فكر حر
النساء يرسمن ملامح مستقبل الصناعة

العرب اللندنية

الخميس 23 نيسان 2026

تسعى دول العالم، وعلى رأسها البلدان العربية، لمزيد تمكين النساء من أجل بناء منظومات صناعية أكثر شمولا وابتكارا واستعدادا لمتطلبات المستقبل. وتذهب تلك البلدان إلى أن صناعة الغد يجب أن تكون شاملة، قائمة على تكافؤ الفرص، ومستفيدة من جميع الكفاءات، خاصة النساء، بما يضمن حضورهن في الإنتاج والابتكار ومواقع القرار. وتمثل النساء عالميا نحو 41 في المئة من اليد العاملة الصناعية.
 
تونس- في مشهد يتجاوز رمزية الاحتفاء إلى عمق التحول، يأتي اعتماد يوم 21 أبريل يومًا دوليًا للمرأة في الصناعة، كأحد أبرز مخرجات المؤتمر العام الحادي والعشرين لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “اليونيدو”، ليؤكد أن تمكين المرأة لم يعد شعارًا مرحليًا، بل خيارًا إستراتيجيًا يعاد من خلاله تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، وبناء منظومات صناعية أكثر شمولًا وابتكارًا واستعدادًا لمتطلبات المستقبل.
 
وفي تونس، أحيت اليونيدو”، بالشراكة مع مركز المرأة العربية للتدريب والبحوث (كوثر)، الثلاثاء، فعالية وطنية بمناسبة الدورة الأولى لليوم الدولي للمرأة في الصناعة، تحت شعار “النساء يرسمْن ملامح مستقبل الصناعة”.
 
وأكد ممثل منظمة اليونيدو في تونس الأسعد بن حسين أن إقرار يوم 21 أبريل يوماً دولياً للمرأة في الصناعة جاء بقرار من الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية خلال مؤتمرها العام المنعقد في نوفمبر 2025 بالرياض، بهدف الاعتراف بدور النساء في القطاع الصناعي وتعزيز مساهمتهن في صناعة المستقبل.
 
وأوضح بن حسين أن الاحتفال بهذه المناسبة في تونس بالشراكة مع مركز “كوثر” يحمل رسالة محورية مفادها أن صناعة الغد يجب أن تكون شاملة، قائمة على تكافؤ الفرص، ومستفيدة من جميع الكفاءات، خاصة النساء، بما يضمن حضورهن في الإنتاج والابتكار ومواقع القرار.
 
وأشار، في تصريح لإذاعة محلية خاصة، إلى أن الدراسات تؤكد أن الصناعات الأكثر شمولاً ليست أكثر عدلاً فحسب، بل أكثر كفاءة وابتكاراً وقدرة على الصمود، مبرزاً أن النساء يمثلن عالمياً نحو 41 في المئة من اليد العاملة الصناعية، بما يعكس مساهمة فعلية وأساسية، رغم استمرار ضعف حضورهن في المهن التقنية ومواقع القيادة.
 
وبيّن أن التحدي اليوم لا يتعلق بمجرد وجود النساء في الصناعة، بل بتمكينهن من أدوار نوعية ومواقع أكثر تأثيرا، لافتا إلى أن النساء لا يمثلن سوى 35 في المئة من خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات عالميا، بينما لا تتجاوز نسبتهن 22 في المئة في الصناعات التحويلية بأوروبا، مع تمثيل محدود في المناصب الإدارية. وفي تونس، وبحسب بن حسين، واستنادا إلى معطيات وكالة النهوض بالصناعة والتجديد والابتكار لسنة 2024، تدير النساء 521 مؤسسة صناعية تحويلية، توفر قرابة 42 ألف موطن شغل، وهو ما يعكس حضورا فاعلا للمرأة التونسية في الاقتصاد الصناعي.
 
ورغم هذا الحضور، أشار بن حسين إلى أن تمركز النساء لا يزال واضحاً في قطاعات محددة، إذ يستحوذ قطاع النسيج والملابس على 55 في المئة من المؤسسات الصناعية التي تديرها النساء، فيما تتركز 54 في المئة من مواطن الشغل التي توفرها هذه المؤسسات في قطاعي النسيج والصناعات الغذائية.
 
وتستوجب المرحلة المقبلة، بحسب بن حسين، الانتقال من الاعتراف بمساهمة المرأة إلى توسيع حضورها في الصناعات المستقبلية، خاصة في مجالات الثورة الصناعية الرابعة، والمهن التقنية، وريادة الأعمال الصناعية، ومراكز القرار.
 
وخلال الفعالية تم النقاش مع عدد من الفاعلين وأصحاب المؤسسات حول العوائق التي تحد من وصول النساء إلى مواقع القيادة، مع إمكانية الخروج بمبادرات عملية أو إعلان مشترك لدعم المرأة في القطاع الصناعي، بما ينسجم مع دور المنظمة في مرافقة المشاريع والمبادرات التنموية.
 
