيرات والسفيرات والقاضيات ورؤية 2030.
المصدر: الحياة