فكر حر
رحيل كوزو أوكاموتو يطوي صفحة "النضال الأممي" في لبنان

نور الهاشم

الجمعة 24 تموز 2026

في ظهوره الإعلامي الأخير في 30 أيار/ مايو 2022، لم يقل كوزو أوكاموتو إلا عبارة واحدة: "هالو".. ألقى التحية على حشد من الصحافيين والمصورين اليابانيين الذي حاولوا الحصول منه على تصريح، لكنه لم يدلِ بأي تصريح آنذاك. وأعاد مرافقوه الأمر إلى أنه "لاجئ سياسي"، واللاجئ، "ممنوع من التصريح". 
 
كان ظهور كوزو، المعروف باسم "أحمد الياباني"، نادراً. فإلى جانب وضعه الصحي، كان الرجل يتنقل بين منطقة البقاع في لبنان، والضاحية الجنوبية لبيروت، بسرية تامة، ويقيم في البلاد بصمت. فقد منحته الدولة اللبنانية صفة "لاجئ سياسي"، وهي منحة لا تُعطى لأي شخص في لبنان. كان كوزو أوكاموتو، الوحيد الحائز عليها، نالها في العام 2000 بعد صراع حكومي وجدال سياسي.. لكنها كانت تسوية لمنع ترحيله، خلافاً لرفاقه الأربعة الذين سلمهم لبنان إلى السلطات اليابانية بعد اعتقالهم في العام 1997، واستبقته وحده نظراً إلى "تاريخه النضالي".
 
الجيش الأحمر
 
أوكاموتو المولود في العام 1947 في مدينة كوماموتو جنوبي اليابان، كان انضم إلى "الجيش الأحمر الياباني"، وهو تنظيم يساري آمن بالعمل العسكري ضد إسرائيل، وتزعمته فوساكو شيغينوبو، الملقبة "مريم". نسق "الجيش الأحمر" مع "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" في عدد من العمليات خلال سبعينيات القرن الماضي، وكان أبرزها عملية مطار اللد. 
 
حاول المناضلون الأمميون آنذاك احتجاز رهائن في مطار اللد الإسرائيلي في 30 ايار 1972، وألقت السلطات الإسرائيلية القبض عليهم. لم يتمكن من الانتحار إسوة برفيقين له شاركاه تنفيذ العملية التي أسفرت عن مقتل وجرح العديد من الأشخاص، ذلكَ بعد عطل منع انفجار قنبلته، فتم اعتقاله حتى العام 1985. 
 
سجن وترحال
 
قضى أوكاموتو نحو 13 عاماً في السجون الإسرائيلية، معظمها في العزل الانفرادي، قبل الإفراج عنه العام 1985 ضمن صفقة تبادل الأسرى المعروفة باسم "عملية الجليل"، أو "صفقة جبريل"، التي أبرمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، مع إسرائيل، وشملت تحرير أكثر من ألف أسير فلسطيني وعربي. 
 
تنقل أوكاموتو بين ليبيا وسوريا ولبنان، قبل أن تعتقله السلطات اللبنانية العام 1997 مع أربعة من رفاقه اليابانيين بتهم تتعلق بالإقامة والوثائق، وقضى حكماً عليه بالسجن لمدة ثلاثة أعوام.
 
وقالت "الجبهة الشعبية" في البيان، إن أوكاموتو حصل على اللجوء السياسي في لبنان العام 2000، وأقام في بيروت حتى وفاته، فيما كرّمته الجبهة الشعبية في العام 2016 تقديراً لما وصفته بدوره النضالي إلى جانب القضية الفلسطينية.
 
الظهور الأخير 
 
حضر أوكاموتو على كرسي متحرك الى مقبرة "شهداء فلسطين" في مخيم شاتيلا في بيروت، للمشاركة في إحياء الذكرى الـ 50 لعملية اللد. كانت "الجبهة الشعبية" تحيي الذكرى، وشارك في وضع إكليل من الزهر على أضرحة رفاقه. 
 
تعد تلك المشاركة، الظهور الأخير له، قبل أن يختفي أثره. يقول عارفوه إنه كان يتنقل بسرية تامة، وبصمت، بين منطقة البقاع التي كان تضم مواقع لـِ "القيادة العامة"، والضاحية الجنوبية لبيروت. منذ ذلك الوقت، تغيرت الكثير من الوقائع، فالضاحية تعرضت لقصف واسع خلال الحرب الإسرائيلية الواسعة على لبنان، كما فكك الجيش اللبناني قواعد "الجبهة الشعبية" في البقاع. 
 
يطوي أوكاموتو اليوم، صفحة أساسية من تاريخ "النضال الأممي" الذي شهدته المنطقة، في سبعينيات القرن الماضي، يوم استقطبت الثورة الفلسطينية، مناضلين من أنحاء العالم.. وكان "الجيش الأحمر الياباني" جزءاً من تلك المرحلة، قبل أن يتفكك هو أيضاً، مع اعتقال زعيمته في اليابان، والإفراج عنها في العام 2022. 
 
 
المصدر: المدن