أشرت في مقال سابق في «الحياة» إلى أن أشد الهموم إلحاحاً على الواقع الإنكليزي السياسي منه والثقافي على السواء، هو وقع نتيجة الاستفتاء بالخروج من أوروبا عليه، والمعروفة باسم «بريكزيت». فقد صوتت بريطانيا منتصف عام 2016 بغالبية ضئيلة (52 في المئة ضد 48 في المئة) لمصلحة من يدعون إلى خروجها من الاتحاد الأوروبي. وهو التصويت الذي تكشف لنا قراءة النصوص الأدبية التي تناولته أنه فتح صندوق بندورا الشهير فخرجت منه الأشباح الغافية والشرور. وقد عرضت على القارئ كيف تعامل المسرح مع هذا الأمر خلال مسرحيتين مائزتين. وسوف أقدم هنا تعامل رواية شيقة معه بطريقة مغايرة، تكشف مغايرتها في شكل من الأشكال عن الاختلاف بين المسرح والرواية كجنسين أدبيين متباينين.
وإذا عدنا الى أسطورة بندورا نجد أنها تقول لنا إن باندورا بعد أن فتحت صندوقها وأتاحت لكل الشرور أن تنطلق منه، أغلقته على ما بقي في قاعه، وهو الأمل الخادع، أو التوقعات المراوغة التي تجلب لمن يستسلم لها اللعنات، وتقوده إلى حتفه. لأن ما فعله التصويت على «البريكزيت» كما تقترح علينا رواية «خريف» Autumn للكاتبة الإسكتلندية المرموقة آلي سميث Ali Smith، أنه لم يقفل الصندوق على هذا الأمل الخادع، بل أطلق له العنان أولاً، أثناء عمليات الحشد للتصويت، حتى إذا تمكن من غواية الناخبين فصوتوا للخروج، أطلقت بقية الأشباح والشرور واللعنات من ورائه.
ذلك لأن رواية «خريف»، وهي رواية سميث السابعة في مسيرة روائية ناجحة، أكدت عبرها أنها من أكثر كتاب جيلها قدرة على اقتناص نبض المجتمع البريطاني وتحولاته المستمرة. تكشف لنا كيف انطلقت كل شرور المجتمع البريطاني من محبسها بعد هذا الاستفتاء، أثناء الصيف الذي تم فيه التصويت وظهرت نتيجته الحرجة، وطوال الخريف التالي له، وهو زمن الرواية. وتعلن علينا كاتبتها أنها الرواية الأولى في رباعية تستخدم الفصول عناوين لها، وستعقبها رواية «شتاء». والخريف هو أوان الحصاد، وهو فصل التحولات، فأي حصاد ستجنيه بريطانيا من هذا الاستفتاء الذي قسمها بعنف كما لم يقسمها شيء من قبل؟ وما هي التحولات التي تستشرفها الرواية؟
تبدأ الرواية زمنياً عام 2016 عقب ظهور نتيجة الاستفتاء، ولكنها تأخذنا في الزمن إلى الأمام في العام التالي وتعود بنا للوراء إلى زمن الحرب العالمية الثانية، وهو زمن كثيرا ما استُدعي أثناء الجدل على هذا الاستفتاء، من خلال استعادات الفلاش باك الكثيرة. وهي أولى روايات «بريكزيت» التي تطمح إلى سبر أغوار لحظة قرار الخروج من أوروبا، وعواقب أن تؤسس أمة قراراً مصيرياً على حفنة من الأكاذيب.
تبدأ بدانيل جلاك، وهو يهودي ألماني انتقل إلى بريطانيا، وأمضى حياته بها مثقفاً وكاتباً ناجحاً للأغاني وجامعاً للوحات، وقد بلغ 101 من عمره، وهو يحتضر ببطء في بيت للمسنين خارج لندن، رمزاً لاحتضار كل ما هو أوروبي في اللحظة الراهنة. ويحلم بأنه قد ارتد للشباب، ويرى جسده وقد استعاد حيويته، وتخلص من كل العجز والعفن. فلا نعرف إن كان يرى نفسه في الحلم، أو في ما بعد الموت. حيث يمضي أكثر وقته في النوم. وليست له أسرة أو من يسأل عنه. اللهم إلا إليزابيث التي تتطوع بأن تكون أسرته. وهي محاضرة موقتة في إحدى الجامعات بلندن، في الثانية والثلاثين من العمر، يقلقها أنها قد لا تحصل على ساعات عمل كافية في زمن العقود الصفرية. وهي عقود الزمن الجديد والمتغيرات الصعبة، والتي لا يلتزم فيها صاحب العمل إلا صفراً من ساعات العمل، وصفراً من أي ضمانات أخرى كالرعاية الصحية أو المعاش.
