عشرات المؤثرين الفلسطينيين يحاججون الاعلام الغربي بلغته
أدهم مناصرة
الإثنين 23 تشرين الأول 2023
تحتدم حرب إعلامية موازية للعدوان الإسرائيلي الأعنف على قطاع غزة منذ أكثر من أسبوعين، وتتخذ التلفزيونات الغربية ومواقع التواصل مسرحاً رئيسياً للمعركة الدائرة بين السردية الفلسطينية والعربية من ناحية، ودعاية الاحتلال الإسرائيلي من ناحية ثانية.
حرب السردية.. في إعلام الغرب
على وقع حرب السردية المحتدمة، سطع نجم مدونين وناشطين عرب ومعهم سفراء فلسطينيون أبلوا بلاء حسناً في مخاطبة الغرب بلغتهم وعلى طريقتهم، سعياً منهم لإخماد حملات وسائل إعلام الغرب التي تتبنى الرواية الإسرائيلية في ما جرى ويجري في فلسطين.
فبعد أن حظي السفيران الفلسطينيان حسام زملط ومنى أبو عمارة، وأيضاً، الناشط والداعية البريطاني من أصل مصري محمد حجاب، بثناء رواد مواقع التواصل الفلسطينيين والعرب بسبب إجادتهم التصدي لأسئلة مُضلّلة من قبل وسائل إعلام أوروبية وكندية وأميركية لقضية غزة.. تفوّق المقدم التلفزيوني الساخر باسم يوسف في حصد الإشادة الأكبر بـ"ذكائه" و"طريقته غير التقليدية" في محاججة المذيع البريطاني الشهير بيرس مورغان خاصة والإعلام الغربي عامة.
"نجوم السردية"
الحال أن الفضل في اعتبارهم "نجوم السردية"، ليس فقط لخروجهم على وسائل إعلام غربية، بل بمشاركة مقابلاتهم في السوشال ميديا، فكانت النتيجة بالتفاعل الكبير معها والمشاهدات القياسية لها، خصوصاً أن الحدث الكبير في غزة وحالة الاستنفار العاطفي لدى الجمهور الفلسطيني والعربي والعالمي استدعى هذا الحجم من التفاعل.. فمواقع التواصل هي مسرح الحرب الإعلامية الحقيقية، وهذا ما أكدته وسائل إعلام إسرائيلية، وهو ما جعل الاحتلال يركز أكثر على هذه المنصات في هذا الوقت.
وفي السياق، برز فيديو لشباب فلسطيني وهو يوبخ مراسلة شبكة "سي إن إن" سارة سيدنر، في رام الله، إذ يقول لها إنه "غير مرحب بها وبقناتها"، متهما إياها بـ"مناصرة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين"، ثم تتحدث سيدنر مباشرة إلى قناتها: "كما ترون، إنهم غاضبون، لا يحبون طريقتنا في تغطية الأحداث".
وكانت المراسلة سيدنر قد انخرطت في موجة المغالطات التي روجتها إسرائيل، على الهواء مباشر، بشأن "قطع الفصائل الفلسطينية روؤس 40 طفلاً إسرائيلياً"، ثم عادت لتعتذر لاحقا بدعوى أنها لم تتثبت من الأمر، وقد اعتمدت على مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي مصدراً في ذلك.
التغطية الإعلامية الغربية المستفزة استدعت أيضاً، توبيخاً وجهته الصحافية المصرية رحمة زين، لمراسلة شبكة "سي إن إن" الأميركية كلاريسا وارد، أمام معبر رفح على الحدود المصرية الفلسطينية.
وواظب الشيف الفلسطيني المتحدر من غزة، المعروف باسم أبو جوليا، في نقل صورة ما يجري في القطاع من مشهد إنساني مروع، باللغة الإنجليزية، ومثلُ أبو جوليا كثيرون ممن يعيشون في الغرب ويحاولون مخاطبته بلغته وعلى طريقته، أملاً في الدفاع عن السردية الفلسطينية ودحض رواية الاحتلال، وتغيير قناعات غربية غير عادلة للقضية الفلسطينية.
مؤثرون أجانب مع "سرديتنا"
الحال أنّ محاولات التأثير في المجتمع الغربي بالنسبة للصراع الدائر في فلسطين لم تقتصر على مؤثرين فلسطينيين وعرب، بل تصدّر مدونون وناشطون من أوروبا وأميركا، وقد نشروا عن حقيقة المجزرة والإبادة التي تتعرض لها غزة، بينهم المدونة الأميركية إليت شوغر، التي رأت أن ما يحدث في غزة إبادة جماعية صريحة، ولا علاقة لها بالحديث عن تدمير حركة حماس، وكذلك الحال بالنسبة للرسام الهولندي إيفر سميد الذي أكد أن ما تتعرض له غزة أسوأ مما تعرضت له كل المدن التي قُصفت خلال الحرب العالمية الثانية.
