مي زيادة: النهضة الحقيقية تبدأ في قلب كل امرأة تفكّر وتكتب
ميشال معيكي
الإثنين 15 كانون لأول 2025
في إحدى رسائل جبران إليها (1923) قال: "لا أدري بِعَقلي لماذا أُحبّها، يكفي أني أُحبّها بروحي وقلبي"... ويُكمل: "لماذا تخافين الحبّ؟ أنت وأنا، نريد الكثير معًا!".
حصلت ولادتها في الناصرة سنة 1886. والدها من قرية شحتول (كسروان)، وكان صاحب جريدة "المحروسة". درست في مدرسة الراهبات في عينطورة وانتقلت إلى مصر .
الرائدة الأدبية مي زيادة، إحدى أبهى نساء عصرها. الجميلة الراقية، المثقفة، كانت تتقن تسع لغات، إلى العزف على البيانو. تشبّعت من الأدب الغربي والعالمي عامةً. صالونها الأدبيّ في القاهرة، استمرّ حوالى ربع قرن، يجمع أدباء مصر الكبار. يقول طه حسين: "كان صالونها الأدبي ديمقراطيًّا، فكريًّا، ومنبرًا مفتوحًا!". كما كتب عنه أيضًا توفيق الحكيم، وخليل مطران، والكاتب الإيرلندي James Joyce.
كتبت أسبوعيًّا في مجلّات مصر وصحِفها. وراسلت أعلام زمانها: جبران، الريحاني، خليل مطران، والكثيرين من مفكّري العالم العربي، وطرحت مسائل الأدب واللغة وتطويرها لمماشاة العصر، واهتمت بمحاولة مُناغمة الفكر الغربي مع الأفكار المشرقيّة التقدميّة، لخلق حوار إنساني شمولي متجاوزًا الحدود واختلافات العِرق والفلسفات والأدیان!
راسلت طويلًا أمين الريحاني، وبقيت فترة في منزله في الفرَيكة، خاصةً في فترة محنتها، يوم اتهمتها عائلتها بالجنون، للسطو على ممتلكاتها، قبل أن تعود إلى القاهرة. في العام 1932 كتب لها الريحاني: "إنني يا مي أتحمّل الأذى والألم إذا كان فيه خير لك..."، ويتابع: "في الفريكة، في ذلك البيت خلال الصيف الماضي، حيث أشرقت فيه شمس مي، نوّرت أزاهيرك... متى تعودين إلى لبنان؟".
اتسمت رسائلها للريحاني بنقاشات حول السياسة والأدب والفلسفة. وحول مشروعه عن النهضة العربية كتبَت: "النهضة الحقيقية تبدأ في قلب كل امرأة تفكّر وتكتب". في إشارة إلى دَور المرأة في المجتمع العربيّ المتخلّف، الذكوري، آنذاك.
ربطت مي زيادة بأمين الريحاني علاقة فكريّة عميقة. كان الريحاني يقدّر فكر مي زيادة ويعتبرها من روّاد النهضة الفكرية، لم تكن علاقتهما العاطفية بالمعنى الرومانسي، بل علاقة إعجاب عميق ونقاش فكري حول مفاهيم التحديث والحرية، وتناقض توجّهات الغرب العقلانية بروحانيات الشرق والتخلف الإجتماعي.
توهّجَ صالونها الأدبي في القاهرة بوجود كبار الأدباء والساسة: من سعد زغلول إلى العقاد والمازني والرافعي. إضافة إلى الأمير فيصل قبل أن يصير ملكًا، إذ قال لها في العام 1918: "يليق بك أن تكوني وزيرة المعارف في أول دولة عربية!". وفي حوار مع زعيم مصر سعد زغلول صارحها: "نحن نحارب بالسياسة وأنتِ بالفكر، نحتاج كلا الحربَين. نحن نصنع السياسة لكنك تصنعين السياسي!".
كانت مي تميل إلى الروحانية الجبرانية، لكنها وجدت في الريحاني نموذج المفكر الواقعي المتطلّع إلى إصلاح سياسي واجتماعي في المحيط المشرقي العربي وفي لبنان بشكل أخصّ. ولم يكن بينهما صراع فكري او تناقض، كما يشاع، بل تباين جميل أغنى كلَيهما. كانت لميّ مراسلات ولقاءات مع سياسيين وأدباء لبنانيين بينهم: الرئيس إميل إده، أوغست أدیب، ورياض الصلح الذي كتب فيها: "لو كانت مي رجلًا، لكانت زعيمة نهضة!". وفي فترة محنتها وحبسها في المصحّ العقلي ظلمًا، كتب رياض الصلح: "عندما تركتِ المصحّ، تركتِ خلفك مصحًّا أكبر، هو مصحّ الأفكار!".
في إحدى رسائل المفكّر الإصلاحي السياسي شكيب أرسلان: "إن صوتكِ هو الوجدان الأنثوي للنهضة العربية!".
ربطت علاقة عاطفية متبادلة بين عباس محمود العقاد ومي زيادة. في رسالة له، كتبَت مي في برلين في العام 1925: "إن الحياء منعني من أن أفاتحكَ بشعوري نحوكَ. تمامًا كما أعرف عن شعورِكَ نحوي!". وأضافت: "أعرف جيِّدًا لماذا لا تميل إلى جبران. ولا تحسب أنني أتهمك بالغيرة منه، فهو في نيويورك ولم أرَه مرّة، وقد لا نلتقي. لكن إعرف أن طبيعة الأنثى، يلذّ لها أن ترى الرجال يتنافسون عليها!".
سنوات طويلة من التراسل بين مي زيادة وجبران خليل جبران، من دون التقاء جسدي. لم تكن علاقة غرام تقليدية، بل أقرب إلى تناغم روحيّ. فقد وجدَت فيه الرجل الذي يناجي روحها قبل ملامحها، ورأى فيها الأنثى التي تفهم حال التمزق في غربته. بدأت علاقتهما يوم قرأَت كتابه "الأجنحة المتكسّرة" في العام 1920. كتبَت إليه: "أشاركك الرأي حول حق المرأة وحرّيتها في اختيار الرجل الذي تريده، لا ما يفرضه المجتمع". وفي ردّه حول تردّدها، كتب جبران: "أنتِ وأنا نعلم أنّ القليل من الحب لا يرضينا! نريد كلّ شيء... لا تخافي الحبّ يا ماري، يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم له، رغم ما فيه من قساوة الحنين والوحشة والألم والالتباس والحيرة".
لمّا طلب منها أن تُرسل له صورة، سألَته: "كيف تتصوّرني؟". أجابها: "أتخيّل أنّ شعرك قصير!". قصّت ميّ شعرها الطويل وأرسلت له الصورة مُرفقة بكلمة: "لقد حزرت!".
قيل الكثير عن عدم الإلتقاء الجسدي! كانت مي تزور ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، ولا تذهب إلى نيويورك. وكانت تدعوه لزيارتها في أوروبا ومصر. فلا هو جاء ولا هي ذهبت! وكأنما تعمّدا عدم الالتقاء خوفًا من انکسار الحب الصوفي، أو ربما تهيُّبًا من فكرة الزواج الذي قد يقتل حريّتهما. كتبَت له: "أخاف من الإفصاح الشفهي، أكتب شعوري فقط خطيًّا على الورق، ولا أتلفظ. ولو كنت حاضرًا بالجسد، لهربتُ خجلًا من قوله أمامك... لكن إعرف جيِّدًا يا جبران أنك محبوبي!".
المصدر: نداء الوطن