يكاد لا يتوقف النقاش في الدول العربيّة، (بل في معظم بلدان العالم الثالث) عن ظاهرة هجرة العقول. إذ يعتبرها البعض نزيفاً يصيب أعز رأسمال في الدولة والمجتمع: العنصر البشري المحمّل بالمعرفة والتعليم. وعلى عكس ذلك، هناك من يرى أنّ تلك الهجرة تصنع جسوراً بين العالم الثالث المتسم بالتخلف علميّاً وتقنيّاً من جهة، والعالم المتقدّم الذي بات بؤرة المعرفة والتكنولوجيا والعلوم المتسارعة الإيقاع. في ذلك المعنى، يكون كل عقل مهاجر هو مكتسب للمعرفة والعلوم المتطوّرة التي لا توجد في بلده، بل يستطيع أن ينقلها إليه، إذا أحسن ذلك البلد تدبر أمر علاقاته مع عقوله المهاجرة. أحياناً، يختصر ذلك النقاش بالعبارة المشهورة «نزيف العقول مقابل كسب العقول» Brain Drain vs Brain Gain.
شهد العراق خلال العقود الخمسة المنصرمة من تاريخه الحديث هجرة مئات من علمائه. إذ نجا أولئك بأنفسهم من الخطف والاغتيال والتصفيات الجسدية التي طاولت الآلاف من خيرة العلماء العراقيين من الاختصاصات كلّها. واستقروا في عدد من الدول الأوروبيّة والولايات المتحدة، بل لقوا في تلك البلدان تقديراً واحتراماً ودعماً ومعاملة إنسانيّة راقية. وسرعان ما باشروا ممارسة مهنهم واختصاصاتهم. إذ أتيحت لهم فرص تطوير ملكاتهم، ومواكبة أحدث مستجدات الثورة العلميّة والتكنولوجيّة. ومع توضّح كفاءتهم ومقدراتهم العلميّة والإدارية، تبوأ مئات منهم مسؤوليّات أكاديميّة وعلميّة.
وجاء تسلّمهم تلك المواقع متوافقاً مع مبدأ «الشخص المناسب في المكان المناسب» الذي تحترمه الدول الغربيّة وتلتزم به تماماً. وبذا، تأمّنت لهم سُبُل الحياة الحرّة الكريمة، والانخراط في مسار العلوم الحديثة، فتحوّلت بلدان الهجرة أوطاناً ثانية لهم.
أبعد من مجرد نوستالجيا
على رغم الظلم والجور والإجحاف والتهميش والمعاناة المريرة التي عايشوها في بلدهم الأم، لم ينس مئات العلماء العراقيّين العاملين في الدول الغربية واجباتهم الوطنيّة والإنسانية تجاه وطنهم. وبادروا إلى تأسيس منظمات وروابط وجمعيات أكاديميّة في عدد من الدول الغربيّة، خصوصاً أستراليا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وكذلك لم تتأخر تلك البلدان في تقديم شتى المساعدات التي يحتاجها بلدهم الأم.
وتندرج «شبكة العلماء العراقيين في الخارج» Network of Iraqi Scientists Abroad (اختصاراً «نيسا» NISA) في قائمة تلك المنظمات. وتأسّست «نيسا» في العام 2008 بمبادرة من البروفسور محمد الربيعي (جامعة دبلن) والبروفسور دلاور علاء الدين (جامعة نوتنغهام). وتضم 37 عالماً عراقي الأصل، بينهم 3 عالمات.
وعلى موقعها الشبكي، تصف نفسها بأنها منظمة أكاديمية مستقلة غير حكوميّة ولا تسعى للربح. ويندرج في عضويتها علماء عراقيّو الأصل، وهم من المتميزين العاملين في مؤسّسات علميّة غربيّة.
وتتنوّع مناصبهم الأكاديميّة بين أستاذ جامعي وباحث أقدم ومدير مركز علمي وغيرها. ويربط بينهم أنهم يقدمون مساهمات علميّة أساسيّة في العلوم والصناعة والاقتصاد.
وتتمثّل أهداف شبكة «نيسا» في لَمّ شمل العلماء العراقيّين العاملين في المؤسّسات العلميّة في الدول الغربية، ومراكمة الخبرة والمعارف في العلوم والتكنولوجيا، باعتبار ذلك جزءاً حيويّاً من التنمية والتطوّر في العراق. وتسعى لتعزيز تبادل المعرفة بين العلماء والفنيين والخبراء، وإثراء نقاشاتهم في التربية والتعليم والابتكار ونقل التكنولوجيا. وتهتم أيضاً بالاستفادة من الخبرات العراقيّة، كي تكون في خدمة الوطن الأم.
وتستجيب تلك الأهداف إلى رغبة عارمة لدى العلماء في المهجر في تعويض وطنهم الأصلي جزئيّاً من الضرر المتأتي من هجرة تلك الأدمغة. لذا، تسعى الشبكة إلى توطيد الصلات بين الجامعات ومراكز البحوث داخل العراق وخارجه، عبر المشاركة في برامج واتفاقات علميّة متنوّعة. كما تسعى إلى جذب الأعمال والشركات والأفراد المقتدرين، كي يستثمروا في تمويل البحوث التي تنفّذها جامعات العراق في مجالات علميّة وعملية حيويّة.
