فكر حر
فطين عبدالوهاب وتفكيك «عقيدة السيف»

أسامة الغزولي

الثلاثاء 23 كانون الثاني 2018

لعبت السينما المصرية، على وجه الإجمال، دورها كأداة من أدوات السلطة الاجتماعية– السياسية، في فرض الانصياع لتوجهات تلك السلطة، بفاعلية تلي فاعلية الأغنية وفاعلية الصحافة اليومية. لكنها بقيت أداة لا يستهان بها. ومع دخول مصر العصر الأميركي، في أعقاب الحرب الكونية الثانية، يبقى في الذاكرة مشهدان مهمان تفاوت حظهما من الشهرة، يؤكدان إدراك السلطة في عصرين، قام أحدهما على أنقاض الآخر، لأهمية هذه الأداة. في المشهد الأكثر شهرة، ترى قادة الجمهورية من الضباط الشبان، يتوسطهم الرئيس جمال عبدالناصر، يحضرون العروض السينمائية في دور العرض الراقية في وسط القاهرة. وفي المشهد الذي توارى، نسبياً، ترى فاروق الأول، في نهايات العصر الملكي وبعد أن حضر عرضاً خاصاً لفيلم «أولاد الشوارع» (1951) الذي يمجد الدور المجتمعي لجهاز الشرطة، يشد على يد صانعه يوسف وهبي قائلاً: «برافو يوسف بيك». وكان هذا «نطقاً سامياً» منَح السينمائي البارز رتبة البكوية.

ويبقى المخرج فطين عبدالوهاب، الضابط السابق في الجيش والموظف السابق في وزارة الداخلية، أهم من عمدَ إلى تفكيك المكونات الرئيسة لتحالف أجهزة الضبط والسيطرة التي عرفها، مِن الداخل، في العصرين الملكي والجمهوري، وإن في صيغ وازَنَت بين درجة من الامتثال، أبقَته داخل المعادلة الاجتماعية –السياسية لعصره، وبين درجة من الاحتجاج لم تكن صرخة تنبه الغافلين، لكنها همسة صاخبة، تتضح دلالاتها في تدريج يواكب تدرج انقشاعات الوهم.

وهكذا قدّم عبدالوهاب، آخر أزواج ليلى مراد، سلسلة من الأفلام عن الرجل ذي «اليونيفورم» في صورة تناقض تماماً تلك التي قدّمه بها أول أزواج المطربة- الممثلة الأسطورية؛ أنور وجدي، في فترة سابقة. من تلك الأفلام «إسماعيل ياسين في الجيش» و «إسماعيل ياسين في البوليس» و «إسماعيل ياسين في الأسطول» وغيرها. وفي هذه الأفلام، التي ظهرت في فترة تمجيد القوة المادية الخشنة، يفكك فطين عبدالوهاب مفهوم «عقيدة السيف»، منتصراً للقوة الناعمة.

وقد يكون «إسماعيل ياسين في الأسطول» (1957) أرقى تجسيد لرؤية فطين عبدالوهاب، في حدود سلسلة الأفلام هذه. فبطل الفيلم شاب طيب وضعيف، يتغنى مَن حوله بأمجادٍ عسكرية كانت لأسلافه، فيتجه تفكيره للهرب من ضعفه بالالتحاق بالجندية. لكن الخطر الذي يهدد حياة هذا الشاب وحياة عمه الذي يؤويه ليس خطراً يواجَه بالأساطيل والجيوش. مصدر الخطر تاجرٌ يسيطر على مَن حولَه بقوة المال، وبآليات السوق. لكن الثغرة التي ينفذ منها هذا التاجر المزواج إلى حياة الشاب البسيط وحياة عمه وابنة عمه، التي يريد التاجر ضمها إلى قائمة زوجاته، هي زوجة العم الشرهة للمال، وشديدة الإيمان بالسحر والشعوذة، وعجز العم عن السيطرة على رغبتها في أن تبيع ابنتهما إلى تاجر غني وقوي.

في الفترة التي ظهر فيها الفيلم كانت مصر تواجه صعوبات في تمويل مشروعاتها الكبرى، وفي مقدمها تمويل السد العالي. وعندما ربطت الرأسمالية العالمية التمويل بشروطٍ لا ترتضيها الجمهورية، أمّم عبدالناصر قناة السويس، ليسد بذلك الأفق الذي سبقَ له أن فتحه عندما أشار إلى أن جلاء القوات البريطانية عن بلاده يسقط المانع التاريخي للتعاون بينها وبين بريطانيا. وجسّد التأميم ميلاً إلى التحدي سرعان ما أفضى إلى مواجهة عسكرية، أدخلَت المنطقة في سباق التسلح المتصل، لأسباب تنوّعت وتتالت، إلى يوم الناس هذا.

