العبقري الذي حكم الموضة لأربعة عقود: فالنتينو... «الإمبراطور الأخير»
شفيق طبارة
الأربعاء 21 كانون الثاني 2026
في عام 2007، كان فالنتينو (1932 – 2026) قد بلغ 45 عاماً في قلب صناعة الأزياء. فجأة تحوّل السؤال عن تقاعده إلى طقس صحافي متكرر: هل ينسحب الآن؟ وإن لم يفعل، فما الذي يُبقيه؟ ومتى يقرّر الرحيل؟
في عام 2007، كان فالنتينو (1932 – 2026) قد بلغ 45 عاماً في قلب صناعة الأزياء. فجأة تحوّل السؤال عن تقاعده إلى طقس صحافي متكرر: هل ينسحب الآن؟ وإن لم يفعل، فما الذي يُبقيه؟ ومتى يقرّر الرحيل؟
في عروض باريس (ربيع 2007)، تجاهلت الصحافة الفساتين التي يُفترض أنها محور الحدث، وأعادت تدوير الأسئلة نفسها. لا أحد توقّع أن يقدّم فالنتينو سبقاً صحافياً. ومع ذلك، واصلوا الإلحاح، وواصل هو لعبة الأجوبة المموّهة.
مصمّم تربّى على يد حرفيّي «الآرت ديكو» في الخمسينيات، لا يمكن أن ينسحب بلا ضجيج رمزي.
مات تيرناور، الصحافي الذي أصبح مخرجاً، التقط هذا المناخ بذكاء في فيلمه «فالنتينو: الإمبراطور الأخير» (2008 ـــــValentino: The Last Emperor)، مقدّماً صورة هادئة، آسرة، لنهاية إمبراطورية تُعاد صياغتها تحت ضغط الشركات العملاقة.
قبل عقدين على الأقل، بدأت عمليات الدمج والاستحواذ تُعيد رسم خريطة «الهوت كوتور»، تاركة دور الأزياء التاريخية معلّقة بين مجدها القديم ومنطق السوق الجديد. فالأزياء الراقية تصنع العناوين، لكن الحقائب والعطور هي التي تصنع الأرباح. فالنتينو وحبيبه وشريكه جيانكارلو جيامّيتي يعرفان ذلك جيداً، ويبحثان عن مخرج يحفظ الاسم قبل أن يتحوّل إلى سلعة معفاة من الرسوم في مطار ما.
يتابع «فالنتينو: الإمبراطور الأخير» مجموعة ربيع 2007، تحت يد رئيسة الخياطات، ويكشف كيف تُبنى قطعة الهوت كوتور. يغطّي الفيلم بسلاسة السنة الأخيرة من مسيرة رجل حكم الموضة، قبل أن يعلن تقاعده في أيلول (سبتمبر) من السنة نفسها، ويودع إمبراطوريته باحتفال امتد ثلاثة أيام في روما. لكن خلف هذا البريق، يوجّه تيرناور نظرة ناقدة على الشركة التي استحوذت على «دار فالنتينو»، والطريقة التي يهدّد بها المنطق الصناعي أسلوب العمل الحرفي.
يقدّم الفيلم فالنتينو كما هو، فناناً مهووساً بالجمال. يكفي أن نذكر «أحمر فالنتينو» أو إطلالة أودري هيبورن والأميرة ديانا وجاكي كينيدي، لنعرف أن الرجل صنع لغةً بصرية كاملة. في كواليس العرض في باريس، يقول فالنتينو ببراءة لا تخلو من الكبرياء: «أنا أحبّ الجمال، ليس ذنبي». بالنسبة إليه، ترغب النساء في أن يكنّ جميلات، ومهمته هو أن يمنحهن ما يردن.
هذا المنطق البسيط، هو ما جعله يقع في غرام فيلم «فتاة زيغفالد» (1941 ــــ Ziegfeld Girl) ونساءه الجميلات وأزياءه المصممة بإتقان، ويحوّله إلى نموذج جمالي يرافقه طوال حياته. كان فالنتينو يفهم المرأة كما لو أنه يخلقها من جديد، ويضع كلّ ما يملكه من تهذيب ودقة ورقي وإبداع في خدمتها. انجذب دائماً إلى النساء اللواتي يجمعن بين القوة والأناقة، ولهذا ارتدت تصاميمه أسماء صنعت بدورها أساطيرها: إليزابيث تايلور، وجوليا روبرتس، وحتى فرح ديبا هربت من إيران بمعطف من توقيعه.
«فالنتينو: الإمبراطور الأخير»، يلتقط هذه الهالة، ويحوّلها إلى ما يقرب ساعتين من السيرة الذاتية التي لا تخجل من إعجابها بموضوعها، لكنها لا تقع في فخ التمجيد الفارغ. فالنيتيو يهيمن على الشاشة طوال الوقت، فهو ليس مجرّد مصمم لا يُضاهى، بل رجل عاش في طبقة من الرفاهية كانت يوماً حكراً على الملوك. وتيرناور لا يخفي شيئاً: يعرض طائرته الخاصة، كلابه، اليخت، القصر الباريسي، الفيلا الرومانية، منتجع التزلج السويسري، المنزل اللندني، الشقة المانهاتنية، والورشة التي تُدار كأنها معبد.
رغم الطابع الاحتفائي للفيلم، فإن أكثر ما يلمع فيه هو العلاقة التي دامت خمسين عاماً بين فالنتينو وجيامّيتي. علاقة مبنية على الاحترام والمودة والتكامل. جيامّيتي هو من حرّر الفنان من أعباء الإدارة، وهو من حمل عنه مسؤولية مواجهة العالم. نرى خلافاتهما، لكننا نرى أيضاً لحظات الانكسار العاطفي حين يشكر فالنتينو علناً كل من رافقه. تلك اللحظة وحدها تكفي لتقويض صورة «المايسترو البارد»، الذي قال للكاميرا: «من بعدي الطوفان».
يتجاوز الوثائقي حدود المقابلات والأرشيف، ليصبح قصة شراكة عاش كل طرف فيها ليحمي فن الآخر. حواراتهما، بمزيجها من المداعبة والاعترافات المكبوتة، تمنح الفيلم نبضه الإنساني على إيقاع موسيقى نينو روتا.
ميزة أخرى في عمل تيرناور أنه لا يتظاهر بالاختفاء. الكاميرا موجودة، تُربك فالنتينو أحياناً، وتكشف نفاد صبره حين يشعر بانتهاك خصوصيته. مع ذلك، ينجح الفيلم في اختراق القناع الذي يرتديه المصمم، ويصل إلى ما هو أبعد من الصورة المصقولة.
القيمة الكبرى للفيلم تكمن في قدرته على تخليد مسيرة كاملة من دون الوقوع في فخ السرد الخطي. يعتمد على مونتاج سريع، ساحر، يعيد ترتيب الماضي ليكشف خطوات فالنتينو الأولى. ينسج تيرناور طبقات متعددة: العبقري الذي حكم الموضة لأربعة عقود، والجيش الذي جعل هذا الحكم ممكناً، من الخياطات اللواتي يعملن بدقة مذهلة إلى رجال الأعمال الذين يخلطون الفن بالمال. وفي قلب هذا كله، يقف الفنان الذي يجب أن يبقى معزولاً بما يكفي ليحلم.
المصدر: الأخبار