يستمر مهرجان برلين السينمائي في دورته الـ68 حتى الخامس والعشرين من فبراير الجاري، ويتم فيه عرض حوالي 400 فيلم، 19 منها تتسابق على جوائز الدب المرموقة التي يتم منحها في الرابع والعشرين من الشهر الجاري.
من بين الأفلام التي شاهدناها في مهرجان برلين السينمائي يبرز حتى الآن فيلم وحيد جاء من باراغواي هو فيلم “الوريثات” للمخرج مارشيللو مارتنيزي، هذا الفيلم يدور حول شخصية امرأة وحيدة في بداية الخمسينات من عمرها هي “شيلا”، تعاني من تفاقم حالتها المادية إلى درجة أنها أصبحت مرغمة على مغادرة صفوف الطبقة الوسطى الميسورة في باراغواي، التي تنتمي لها، إنها تبدو كما لو كانت قد قبلت هذا التحول الدرامي الكبير في حياتها، في هدوء، لكنه الهدوء الذي يخفي تحته بركان حزن وغضب.
شيلا تواجه احتمال أن تسجن بعد أن تراكمت عليها الديون وعلى رفيقتها “شيكيتا” التي عاشت معها طويلا في المنزل نفسه، وغالبا تجمعهما من زمن علاقة جسدية أيضا، ولكن شيكيتا الآن هي التي تحمّلت عواقب المحنة الاقتصادية، فدخلت لتقضي عقوبة عدة أشهر في السجن بتهمة التحايل للحصول على قروض والعجز عن السداد.
أما شيلا فقد ظلت في الخارج مضطرة لبيع أثاث بيتها الذي ولدت وعاشت فيه طوال حياتها، بكل ما فيه من قطع فنية ولوحات نادرة، وهي تستعين بخادمة جديدة كونها لا تستطيع الاعتماد على نفسها في تدبير أمور حياتها، رغم حالتها المادية الصعبة، هذه الخادمة هي “باتي” التي تشعر بالضياع في فضاء ذلك المنزل الذي تباع قطع أثاثه واحدة وراء الأخرى.
شيلا الصامتة معظم الوقت، التي تخفي ألما داخليا عميقا، تجد نفسها وقد قبلت تدريجيا أن تصبح سائقة، تستخدم سيارتها الخاصة التي كانت تعتزم بيعها، في نقل صديقاتها ومعارفها من سيدات الطبقة الوسطى. إنها نماذج مختلفة لسيدات من الجيران ومن الصديقات والمعارف في نفس عمرها أو أكبر منها عمرا، تنقل بعضهن بسيارتها يوميا، بل تجازف وتقود السيارة في الطريق السريع، رغم أن رخصة قيادتها سحبت منها، والدافع توصيل المرأة الحسناء الشابة الحسية “إنجي” التي تفيض بالحيوية والحرارة، وتبدو من النوع الذي لا يمانع في إقامة علاقات مفتوحة مع الجنسين.
هل ستقبل شيلا على إقامة علاقة مع إنجي خاصة وأنها مشدودة إليها تتطلع إليها بنظرات تنم عن الرغبة، أم ستفضل انتظار خروج شيكيتا من السجن؟ هل ستمضي في حياتها الجديدة استنادا إلى هذا العمل غير القانوني، مجازفة بأن يصدر عليها حكم مماثل بالسجن، أم ستنتقل خارج هذه الدائرة من الإحباطات المتتالية، تتحرّر من إحباطاتها وتعيش حياتها كما تريد؟
هناك الكثير من المشاهد التي تقترب من الواقعية التسجيلية، خاصة مشاهد زيارة شيلا لرفيقتها في السجن، ولعل مما يكسب الفيلم مصداقيته وتأثيره الكبير، استخدام المخرج مجموعة ممثلات من غير المحترفات، كما استخدم عددا من نزيلات السجون الحقيقيات وجعل كل واحدة منهنّ تروي بنفسها سبب وجودها في السجن.
ويستخدم المخرج مارشيللو مارتنيزي في هذا الفيلم الذي يبدو محيطه أنثويا بامتياز، اللقطات الثابتة، القريبة للوجوه، للأيدي المعروقة، للنظرات الصامتة، مع الحوار الذي يبدو عفويا بدرجة مدهشة، ولا شك أن المخرج ترك هامشا من الارتجال للممثلات.
