لم يعد الأمر مقتصراً على مجرد هاتف محمول لا يفارق يد كل مواطن. وتعدّى الوضع حكاية «الصحافي المواطن» المسلح بهاتف مزوّد بكاميرا يفترض أنه عين محايدة تنقل الحدث إلى العوالم الافتراضيّة، لكن التجربة أثبتت أنّه يفبرك ربما بأكثر مما يصوّر.
في سياق مماثل، من المستطاع التفكير بأن الحدث الذي شهدته دبي أخيراً باستضافة الدورة السادسة لـ «القمة العالميّة للحكومات» على مدار 3 أيام، تجاوز البحوث والأوراق، ليكون إطلالة عميقة على الآتي من الزمان، خصوصاً في العوالم الرقميّة. ولأنه لم يعد ممكناً الفصل بين الواقعين الفعلي والافتراضي، بدت القمة أقرب إلى وجبة استشرافيّة دسمة لمستقبل لا تقتصر على الاستعداد للمستقبل، بل تتجاوز ذلك لتصل إلى التخطيط لتطويعه.
وبين 11 و13 شباط (فبراير) 2018، شكّلت «القمة العالميّة للحكومات» منصة لاستشراف مستقبل البشرية. ووصف نائب رئيس الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، القمّة بأنها «تجمّع للعقول الساعية إلى رسم المستقبل»، و «مكان لصناعة المستقبل وتمكين الإنسانية من متطلباته وأدواته اليوم». وتناولت كلماته أيضاً دور الحكومات في ردم الهوّة في المعرفة والمهارات، والاستعداد للتحوّل الكبير في مجال الطاقة، وإدارة الواقع الجديد للتجارة العالميّة بما فيها التمكين التقني للتجارة، وخلق فرص عمل تتواءم مع متطلبات المسقبل، وتخطيط عملي لتحديد الهجمات الإلكترونيّة، والتبصر السلوكي لإحداث التغيير، وغيرها. ونجحت تلك القضايا المستقبلية في اجتذاب آلاف المشاركين من الراغبين في تحديد معالم المستقبل قبل أن ترسم يد الزمن الآتي معالم مصائرهم ومسارات مجتمعاتهم وبلدانهم وثقافاتهم وحياتهم.
المعلومات نفط المستقبل
«مَنْ يقود مَنْ إلى المستقبل»؟ هيمن ذلك السؤال على القاعات والجلسات والنقاشات. وكانت كلمة السر دائماً هي المعلومات والبيانات Data & Information، إذ تعتبر البيانات الرقميّة نفط المستقبل، ومن يملكها يحدد شكله. ضمن ذلك السياق، سرد محمد بن عبدالله القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء والمستقبل ورئيس القمة، التوقّعات المخيفة المتصلة بترسم ملامح التخطيط للزمن الآتي.
وأورد أن 47 في المئة من الوظائف في الولايات المتحدة ستختفي خلال السنوات القليلة المقبلة بسبب الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence، إضافة إلى اختفاء ما يزيد على مليون وظيفة بحلول عام 2026. وخلال الـ30 عاماً المقبلة سيشهد العالم تغيّرات أسرع بكثير مما شهدته البشرية على مدار الثلاثة آلاف عام الماضية.
وإذ لاحظ أيضاً أن التطوّر سيستمر والتغيير لن يتوقف، لفت إلى أنّ الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يصبّ مباشرة في المستقبل، مشدّداً على أنّ دبي تيقّنَتْ من ذلك. وكذلك بيّن القرقاوي أنّ شركتي «غوغل» الأميركية و «بايدو» الصينية استثمرتا ما يتراوح بين 20 و30 بليون دولار عام 2016 في الذكاء الاصطناعي، لأنهما أيقنتا أن ما يستثمر فيه يفوق ما يُستَثْمَر في التنقيب عن النفط حاضراً. وخلص إلى التشديد على القول أنّ «نفط المستقبل هو البيانات».
وتداولت أروقة القمّة تقريراً عنوانه «فيوتشر برفكت» Future Perfect أعده أخيراً قسم حلول المحتوى في مجلة «تكنولوجي ريفيو» التي يصدرها «معهد ماساتشوستس للتقنية». وتناول التقرير عشر مبادرات للتكنولوجيا اعتبرها الأولى عالميّاً لابتكارات القطاع العام، مبيّناً كيفيّة استخدامها من قِبَل الحكومات الرقميّة الساعية إلى الريادة كي تحقّق أقصى مستويات الكفاءة حاضراً. وأوضح أن ذلك الأمر من شأنه المساهمة في إحداث تحوّل اجتماعي جذري ومستدام على المدى الطويل.