وفي السياق عينه، تعتبر «نيسا» أنّ العلوم والتكنولوجيا في مجالات المعرفة الإنسانيّة بأكملها، حاجة ضروريّة بشكل حاسم لتحقيق التطوّر والرفاهية للعراقيّين، بل البشرية جمعاء. وترى الشبكة أن هناك ضرورة لتحقيق الأهداف التالية:
- تسليط الضوء على أهمية العلوم والتكنولوجيا والمعرفة في التطوّر والتقدّم الاقتصادي.
- تأكيد العلاقة بين العلوم والتكنولوجيا والمجتمع.
- تأكيد القيم الثقافية والإنسانيّة للعلوم والتكنولوجيا.
- استخدام الإمكانات الهائلة للعلماء من أجل تحقيق الرفاهية والسلام والتنمية المستدامة، إضافة إلى تعزيز مساهمة العلوم والتكنولوجيا والتعليم في مكافحة الفقر والتمييز والظلم.
- تشجيع التنوّع الثقافي والتفاهم بين مكوّنات الشعب العراقي عبر العلم والتكنولوجيا والتعليم.
- تنشيط التعاون بين العراق ودول العالم في البحث والتطوير، وكذلك تعزيز التعاون مع المنظمات الدوليّة المشابهة الأخرى.
وأصدرت شبكة «نيسا» في اختتام عام 2017 كراسّاً عن العلماء العراقيّين من أعضاء الشبكة ممن يعملون في الخارج، كي يكون مرجعاً عن بعض علمائنا المنسيّين في الغربة. واعتذرت إدارة الشبكة من العلماء العراقيين (في الوطن والخارج) الذين لم يشملهم الكرّاس، سواء أكانوا أعضاءً في «نيسا» أو غير منتمين إليها. وأعربت أيضاً عن أملها في أن تنفتح الفرصة للشبكة مستقبلاً لإصدار كراس يضم كل العلماء العراقيّين في الماضي والحاضر.
* عقد من المنجزات العلميّة والعمليّة
في غضون عشر سنوات، استطاعت «شبكة العلماء العراقيين في الخارج» تحقيق مجموعة من الإنجازات التي تشمل:
> تنفيذ مشروع «يونيسكو» لإعادة تأهيل التعليم العالي في العراق. استمر المشروع خمس سنوات.
وشمل إصلاح وتطوير المكوّنات الرئيسيّة لنظام التعليم العالي كتطوير نظام الجودة من خلال تدريب الكوادر العراقية، ووضع إطار جديد لضمان الجودة، وإرساء برامج للتوأمة مع جامعات عالميّة.
> دعم البحث العلمي بالتعاون مع وزارتي التعليم العالي في بغداد وأربيل، إضافة إلى عقد ورشات عمل لتقديم الخبرات والمعايير المطبقة في الجامعات الغربية.
> عمل فريق مكوّن من 7 أعضاء من الشبكة على تنظيم ورش عمل وزيارات ميدانيّة إلى معظم كليات الهندسة في الجامعات العراقيّة، بهدف مراجعة إدائها وتقويمه وتحسينه.
> عقدت الشبكة بالتعاون مع وزارة التعليم العالي في بغداد، مــؤتمراً دوليّاً حول تطوير التـعليم العالـي في العـراق، تلاه مؤتمر مشابـه في كردستان. ونظّمت بالتنسيق مع وزارة العلوم والتكنولوجيا، مؤتمراً علميّاً حول سياسات البحث العلمي.
> ساهم عدد من أعضاء الشبكة في كل مؤتمرات الجودة السنوية التي عقدت في جامعة الكوفة.
> تنظيم ورشات عمل حول مهارات التدريس والبحث العلمي في مختلف الجامعات العراقية، إضافة إلى وزارة العلوم والتكنولوجيا.
> التعاون مع اللجنة العليا لتطوير التعليم ووزارة التعليم العالي، بهدف تنفيذ برامج البعثات. واستقبلت «نيسا» أعداداً كبيرة من الطلاب في جامعات أعضاء الشبكة، كما أشرفت على عدد آخر منهم.
> تنفيذ عدد من برامج التدريب لقيادات التعليم العالي، والعاملين في التدريس خارج العراق.
> تلبية دعوات عدد من الجامعات والوزارات في العراق، لإلقاء محاضرات مختصّة، والمساهمة في تنفيذ مشاريع متنوّعة، والمشاركة في لجان مناقشة امتحانات الدراسات العليا، وتقييم رسائل وأطروحات الدراسات العليا والبحوث العلميّة، وتقديم النصح حول تحسين التدريس والبحث العلمي، وتحقيق الاعتماد الدولي.
> تخصيص جائزة «نيسا الدوليّة» السنويّة لأفضل بحث علمي عراقي في 6 فروع للدراسات العلمية والإنسانية، تمنح في («يوم العلم»).
> تنفيذ برامج توأمة للدراسات الأولية بين جامعات أعضاء الشبكة والجامعات العراقيّة.
> تقديم عدد من الدراسات للدولة العراقية، منها دراسة شاملة حول بناء القدرات في مجالات الإدارة والتنمية.
المصدر: الحياة