الوسواس القهري
حتى الآن تصيبنا أفلام المسابقة بإحباطات متتالية، فالفيلم الفرنسي “إيفا” Eva للمخرج بينوا جاكوت الذي تقوم ببطولته باقتدار كبير إيزابيل أوبير، يبدأ بداية جيدة توحي بالكثير، لكنه سرعان ما ينحرف عن هذا المدخل المثير للاهتمام، ليدخلنا إلى قصة تقليدية تتعلّق بالعشق المرضي الذي يشبه مرض “الوسواس القهري” عندما يصيب شابا يريد بأي ثمن، أن يحظى بقلب امرأة تتمتع بشخصية أرستقراطية، لكنها في الحقيقة تمارس الدعارة مقابل أجر.
زوجها يقضي عقوبة في السجن، وهو يعرف بالطبع أن زوجته تعمل في الدعارة وغالبا هو القواد الذي يرتب لها اللقاءات التي تتم فقط في منزلها الأرستقراطي الفخم، لكن الشاب المولع بها نراه في البداية وهو أيضا يبيع جسده مقابل المال. وعندما يذهب لزيارة كاتب مسرحي إنكليزي مسن، يطلعه الرجل على مخطوطة مسرحيته الأخيرة بعنوان “كلمة السر” ويخبره أنه لم ينجح في العثور على منتجين لها في فرنسا وبريطانيا.
يصاب الرجل فجأة بنوبة قلبية ويتوفى فيستولي صاحبنا الشاب على المخطوطة، وتمر فترة من الوقت لنرى أن المسرحية أنتجت منسوبة إلى هذا الشاب باعتباره المؤلف، وهو مرتبط بابنة مدير الفرقة التي تعتقد أنه كاتب موهوب، لكنه لا يحبها، بل كل همه الآن أن يحظى بحب السيدة اللعوب الغامضة التي تكبره في العمر والتي لا شك أنها تعرف جيدا الحقيقة، إنه من ناحية يرغب في قتلها، ولكن رغبته في السيطرة عليها بالحب، أكبر.
من البداية التي توحي بفيلم بوليسي، ينتقل الفيلم إلى التعقب المرضي من جانب الشاب للعاهرة، رغم تكرارها أنها لم تحب رجلا غير زوجها.
مشكلة فيلم “إيفا” تكمن أساسا في السيناريو الذي يعجز عن تطوير الشخصيات والأحداث، فيظل يدور من حولها، في استطرادات وتنويعات كثيرة على نفس النغمة، كما يفتقد الفيلم إلى الإيقاع المتماسك فيسقط في الترهل والبطء، ويعاني من وجود ثلاث نهايات أو بالأحرى ثلاث فرص لتحقيق النهاية المناسبة، لكن بينوا جاكوت، الذي سبق أن قدم أفلاما أكثر إتقانا، لا ينهي فيلمه، بل يظل يستطرد من دون أن يضيف، فينتهي الفيلم فجأة من دون إشباع.
أما الفيلم الإيطالي في المسابقة “ابنتي” للمخرجة لاورا بيسبوري، فهو فيلم نسائي خالص، يصوّر ويعرض ويناقش موضوعا نسائيا في إطار عاطفي مليء بالمشاعر، ولكن رغم ميلودراميته الواضحة وسخونة أجوائه يحقّق استجابة لدى الجمهور كما تبدى في استقباله في العرض الصحافي الحاشد بالمهرجان.
بين أمين
“ابنتي” أو على نحو أكثر دقة “الابنة التي تنتمي لي” The Daughter of Mine هو عن ابنة تدعى “فيتوريا”، لكن فيتوريا موزعة على امرأتين: “تينا” (فاليريا غولينو) من ناحية، وهي السيدة التي قامت بتربيتها ورعايتها منذ مولدها، وهي تحبها أكثر مما يمكن تصوّره، لكنها ليست أمها “البيولوجية”، وهناك من ناحية أخرى “أنجيليكا” (ألبا رورواتشر)، وهي الأم البيولوجية الحقيقية، غير أنها لم تفعل شيئا للابنة من الأصل، فهي صعلوكة، شريدة، فتاة البلدة العابثة المنحلة التي عاشت حياة خشنة، فقد أدمنت الكحول، وتمارس الدعارة بين وقت وآخر للحصول على ثمن الشراب.
وهي التي تخلت عن فيتوريا، بل ولم تكن تريدها أن تأتي إلى الحياة من الأصل، ولم تكن تستطيع أن تكون لها أما وهي تمارس هذه الحياة المنحرفة المختلة رغم طيبة قلبها، لذلك وافقت على أن تتخلى عن ابنتها لـ”تينا”.
كما هو معروف ومتوقع في مثل هذا النوع من الميلودرامات، سيأتي وقت عندما تبلغ الطفلة العاشرة من عمرها، لا يصبح ممكنا اخفاء الأمر كثيرا عن فيتوريا، خاصة بعد أن لاحظت هي التشابه الكبير مع أمها.
