فكر حر
زكي ناصيف: مؤرخ لبنان بالأغنية

شادي معلوف

الإثنين 6 تموز 2026

 
لا خلاف في أنّ زكي ناصيف (4 تموز 1916 - 10 آذار 2004)، الذي مرّت هذا الشهر الذكرى العاشرة بعد المئة لمولده، هو أحد روّاد الأغنية اللبنانية مع رفقاء ورفيقات جيله، نظمًا وتلحينًا وأداءً، ولا خلاف أيضًا حول دوره في إعادة تقديم الفولكلور اللبناني الموسيقي والغنائي بلغة عصره، وفي حفظ هذا التراث من الاندثار. لكن أكثر ما سيُذكر لزكي ناصيف أنه، في الأعمال الفنية التي تركها، والتي تقارب 1100 قطعة، ضَمِن لجيله وللأجيال التالية حفظ صورة لبنان ومفرداته التي عايشها في زمنه، والتي اندثرت اليوم أو هي في طريقها إلى الزوال.
 
فالرجل الذي ساهم في رسم هوية الأغنية اللبنانية الحديثة، لم تكن الموسيقى والأغنية بالنسبة إليه مجرد وسيلة تعبير فني، بل استطاع، عن سابق تصوّر وتصميم أو بالصدفة البحتة، تحويل أعماله تلك إلى "خزنة" حُفظت فيها صُور لبنان: البيئة والطبيعة والإنسان، وعادات اللبنانيين، وتفاصيل من يومياتهم.
 
لوحات في أغنيات
 
في أغنيات زكي ناصيف التي نظم كلماتها ولحّنها بنفسه، أو لحّن كلمات سواه من الشعراء، ينتقل لبنان من فكرة عامة إلى حضور مكتمل في المفردات المستخدمة والصور المرسومة بالكلمات والنغمات، التي تتحول في ذهن المستمع إلى لوحات تُشاهَد بعين الخيال. فتلوح لنا القرية، والدبكة، والعرس، والتلال، والكروم، والنبع الصافي.
 
على سبيل المثال، ففي "مهرجان الفن الشعبي اللبناني" في قلعة بعلبك (1957)، غنى الكورس "طلّو حبابنا طلّو"، وفيها: "نسّم يا هوا بلادي، والطير الشادي، والنسمات، والغابات، وجبالنا السمرا، ومروجنا الخضرا، وخمر العيد". وفي نسخة سنة 1959 من المهرجان نفسه، قدّم "وحياتك يا درب العين ما بتروح من بالنا". أما مع "فرقة الأنوار" مطلع ستينات القرن الماضي، فساهم في رسم "حكاية لبنان"، وقدم "دبكة المواسم"، التي يرد في مطلعها: "سهِرنا سهِرنا وما نمنا حتى قطفنا مواسمنا. سهِرنا كتير تعِبنا كتير والله بارك وغْنِمنا". وفي "أرضنا إلى الأبد" (1964)، ضمن "الليالي اللبنانية" في "مهرجانات بعلبك الدولية"، رسم مشهد الدبكة اللبنانية بصوت صباح، التي غنّت: "إيدي وإيدك ع الدبكة ت نعمّرها. ع الزقفة ودقّ المجوز منغنّيها... ومحلا كفوف المشبوكة بخناصرها. ومحلا كتاف الميّالة ع خواصرها. والألوان تزينها وتزنّرها. والألحان ترقّصها وتعلّيها. وهاي دبكتنا...".
 
ولاحقًا في أغنية "أهلا بهالطلة"، يؤرخ زكي ناصيف لواحد من مشاهد قرانا، حين تنشد صباح: "وجراس الضيعة تنادي بقلب الوادي وتصحّيها. وكل وادي تجاوب وادي وتبشّرها وتهنّيها". أما في أغنيته الشهيرة بصوته "اشتقنا ع لبنان"، فمشهدية قروية لبنانية كاملة، من "ترحيبة أهلا وسهلا شربة من النبع الصافي وغفوة تحت الصفصافة وحلوة تقلّك عوافي"، إلى "دوالي عيد وزينة تفرّح قلب الحزينة شقرا وحمرا عناقيدها بتضوِي متل الشعنينة. فرحة صبية بعيدها بتشرب كاسك من إيدها وبتقلّها بعد اسقيني".
 
هذه العبارات والمفردات في أغنيات من يُلقَّب بـ "أبي الفولكلور اللبناني" لم تكن مجرّد زينة تعبيرية، بل هي تثبيت للهوية اللبنانية المتجذرة في ريفنا الغنيّ بعادات أهله وتقاليدهم المتوارثة، حفيدًا عن أب وجدّ.
 
مشهدية مستجدة
 
تلك الحياة اللبنانية "الهنيّة" كسرتها الحرب الأهلية في منتصف سبعينات القرن العشرين، فغاص زكي ناصيف أيضًا في قلب المشهدية الوطنية المستجدة، وأعلن بوضوح في "تسلم يا عسكر لبنان" تمسُّكه بالجيش اللبناني، ووصفه بصوت صباح، شريكته في التعبير الغنائي الوطني: "يا حارس لبنان الغالي ع أهلو وحبابو. وعيونك ع الأرز العالي لا غفيو ولا غابو. علِّمنا نفدي بالغالي كل حبّي من ترابو. ونسهر ع حدودو الليالي ونعلِّم أجيالنا". وفي الأغنية نفسها يشير إلى اللبنانيين المهاجرين بفعل الهرب من الحرب وطلب الرزق، كاتبًا: "بالغربة لبنان الغربة سامع صوتك سامع. بيصلّيلك طلبة وطلبة تبقى وسيفك لامع".
 
أما في نشيده الأشهر "راجع يتعمّر لبنان"، ويوم لمح بارقة أمل ظنها قابلة للتحقق، انتظر خلاصًا بعد دمار، وجعل لبنان، الذي عاش الانكسار، وطنًا قابلا للنهوض من جديد. ليكرّر بعد سنوات تمسّكه بهذا اللبنان، وتلك النظرة إليه وإلى عنفوان شعبه، في أحد آخر أعماله "مهما يتجرّح بلدنا"، مؤكدًا بصوته المعاند للزمن، رغم شيخوخة الجسد: "منلّمو ولو كنا قلال. قلال ولكن ما تعوّدنا نبكي ونندب ع الأطلال".
 
هكذا إذًا كرّس زكي ناصيف صورة زمنه في أغنياته، فأسهمت أعماله الوطنية من جهة، والعاطفية من جهة ثانية، مع كبار الفنانين مثل فيروز وصباح ووديع الصافي ودنيا يونس وسعاد الهاشم ووداد وآخرين، في تثبيت هذه الصورة. وأضحت أعماله مشروعًا ثقافيًا أرّخ بالكلمة واللحن حقبة من تاريخ لبنان. لذلك ربّما، ما زالت أعمال زكي ناصيف تُستعاد كلّما لاحت لحظة حنين إلى لبنان الذي كان، أو كلّما شاء باحث العودة إلى مفردات لبنان وعاداته وتقاليده في زمن الخمسينات حتى التسعينات من القرن العشرين. فهل بعض من يكتبون ويلحنون ويغنون في زمننا الحالي واعون أيّ دور يمكن أن يلعبوه في حفظ زمنهم من خلال أغنياتهم، أم هم مكتفون بإنتاجات لحظوية "على ما يقدّر الله"؟
 
 
المصدر: نداء الوطن