ما الجدوى؟
لكنّ، مع أهمية ما قام به باسم يوسف وغيره، ثمة نقاش فلسطيني وعربي يدور بشأن جدوى ذلك، بعيداً من الانفعال اللحظي.. إذ يرى البعض أن حجم التفاعل معهم لدرجة اعتبارهم "أبطالاً" بعيون رواد السوشال ميديا العرب والفلسطينيين يُعد مؤشراً على حالة ضعف تعتري المشهد الفلسطيني والعربي، لدرجة التشبث بأي "انتصارات إعلامية تبدو عابرة" وبأي شخص يُجيد التحدث للغرب برواية فلسطينية.. إنه دليل على أن الفلسطيني والعربي يعيش "حالة يُتم"، ويتمسك بأي شخص يتكلم بلسانه!
كما أنّ هناك إشكالية تكمن في انعدام الإدراك الفلسطيني والعربي لمجمل الأسباب التي تقف وراء انحياز وسائل إعلام غربية لإسرائيل، فالقصة لا تكمن بالضرورة بـ"الجهل بالحقيقة"، وإنما بلورة الدول المؤثرة ومعها إعلامها للمواقف بناء على قاعدة المصلحة والعنصرية وتأثيرات مراكز القوى في العالم. صحيح، أنه مهم الخروج بين الفينة والأخرى لتثبيت سردية الفلسطينيين، لكن مع إعطاء الأمر حجمه، عبر طرح سؤال: ماذا بعد؟، هل نجحنا في تغيير قناعات العالم الغربي؟، ولماذا تقتصر محاولات المحاججة على جهود فردية وليس عملية منظمة؟
الحال أن المجتمع الغربي مكوّن من ثلاثة فئات؛ فئة مُضَّللة لكنها قابلة لتصحيح معلوماتها وأن تكون فاعلة إيجاباً لصالح الحق الفلسطيني، وأخرى تعلم الحقيقة إلا أنها مُجنّدة مصلحياً وعقائدياً لصالح تبنّي رواية الاحتلال وتسويقها، وثالثة لا مبالية وتصّم آذانها، ولن يتغير شيء إذا علمت بحقيقة مظلومية الفلسطينيين.
"معركة خاسرة"!
ورصدت "المدن" تعليقاً للناشط المقدسي علاء أبو دياب، إذ قال إنه رغم تثمينه للمجهود "العظيم" الذي قام به باسم يوسف خلال مقابلته مع المذيع الشهير بيرس مورغان، إلا أن المقابلة تدل على أن "المُنتظِر للإنصاف من الإعلام الغربي كالمنتظر للإنصاف من الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي"، على حد تعبيره.
لذا، يعتقد أبو دياب وآخرون أن الإعلام الغربي ليس منحازاً بل هو "أداة حرب ضد الفلسطينيين"، وأن التأثير عليه معركة خاسرة ومحسومة، و"إهدار للوقت والجهد". بيدَ أنّ أصحاب هذا الرأي يقرون بضرورة خوض هذه المعركة الإعلامية بين فترة وأخرى، فقط كي "نعيد تذكير انفسنا بعدم جدواها، وليس أملاً في تغيير يُذكر باستخدام أدواتهم نفسها".
في المقابل، يرى أصحاب وجهة النظر الأخرى أنه مع صعوبة تغيير أجندة الإعلام الغربي، إلا أن الوصول إلى المشاهد والمستمع في أنحاء العالم لا زال أملاً مُجرباً وناجحاً وواجباً، وقد ضربوا مثالاً على ذلك بنشر استطلاع رأي للبريطانيين حديثاً، حيث أظهر نسبة أعلى لتأييد الشباب لفلسطين مقارنة بإسرائيل.
الواقع، أنه غاب خلال الجهود لمحاججة الإعلام الغربي، أن تتم دعوة الأخير إلى إجراء تحقيق مهني بشأن أنباء عن مقتل أطفال إسرائيليين وعائلات إسرائيلية بأكملها برصاص وقذائف أطلقتها القوات الإسرائيلية خلال ما أسمتها عملية "تطهير الغلاف من مقاتلي حماس الذين اخترقوا الحدود". فإسرائيل هي الراوي الوحيد لما جرى في الغلاف.. وقد غاب السؤال المهني عن الإعلام الغربي: هل أخفى القادة العسكريون والسياسيون في إسرائيل حقائق حول قصف بيوت في الغلاف وبداخلها عائلات إسرائيلية والتسبب باحتراقها.. للقضاء على مقاتلي القسام المتحصنين فيها؟
المصدر: المدن