وفي جانب التشريعات، أشار بن حسين إلى أهمية التفكير في أطر قانونية تشجع حضور النساء في مواقع القيادة، مؤكداً استعداد اليونيدو للاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، والاستجابة لأولويات الحكومة التونسية إذا ما تم طرح مبادرات في هذا الاتجاه.
 
وتحظى تجربة المرأة التونسية باهتمام دولي واسع، وتعد نموذجاً يُطلب الاطلاع عليه والاستئناس به في العديد من المشاريع التنموية.
 
وتبرز الأرقام ريادة المرأة التونسية في مجالات العلوم، حيث إن 60 في المئة من خريجي الجامعات هن نساء و72 في المئة من المهندسين في عدة قطاعات تكنولوجية وصناعية هن نساء، و25 في المئة من المؤسسات التونسية تترأسها نساء. كما تطورت نسب النساء رائدات الأعمال في المجال الرقمي إلى مستوى 35 في المئة خلال الخمس سنوات الأخيرة، و40 في المئة من المؤسسات الناشئة المحدثة منذ سنة 2020 تتضمن على الأقل امرأة واحدة ضمن مؤسسيها.
 
وأكدت وزيرة الصناعة والطاقة والمناجم فاطمة ثابت شيبوب تميز المرأة في المجال الصناعي، مبينة أن 42 في المئة من العاملين في المؤسسات الصناعية الإستراتيجية في تونس هن نساء، وأن 500 مؤسسة صناعية تسيرها نساء وأكثر من 30 في المئة من أصحاب المؤسسات الصناعية في مجال الصيدلة والبيوتكنولوجيا والتجهيزات الطبية والنسيج هن نساء.
 
وفي المغرب، تلعب المرأة دورا رئيسيا في التحول الاقتصادي، وقال هشام الرحيوي الإدريسي، المدير العام لمجلة “صناعة المغرب”، إن “المرأة هي القوة الدافعة وراء تحول اقتصاداتنا وأعمالنا، فمرونتها وقدرتها على الابتكار واتخاذ القرارات الحاسمة هي عوامل أساسية للتطور الصناعي والتكنولوجي لبلدنا وقارتنا”.
 
ويشهد المغرب تقدما ملحوظا في إدماج النساء داخل القطاع الصناعي، حيث بلغ معدل المشاركة النسائية في المنظومة الصناعية 41 في المئة، في مؤشر يعكس دينامية متسارعة نحو تحقيق المزيد من التوازن المهني.
 
وبحسب نتائج دراسة حديثة، يتجاوز المغرب في هذا المجال عدداً من الاقتصادات الكبرى، من بينها فرنسا التي تسجل 30 في المئة، والولايات المتحدة بنسبة 28.7 في المئة، ثم المملكة المتحدة بنسبة 28.4 في المئة، ما يبرز موقعا تنافسيا متقدما للمملكة على مستوى تمثيلية النساء في الصناعة.
 
وفي السعودية، تقود رؤية المملكة 2030 رحلة تمكين المرأة في الصناعة لتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الوطنية، ودعم الابتكار، وبناء اقتصاد متنوع ومستدام، لتتحول مشاركة المرأة في القطاع الصناعي من حضور محدود إلى دور مؤثر يتجلى في خطوط الإنتاج، وغرف التحكم، ومراكز القرار، وصولًا إلى مواقع القيادة وصناعة السياسات.
 
وتعمل المرأة السعودية في بيئات دقيقة تتطلب أعلى معايير الجودة والالتزام، من التصنيع الدوائي، إلى مراقبة الجودة، وسلاسل الإمداد، والتطوير، والتخطيط، في انعكاس حي على اتساع مجالات حضورها داخل القطاع الصناعي.
 
وأكّدت مديرة الخدمات المشتركة والتطوير التنظيمي دلال العنزي لوكالة الأنباء السعودية أن تمكين المرأة لم يعد مفهومًا جديدًا، بل أصبح واقعًا نعيشه اليوم في بيئة العمل، حيث تؤدي المرأة دورًا محوريًا في مختلف مجالات الصناعة، متناولة خبرتها التي امتدت لأكثر من 10 أعوام في القطاع الصناعي، مؤكدة أن المرأة أثبتت قدرتها على إحداث فرق حقيقي، والإسهام بفعالية في تحقيق الجودة وتعزيز الابتكار ورفع كفاءة الأداء، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت تمكين المرأة ركيزة أساسية في التحول الوطني، عبر زيادة مشاركتها في سوق العمل، وتمكينها من الوصول إلى المناصب القيادية، وتعزيز دورها بوصفها شريكًا فاعلًا في التنمية الاقتصادية والصناعية للمملكة.
 