وتنتمي إليزابيث، بطلة هذه الرواية الأساسية، إلى بطلات آلي سميث الأثيرات، فهي شابة هشة، مترعة بالأحلام والشكوك والتساؤلات، ومثقلة بالذكريات ولا تستطيع التملص من آثار طفولتها عليها. وحينما نلتقي بها تكون في طابور بمكتب بريد ساعته معطلة (كأننا في زمن وليام فوكنر الأثير)، تنتظر دورها لتقديم طلب الحصول على جواز سفر، وهي تقرأ كتاب هكسلي «عالم جديد طريف»، في عالم تجاوزت مواضعاته أكثر كوابيس هكسلي إزعاجاً، وتتخوف من أن يعيد الموظف لها طلبها، وهو ما يحدث بالفعل لأن حجم الوجه في الصورة أكبر من اللازم.
ومن خلال استعاداتها الزمن القديم، نكتشف كيف تعرفت إليزابيث على دانيل منذ عام 1993 حينما كانت في الثامنة من العمر، وهو في التاسعة والستين، وطلبوا منها في المدرسة أن تكتب حواراً مع أحد جيرانها. وكان دانيل الذي أعجبت الطفلة بأناقته هو الجار الذي اختارت الكتابة عنه، على رغم تحذير أمها لها من ألا تتحدث معه، لأننها تتصور أنه مثلي. وتنصحها أمها بألا تذهب له، وأن تكتب موضوعها عنه من دون زيارته. اطرحي أسئلتك، ثم تخيلي ما يمكن أن تكون إجابته عنها واكتبيها. لكن الطفلة تقول لأمها إن المفروض أن تكون إجاباته حقيقية، لأنها ستكون في موضوع الأخبار. فيكون رد أمها، إن أغلب الأخبار التي تسمعينها مختلقة على كل حال. وكأنها تتحدث عن عالمنا الراهن وأخباره المختلقة في زمن دونالد ترامب الغريب.
لكن إليزابيث لا تستجيب نصيحة أمها وتذهب إلى بيت جارهم دانيل، فتدخلها تلك الزيارة الباكرة إلى عالم مغاير كلية لكل ما يدور في بيتهم. وتلاحظ الطفلة الطُلعة كيف أن كل شيء في بيته من صور ولوحات مغاير لما في بيتهم. وسوف تصحح إليزابيث بعد ذلك تصور أمها، وتقول لها إنه ليس مثلياً، إنه أوروبي. في نوع من تأكيد دور أوروبا في صياغة هوية الجيل الذي تمثله إليزابيث. ذلك لأن تلك الزيارة الباكرة لإليزابيث الطفلة له، سرعان ما تفتح أبواب حوار عميق وصداقة روحية بين الشخصيتين. يفتح دانيل فيه أمامها أبواب عالم الفن والأدب. فقد كان من جامعي اللوحات، ومن المكتشفين للفنانات اللواتي لم يأخذن حقهن من الاهتمام والشهرة. إذ كان من أوائل من اكتشفوا أهمية أعمال فنانة الستينات الإنكليزية المغمورة بولين بوتي (Pauline Boty 1938-1966) التي ماتت في شرخ الشباب، وتعد الآن رائدة فن البوب الإنكليزي، ومن رواد النسوية الإنكليزية والتحرر في ستينات القرن الماضي.
بل إن الرواية في مزجها بين الواقعي والخيالي تجعل دانيل، في أحد أزمنتها المتراكبة، عاشقاً حقيقياً لهذه الفنانة الشقراء الجميلة، مأخوذاً بفنها وقدرتها على تحدي المجتمع. حيث تجلبها إلى فضاء الرواية، وتحولها إلى موضوع لرسالة إليزبيث للدكتوراه في تاريخ الفن في ما بعد، وهو موضوع يدخلنا بدوره في فورة ستينات القرن الماضي وما كانت تعج به من طاقة خلاقة، وقدرة على التحدي والتغيير، بصورة تحيلها إلى مرآة مناقضة لزمننا الرديء. وتمزج الرواية بين حياة إليزابيث ومأساة حياة بوتي في تقاطعات دالة، تكتب عبرها قصة صداقتها العميقة بدانيل، أو بالأحرى هذا الحب والانسجام العميق بينهما والمختلف عن تجارب الحب الحسية المألوفه: «لا أحد يتكلم مثل دانيل، لا أحد لا يتكلم مثل دانيل». حيث يعم بينهما نوع من التفاهم العميق والوئام، حتى في تلك اللحظات الصعبة. حيث يصبح الصمت لغة تواصل لا تقل بلاغة عن الكلام. في تناقض صارخ لما يعج به العالم المحيط بهما من فقدان للفهم وضيق أفق.
