فكر حر
تطويب الحويّك: الفاتيكان ينتصر للبنان الكبير

جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة

الإثنين 1 حزيران 2026

لا مصادفة في قاموس الفاتيكان، ولا ارتجال أو انفعال في مواقفه. كما أنّه لا يتأثر بضغط، ولا تجنح به عاطفة إلى سلوك سبيل لا يريدها. وهذا أمر يعرفه مَن يراقب أداء الكرسي الرسولي في الاستحقاقات الكبرى، خصوصاً في أزمنة الحروب والنزاعات، والصراعات الفكرية وإرهاصاتها الأخلاقية على امتداد الكرة الأرضية. ولذلك، فإنّ ثوابته الروحية القائمة على الاهتمام بالإنسان» كل إنسان، وكل الإنسان» على ما يقول السعيد الذكر البابا بولس السادس، هي البوصلة التي تقود خطاه.
 
جاء توقيع البابا لاوون الرابع عشر مرسوم إعلان البطريرك الثاني والسبعين على الموارنة مار الياس بطرس الحويّك طوباوياً، ليؤكّد أنّ لا أمر تُقدِم عليه حاضرة الفاتيكان غير ذي معنى. فالطوباوي الذي رحل العام 1931 هو عرّاب لبنان الكبير، بل «قابلته» الوطنية التي «شالته» من رحم السياسات الدولية الكبرى التي نشأت بُعَيد انهيار الإمبراطورية العثمانية، والساعي إلى إعلان دولته في الأول من أيلول 1920.
 
وفي كل مرّة يواجه فيها لبنان محنةً كبيرة كانت أو صغيرة، تتخذ في بعض وجوهها ومناحيها بُعداً طائفياً أو مذهبياً، كانت الانتقادات تنهال على البطريرك الحويّك لسَيره في خيار لبنان الكبير والواحد، ورفضه الإبقاء على حدود المتصرّفية. وراجت في صالونات بعض كبار السياسيِّين المسيحيِّين، توصيفات سلبية عن دور هذا البطريرك، ليس أقلّها أنّه «ارتكب خطيئة مميتة بحسم خيار لبنان الكبير»، واعتبار أنّ ضَمّ الأقضية الأربعة إلى حدود المتصرّفية المثبتة بموجب بروتوكول 1864، ليس إنجازاً تاريخياً يُسجَّل له، لأنّ عوائد هذا الأمر لم تحمل أي فائدة للمسيحيِّين. وبرزت في الآونة الأخيرة نُخَب مسيحية تجاهر بالتقسيم علناً أو الفدرالية تحت عنوان: «الدولة الاتحادية»، تعتقد أنّ صيغة الحويّك تخطّاها الزمن، ويجب أن تكون هناك صيغة بديلة. هذه الأصوات وجدت بعض الآذان الصاغية في بعض الأوساط التي وجدت نفسها منساقةً إلى هذا التوجُّه تحت ضغط الحروب والأحداث.
 
لكنّ خطوة البابا لاوون الرابع عشر بإعلان طوباوية الحويّك، كانت حاسمة لجهة منح «صك براءة» لخيار لبنان الكبير، لبنان الواحد، لبنان العيش المشترك. وهي تبطن رسالة ضمنية لكل العابثين بثوابت بكركي التي لم تخرج دوماً عن مشروع البطريرك الثاني والسبعين، بأنّ الكنيسة المارونية الإنطاكية ومعها سائر الكنائس المسيحية الشرقية الأرثوذكسية منها والكاثوليكية والإنجيلية هي مع لبنان الواحد، لبنان الـ10452 كلم، لبنان الرسالة، لبنان الحوار المسكوني، وليس لبنان «المعازل». وهذا يعني أنّ ما يُروَّج له من مشروعات خارج مشروع الحويّك، ليست إلّا قنابل صوتية تزول مفاعيلها فور انفجارها، وانحسار دويّها من الآذان التي تتلقفها.
 