صحيح أن مبادرات عبد الناصر عبّرت عن «رجل ضعيف، يقود بلداً ضعيفاً، وهو يطالب بحقه»، كما قال وزير المستعمرات البريطاني أنطوني ناتنغ الذي استقال احتجاجاً على مشاركة بلاده في «العدوان الثلاثي» على مصر. وصحيح أن «مانيفستو الجمهورية الناصرية»؛ وهو كتيب بعنوان «فلسفة الثورة»؛ ألمحَ إلى احتمالات سلامٍ مع إسرائيل، في فقرة بعنوان «درس مِن إسرائيل». لكن خطاب تلك الجمهورية، كما جسّده إعلامها وتصريحات قادتها، روّج لعقيدة القوة وغطى– عامداً ومصراً- على التوجهات البراغماتية التي يبدو أن قادة الجمهورية كانوا يخجلون منها، مساهماً بذلك في تبرير وتغذية نزعة حربية متأصلة في إسرائيل، التي نجح جنرالاتها في إجبار رئيس الحكومة ليفي أشكول على شن عدوان 1967.

ويقف فطين عبدالوهاب مِن عقيدة القوة موقفاً يعكسه فيلم «إسماعيل ياسين في الأسطــــول». فالبطل الضعيف الذي يدافع عن حقه في أن تكون له الفتاة التي تبادله الحب، لا أن تكـــــون للغني الشرير، يسعى إلى تجاوز ضعفه بالالتحــــاق بالأسطول الذي اجتمعت له ولرجاله أدوات قوة لم تعرفها مصر منذ العام 1840، عنــــدما نجحت بريطانيا في محاصرة طمــــوحاتها الحربية. لكن ذلك لا يمكنه من هـــــزيمة خصمه. بل يحدث التحول عندما يضع عمه حداً لشعوذات زوجته، ويغلق الباب في وجه التـــــاجر الغني الشرير. وفوـــق ذلك، فقوة القــــانون تعاقب الشاب الذي استقوى بثلاثة من زمــــلائه لخوض معركة غير قانونية ضد عصابة الغنــــي الشرير، فتقوم الشرطة العسكرية– ممــــثلة للقانون- بتوقيف الشاب ورفاقه، ولكن بعد أن فاز الضعيف الطيب بالعروس، لا بقوة السلاح أو اللكمات والركلات، ولكن بممارسة العم حقــــه في أن يزوج ابنته الرجل الذي تختاره هي ويرتضيه هو والأم التي نجح في ترويضها.

وكل هذا في جو يخلو من الرومانسية التي جسّدها أنور وجدي بأسلوبه في الإخراج، وأحاطتها ليلى مراد بسحرها الغامض. وهنا يختفي ذو «اليونيفورم» الأنيق أنور وجدي ليحل محله إسماعيل ياسين ذو المظهر الرث مجسداً اللابطل. وهو أقرب– على محليته وسوقيته– إلى الشظايا المضيئة المتناثرة مِن عالم «دون كيخوته» عند سرفانتيس، منه إلى التناقضات المربكة في «الطفل هارولد»، عند لورد بايرون، أحد السبّاقين إلى رسم الملامح الكئيبة المتجهمة للأبطال. ويضاف إلى ذلك أن كوميدية «إسماعيل ياسين في الأسطول» أقرب إلى روح الصحافة السياسية الساخرة منها إلى الكوميديا العابرة للعصور وللثقافات عند سرفانتيس.

نعم يشتبك فطين عبدالوهاب، في هذا الفيلم وفي غيره، مع تجليات «عقيدة السيف» في الجمهورية الناصرية. لكنه، يدري أو لا يدري، يشتبك أيضاً مع موروثها القديم. ففي «السلوك لمعرفة دول الملوك»؛ يقول المقريزي: «فلما قتل [السلطان المملوكي] قطز، سار الأمراء الذين قتلوه إلى الدهليز السلطاني، واتفقوا على سلطنة الأمير بيبرس. فقام الأمير أقطاي المستعرب الأتابك [الأب الرئيس] وقال للأمراء عند حضورهم: «من قتله منكم؟»، فقال الأمير بيبرس: «أنا قتلته». فقال [الأمير أقطاي]: يا خوند، اجلس في مرتبة السلطنة مكانه».

من تلك اللحظة، في أعقاب معركة عين غالوت ضد التتار في 1260 تأسّست عقيدة السيف، لمواجهة الخطرين الصليبي والتتاري. وهذا عينُ ما اشتبك معه فطين عبدالوهاب، بقصد أو بغير قصد.



المصدر: الحياة