وتحرص الرواية على تجسيد ضيق الأفق وفجاجة النزعة الشوفينية الجديدة لنا، حيث أدت نتائج الاستفتاء إلى شق هائل في المجتمع. لأن أمها تخبرها حينما تذهب لزيارتها، أن نصف القرية لا يكلم نصفها الآخر منذ ظهور النتيجة. وأن شخصاً قد كتب بـ «سبراي» «عد إلى بلدك» على حائط بيت أحد جيرانهم وقد تصور أنه مهاجر؛ فما كان من صاحب البيت إلا أن كتب تحتها «إنني في بلدي فعلاً! شكرا لك!» فأخذ الناس يضعون باقات الزهور على الرصيف بجوار جدار البيت، وقد أحال فعل التعاطف البيت، لمرارة المفارقة، إلى قبر! وتخبرنا الكاتبة «على امتداد البلاد شعر الناس بأنها النتيجة الخطأ، وعلى طول البلاد أحس الناس بأنها النتيجة الصحيحة. وعلى طول البلاد أحس الناس بأنهم خسروا، وعلى طول البلاد شعر الناس بأنهم كسبوا، وبأنهم قاموا بالعمل الصحيح، بينما صوت الآخرون للجانب الخطأ. وفي كل البلاد بدا أن لما حدث قدرة العصف بالجميع كسلك كهربائي عار، انقصف من عموده العالي في العاصفة وأخذ يضرب الهواء والسقوف والمرور!» (ص94) ويتردد هذ الشق العميق كلحن القرار في الرواية مرات وفي أشكال مختلفة «على طول البلاد شعر الناس بأنهم كانوا على حق، وأن لرأيهم صدقيته، وعلى طول البلاد انخرط الناس في الحزن والصدمة»(ص60).
وتتقصى الرواية علاقة إليزابيث بأمها، حيث تكتشف وقد كثر ترددها عليها لأن بيتها في الطريق إلى بيت المسنين الذي يحتضر فيه دانيل، جوانب جديدة عليها في شخصيتها تقربها منها أكثر من قبل. فكلاهما يشعر بالقهر الذي لا يستطيع له دفعاً. حيث تخبرها أمها «إنني متعبة من الغضب، ومن تفشي البخل العاطفي والرداءة، إنني متعبة من الأنانية، ومن كل ما يجعلني أشعر بالخوف». وتصحبنا الرواية إلى عوالمهما الداخلية، وتزامن مشاغلهما بالحاضر والماضي في وقت واحد. لأن آلي سميث مولعة بموضوع الزمن ومدى قدرة السرد على اقتناص تزامناته المدوّخة. لذلك تتمدد استدعاءات سردها المختلفة وتتشابك كما تتشابك الجذور والأشراش وفق منطق جيل ديلوز عن الـRhizome وزحف تشعباته في تناقضه مع الشجرة ونموها العمودي وتفرعاتها.
وتتحول الرواية مرثية لكل ما مثلته حياة دانيل من تفتح على الآخرين، وقلب كبير يسع تناقضاتهم وصبواتهم، وعقل مولع بالفن والثقافة. حيث تبدو آلي سميث في الرواية وكأنها دليل يقودنا وسط غابة من الأفكار حول الأدب والفن والنسوية والذاكرة، وأهم من هذا كله حول ما يمكن أن يفعله البعض إزاء الديموقراطية التي تشبهها بزجاجة يمكن أن يكسرها البعض ويحولها إلى سلاح مدمر. إن الرواية توشك على أن تقترح أن هذا هو ما فعله الاستفتاء. لقد هشّم الديموقراطية البريطانية الهشّة، وحولها إلى سلاح مدمر في زمن أصبحت فيه سطوة الأكاذيب – كما يقول لها دانيل – تغوي دائماً من لا قوة له(ص114).
المصدر: الحياة