ما الذي سيحدث، هل ستنحاز فيتوريا لأمها الأصلية وتتخلى عن الأم الحقيقية التي منحتها كل شيء؟ لقد أصبحت أنجيليكا الآن بسبب استهتارها وحياتها المفتوحة المنحرفة، تعاني من تشوّش ذهني واضح كما أصبحت مهدّدة بالطرد من بيتها لعدم التزامها بدفع الإيجارات؟ وكيف سينتهي الصراع الحتمي الذي ينشأ بين المرأتين، وهل ستنجح محاولة تينا إبعاد أنجيليكا بدفع مبلغ من المال لها، أم سيتعين على كل من تينا وأنجيليكا مشاركة فيتوريا؟
صور مدهشة من عين كاميرا لا تكف عن الحركة، وموسيقى تصل إلى قمة الإثارة في النهاية، وفيلم أنثوي صنعته مخرجة هي لاورا بيسبوري.
البحث عن السعادة
فيلم “المصلي” The Prayer للمخرج الفرنسي سيدريك خان مشارك في المسابقة، ومخرجه معروف بتعدد أنواع الأفلام التي يخرجها وعدم التزامه بأسلوب واحد، وارتباط مستوى الفيلم الذي يصنعه بمستوى السيناريو، وهو قد يكون متميز من ناحية السيطرة على عناصر الإخراج كما يبدو في هذا الفيلم، لكنه رغم ذلك، لا يحقّق اختراقا كبيرا كما كان منتظرا، والسبب أن السيناريو لا يصل إلى مستوى الفكرة، أي فكرة التسامي الروحاني كوسيلة للتغلب على الإدمان، إدمان المخدرات تحديدا.
تومس هو البطل/اللابطل، وهو في الثانية والعشرين من عمره، يصل في بداية الفيلم إلى أبواب دير في جبال الألب الفرنسية، يبدو للوهلة الأولى كما لو كان سجنا كبيرا، أو مكانا صالحا للعزلة، وهو كذلك بالفعل، ولكن للتعبّد والأشغال الشاقة معا.
نزلاؤه مجموعة من الشباب من أصول فقيرة، جاؤوا للتخلّص من الإدمان عن طريق الصلاة والتقرب إلى الله حسب ما تقضي به تقاليد الكنيسة الكاثوليكية، وهم يخضعون خضوعا تاما لتعاليم الكنيسة ويلتزمون بتقاليدها، يساعدون بعضهم البعض ويتساندون، محظور عليهم عمل علاقات مع الفتيات (اللاتي يقمن في مبنى آخر منفصل) ومحظور عليهم التدخين وشرب الخمر.
هل سينجح توماس في عبور هذا الاختبار الصعب؟ إنه يصاب بعد فترة قصيرة بنوبة تشنج بفعل انقطاع التعاطي، وهو عاجز ثانيا عن التأقلم مع المكان ومع رفاقه الشباب، يرفض النصح، يحتج ويغضب ويتشاجر، يريد أن يغادر، فيغادر، لكن لكي يقع في غرام فتاة طرق بابها في القرية القريبة حيث قضى ليلته، لكنها تقنعه بالعودة إلى الدير فيعمل بالنصيحة.
هناك تمر سنتان، يحقّق توماس بعض التقدّم، ولكن هل هو مؤمن بالفعل بالمسيح أم أنه يتظاهر فقط كما تقول له الراهبة العجوز التي تأتي في زيارة تفقدية للدير؟ وتقوم بالدور ببراعة الممثلة الألمانية المخضرمة هانا شيغولا، التي عرفناها في الثمانينات من خلال أفلام فاسبندر والموجة الألمانية الجديدة بوجه عام.
يطرح الفيلم سؤالا يتعلق بالإيمان، بالعلاقة بين الجسد (الذي يخضع لإغراء تناول الضار وليس المحظور فقط) والروح التي تتألّم لغياب الشعور بالحرية، أي الخضوع سواء للمخدر أو لغيره من الأمور.
ربما لا يتمكن توماس من التعايش طويلا مع الحياة في الدير، رغم أنه يؤكد عكس ذلك، فعلاقته بالفتاة تطغى وتدفعه إلى أن ينهل من المتعة الجسدية.
“المصلي” وهو نوع آخر من فيلم “دراسة الشخصية”، هنا الكثير من اللقطات الليلية في الطبيعة خارج الدير لمسيرة الشباب أثناء العمل أو الصلاة، على نحو يذكرنا بالفيلم الفرنسي الكبير “عن الآلهة والرجال”، ولكن شتان ما بين الفيلمين.
المصدر: العرب اللندنية