البطريرك إلياس الحويّك كان بطلاً في تصدّيه للمجاعة التي ضربت جبل لبنان في الحرب الكونية الأولى، وترأس خلية أزمة كان من أركانها الخوري بولس عقل (المطران في ما بعد)، وأنطوان إده، بشاره البواري، ابراهيم ويوسف إلياس كرم، ومجموعة من «الفدائيِّين» الذين تولّوا نقل المال من جزيرة أرواد إلى بكركي لشراء الطحين والأدوية، ممّا أسهم في إنقاذ نصف سكان الجبل بعدما قضى نصفه الآخر جوعاً. وهو واجه جمال باشا الذي كان يعتزم نفيِه من البلاد، واجتمع إليه ثلاث مرّات، وكادت الثالثة أن تكون ثابتة لجهة إنفاذ النفي المؤذنة بانتهاء الحرب على غير ما تشتهي الأمبراطورية. وهذا البطريرك الورع، كان يجد في الصلاة ملاذاً، وسبيلاً إلى تعميق روح الشجاعة لدى الجماعة، ويتحرَّق ألماً وحزناً على حال شعبه الذي شارف على الهلاك، فتبنّى قصيدة - صلاة للخوري يوحنا رعد الغزيري المعروف بالـ»عاصي»، بعنوان «إليك الورد يا مريم»، ولعلّ أبلغ ما جاء فيها تعبيراً عن الحال الكارثية فترتذاك: «حروبٌ تملأ الأرض/ وضيقٌ عنه لا نرضى/ غدونا كلّنا مرضى/ وليس فينا سواك مَن يداوينا/ على الأبواب أطفال لهم في العمر آمال/ يذوب القلب إن قالوا/ جودوا علينا، فإنّ الجوع يعنينا». وقد أوعز بترتيلها في الكنائس والمناسبات الدينية، ولاسيما في الشهر المريمي. وهناك صلاة وضعها هو شخصياً تُعبِّر عن عظيم الألم الذي يعصف بالناس في تلك المرحلة: «إرحم يا رب، إرحم شعبك، ولا تسخط علينا إلى الأبد».
 
إنّ هذا الواقع المغرق في مأساويّته كان وراء تفكير الحويّك في صيغة تقي لبنان غائلة الجوع مستقبلاً، وتحفظ أبناءه من خلال نظام سياسي فريد ومتقدِّم يقوم على وطن تعدُّدي تتعايش فيه الأديان والطوائف، ويُشكِّل منصة لحوار دائم يقرّب بين المسيحية والإسلام، ويجعل من تلاقي هاتَين الديانتَين وتفاعلهما نموذجاً يقتدى في العالم. لكنّ هذه الصيغة تعرّضت لهزّات بفعل السياسات الدولية، ونشوء دولة إسرائيل العنصرية التي تتناقض جذرياً مع الوجه التعدُّدي للبنان، وما تسبَّب ذلك من تداعيات سلبية على وطن الأرز وافدة من الخارج، بالإضافة - وهذا الأهم - إلى فشل الطبقة السياسية التي توالت على حكمه في إرساء دولة الحق والقانون، وتوطيد ركائز الدولة المدنية التي نصَّ عليها الدستور اللبناني. ولا شك أنّه كان للموارنة الدور الأكبر في حُكم لبنان منذ العام 1943 وما قبل وحتى العام 1990، وما زالوا ماثلين بقوّة في المعادلة السياسية، على رغم ممّا حلّ بهم من وهن أكثر أسبابه تعود إلى صراعاتهم الداخلية التي أنتجت تدميراً ذاتياً للكثير من قدراتهم.
 
وفي الخلاصة، إنّ الفاتيكان بإعلان تطويب الحويّك، في هذا التوقيت بالذات، وبعد الزيارة التاريخية التي قام بها البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، وهي الأولى خارج الحاضرة بعد انتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية من 30 تشرين الثاني إلى 2 كانون الأول 2025، واهتمامه الكبير بمأساة لبنان جراء الاعتداء الإسرائيلي عليه، ومبادرته إلى التواصل المباشر مع القرى المسيحية في منطقة الشريط الحدودي، وتوجُّه السفير البابوي إلى هناك للمؤازرة المعنوية وتقديم المساعدات، إنّما ينتصر للبنان الحويّك، وللانتشار المسيحي على امتداد الجغرافيا اللبنانية، ويدحض أي فكرة تقسيمية تحت أي مسمّى، ملتقياً مع العنوان الكبير الذي راجَ إبان الحرب في مواجهة أصحاب الفكر «التجزيئي»: «لبنان أكبر من أن يُبتَلع، وأصغر من أن يُقسَّم».
 
المصدر: الجمهورية