مبادرات يتوّجها شعار «مدينة ذكيّة، شعب سعيد» من أستراليا، جاءت مبادرة على هيئة «لوحة» مكثّفة تصلح أداة للتخطيط ووضع السياسات، كي تستخدمها الهيئات الحكوميّة وشركاء التكنولوجيا في تحسين البنية التحتيّة للخدمات العامة. وتبيّن اللوحة أيضاً سُبُل استعمال طُرِقٍ مستدامة في استقطاب المواهب الخلاقة، مع الاستناد إلى بيانات الإحصاء الرسمي للسكان. وكذلك تشمل فئات اللوحة الوظائف والمهارات والإسكان والبنية التحتيّة.
وصمّمت أستراليا اللوحة لتكون أداة تحكّم رقميّة تجمع البيانات من 24 مدينة يسكنها 24 مليون أسترالي، أي ما يقارب 74 في المئة من سكان تلك البلاد.
ومن الصين، بيّنَتْ مدينة «هانغشتو» (تاسع أكبر مدن البلاد) طريقة تعاملها مع مسألة إتاحة البيانات التي تجمعها هيئاتها البلديّة، أمام شركة «علي بابا» AliBaba الصينيّة التي تحتل المرتبة الأولى في التجارة الإلكترونية عالميّاً. وكذلك تساهم تلك البيانات في تعزيز مبادرات متنوّعة تتصل بتقنية «حوسبة السحاب» Cloud Computing. وبذا، قدّمت «هانغشتو» تجربتها في توسيع مشروع «عقل المدينة»، إضافة إلى تطوير الرؤى المدعمة بالذكاء الاصطناعي لأنماط الهجرة في الصين.
وفي سياق مُشابِه، قدَّمَت غانا سجلاً ذكيّاً عن التعاملات المالية الرقمية المشفّرة بتقنية «بلوك تشين» Bloc Chain في مجال تحويل حقوق ملكيّة الأراضي، وحل المنازعات المالية، ودعم ثقة المواطنين في المؤسّسات الحكوميّة المعروفة بضعفها في ذلك البلد. واعتبر ذلك السجل نموذجاً عن المبادرات التي تحقّق هدفي السرعة ورفع الكفاءة اقتصاديّاً.
كذلك أوضحت الهند أنها متمرّسة في تسخير التكنولوجيا لمعالجة عدم الكفاءة في تقديم الخدمات الحكوميّة، وتالياً التوصل إلى تحقيق السرعة والدقة، إضافة إلى إلغاء العمليات القديمة التي طالما كان الفساد يرتع فيها. وفي أواخر العام الماضي، مُنِحَ 1.3 بليون مواطن هندي رقم «أدهار» (كلمة هندية تعني مؤسّسة) لكل فرد، مع ملاحظة أن الرقم يتكوّن من 13 خانة. وأُدرِج «أدهار» في بطاقة هوية تحتوي رقاقة عليها بيانات بصمة العين والإصبع وغيرهما من البيانات البيولوجيّة الحيويّة.
وبذا، نجح ذلك البرنامج في استبدال العمليات المعقدة التي كانت تجري للتحقّق من الهوية، وهي كانت تتطلب من المواطنين الفقراء (أغلبهم أميون) التقدّم بوثائق عدّة للحصول على إعانات الغذاء والوقود.
وفي سياق متّصل، بيّنت شركة يابانيّة تدعمها حكومة بلادها، أنها تخطط لوضع لوحات إعلانيّة على القمر، كخطوة أولى لإطلاق المشروع الاقتصادي الطويل الأمد الذي تعتزم اليابان تنفيذه في الفضاء.
وعلى نحو مُشابِه، شيّدت كوريا الجنوبيّة أحد أكبر حقول تجارب السيارات الذاتية القيادة. واستفادت دبي من «قمة الحكومات» لتوضح أنها عملت على حشد جهود متنوّعة كي تصبح مركزاً عالمياً للابتكار، بما في ذلك مبادرة إتمام المعاملات العامة في المدينة عبر تقنيات التعاملات الماليّة الرقميّة بتقنية «بلوك تشين» بحلول عام 2020، وشعارها في ذلك «مدينة ذكيّة، شعب سعيد».
الكاتب: أمينة خيري
المصدر: الحياة