بدورها، عبّرت أخصائية المشتريات أسماء الغامدي عن فخرها بالانتماء إلى هذا القطاع، مفيدة بأن القطاع الصناعي يشهد تطورًا كبيرًا، والمرأة أصبحت جزءا أساسيا من هذا التقدم.
 
ولا تقف مساهمة المرأة عند قطاع بعينه، بل تمتد عبر طيف واسع من الصناعات، تشمل الصناعات الدوائية، والغذائية، والبتروكيماوية، والتقنية، والصناعات التحويلية، وصولا إلى مجالات الابتكار الصناعي والبحث والتطوير، هذا الحضور المتنوع يعكس تحولا نوعيا في بنية السوق، حيث أصبحت الكفاءة معيارا جامعا، وأضحت المرأة عنصرا فاعلا في رفع تنافسية القطاع الصناعي وتعزيز قدرته على التوسع والاستدامة، كما لم يعد مقتصرًا على الإتاحة، بل تجاوز ذلك إلى بناء منظومة متكاملة تدعم المرأة بالتأهيل والتدريب، وتفتح أمامها مسارات مهنية واضحة، وتمنحها الثقة لتكون شريكا كاملا في دورة الإنتاج، من الفكرة إلى التنفيذ، ومن التشغيل إلى القيادة، ولا تقف المرأة السعودية عند حدود الإنجاز، بل تمضي نحو إعادة تعريف دورها في الصناعة، باعتبارها طاقة إنتاجية، وعقلا مبتكرا، وشريكا في صناعة المستقبل.
 
وقد قدمت رائدة الأعمال السعودية مها الجعويني قصة نجاح ملهمة في قطاع الصناعة، فهي مستشارة التغذية والشريك المؤسس لشركة جيم للصناعات الغذائية (نولما)، التي تعد من أوائل المصانع السعودية المتخصصة في إنتاج الأغذية الصحية، والتي حصدت جائزة مدن لتميز الأفراد في فئة المرأة في الصناعة في نسختها الأولى، وقد ساهم ذلك في إبراز دور المرأة في القطاع الصناعي.
 
وتعد “نولما” علامة تجارية سعودية مختصة في إنتاج الأغذية الصحية وتشجيع نمط الحياة الصحي، تابعة لشركة جيم للصناعات الغذائية، وقد تم تأسيسها لإعادة تعريف الأكل الصحي، ويشرف على منتجات “نولما” خبراء تغذية مختصون لإنتاج أغذية طبيعية، كما يقومون باختيار مكوناتهم بدقة شديدة ومن مصادر محلية الصنع، حيث نجحت “نولما” في تقديم منتجات مميزة ومتنوعة تناسب جميع الاحتياجات الصحية من مكونات طبيعية خالية من السكر المكرر والزيوت المهدرجة وغنية بالألياف الطبيعية مع مناسبتها للأنظمة النباتية.
 
صناعة الغد يجب أن تكون شاملة، قائمة على تكافؤ الفرص ومستفيدة من جميع الكفاءات، خاصة النساء، بما يضمن حضورهن في الإنتاج والابتكار
 
وبينما تكافح النساء في مناطق كثيرة من العالم لمواجهة التمييز وتحقيق المساواة، باتت نظيراتهن في مصر وعدد من الدول العربية يتواجدن في المناصب السياسية البارزة بالحكومات وكذلك في المناصب التنفيذية بالشركات، فضلا عن مناصب أخرى في الهيئات الدبلوماسية والقضائية.
 
وتبرهن المرأة العربية مع كل منصب جديد تتقلده، على أنها قادرة على تولي المسؤولية والنجاح، وإثبات ذاتها في مختلف المجالات، وهو ما تبرهن عليه زيادة نسب تمثيل المرأة في الحكومات والبرلمانات خلال السنوات الأخيرة، في كل من مصر ودول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك في العراق وبلاد الشام والمغرب العربي.
ويمثل التمكين الاقتصادي للمرأة محور اهتمام عدد من الحكومات العربية ضمن الإستراتيجيات الوطنية للتنمية المستدامة، من خلال مزيج من السياسات الوطنية والمبادرات الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن سن تشريعات جديدة وتعزيز مناخ الديمقراطية.
 
وتأتى مصر في طليعة دول منطقة الشرق الأوسط في دعم التمكين الاقتصادي للمرأة وتحفيز مشاركتها السياسية بكل أشكالها، بما في ذلك منع التمييز ضد المرأة في تقلد المناصب القيادية في المؤسسات المختلفة. وترتكز رؤية إستراتيجية تمكين المرأة المصرية على أنه بحلول عام 2030 تصبح المرأة فاعلة رئيسية في تحقيق التنمية المستدامة، في وطن يضمن لها كل حقوقها التي كفلها الدستور.