أحداث ثقافية أخرى
أغلفة الكتب بين الإبداع البشري وAI: لمن الكلمة الأخيرة؟
رشا دندشلي
الجمعة 6 تشرين الثاني 2026

قبل قراءة السطر الأول من رواية، تكون صورة الغلاف قد أدّت مهمتها الأولى في إثارة فضوله أو صرف نظره عنها. فالغلاف ليس مجرد واجهة تزيينية للكتاب، بل عمل بصري تتقاطع فيه الفنون التشكيلية والتصوير الفوتوغرافي والتصميم الغرافيكي مع الأدب والتسويق. وقد تنجح صورة واحدة في اختزال عالم روائي كامل، أو في طرح أسئلة لا يجد القارئ إجاباتها إلا بين صفحات الكتاب.
 
 
على امتداد عقود، استعانت دور النشر بالمصورين والرسامين والفنانين التشكيليين لصناعة أغلفة تمنح الكتب هويتها البصرية. وكانت وراء كل صورة عملية إبداعية تبدأ بالفكرة، وتمر بمراحل من البحث والتجريب والتصوير أو الرسم. غير أن دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى هذا المجال أحدث تحولاً في آليات الإنتاج، بعدما أصبح بالإمكان توليد عشرات المقترحات البصرية خلال دقائق، وبكلفة قد تكون أقل من الاستعانة بفنان محترف.
 
 
لكن هل تعني سهولة إنتاج الصورة أنها قادرة على منافسة العمل الفني الذي يصنعه الإنسان؟ وهل يستطيع القارئ التمييز بين غلاف رسمته يد فنان وآخر أنتجته خوارزمية؟ والأهم، هل تتحدد قيمة الغلاف بجاذبيته البصرية وحدها، أم بقدرته على ترجمة روح النص الأدبي؟
 
الصورة الفوتوغرافية بوصفها رؤية
 
في سوق أغلفة الكتب العالمية، تعمل وكالات متخصصة مثل «تريفيليون إيمجز» (Trevillion Images) و«آرك إنجل إيمجز» (Arcangel Images) على توفير صور فنية للناشرين والمصممين، تتجاوز وظيفتها التوثيقية إلى بناء مشاهد تحمل دلالات نفسية وسردية.
 
المصور اللبناني محمد عيتاني، أحد المصورين المتعاونين مع هاتين الوكالتين العالميتين، ويتمتع بخبرة طويلة في مجال التصوير الفوتوغرافي لأغلفة الكتب، وقد نُشرت صوره في العديد من الأغلفة العربية والأجنبية حول العالم. ويقول عيتاني لـ"المدن" أن القيمة الحقيقية للصورة لا تكمن في جمالها أو التقنية المستخدمة لإنتاجها، وإنما في الفكرة التي تقف وراءها وقدرتها على إيصال إحساس أو رواية قصة.
 
ويوضح أن طبيعة عمله تعتمد على بناء مشاهد ذات أبعاد نفسية وسردية، فقد تكون الفكرة بسيطة، كشخص يقف خلف نافذة، أو غرض قديم على طاولة، لكن توظيف الضوء والظل والتكوين والتفاصيل يمنحها معناها، ويترك للمشاهد مساحة للتخيل والتفسير.
 
ولا ينظر عيتاني إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه خصماً للتصوير التقليدي، بل أداة إضافية تتيح استكشاف احتمالات بصرية جديدة وتنفيذ مشاهد معقدة. أما التحدي الحقيقي، فيراه في قدرة المصور على مواكبة تحولات السوق وتطوير لغته البصرية من دون التفريط بهويته الفنية. ويختصر رأيه بالقول إن الصورة الناجحة، خصوصاً في غلاف كتاب، "ليست بالضرورة الأكثر إبهاراً بصرياً، بل تلك التي تثير الفضول، وتحمل شيئاً من الغموض، وتجعل القارئ يرغب في اكتشاف القصة وراءها".
 
وهنا تتجاوز المسألة المفاضلة بين الصورة الحقيقية والمولّدة آلياً، لتطرح سؤالاً حول قيمة الرؤية الفنية التي تقف وراء الصورة، بصرف النظر عن الأدوات المستخدمة في إنتاجها.
 
ريشة تسند كلمة
 
تكتسب العلاقة بين النص والصورة خصوصية مختلفة عندما تتولى الروائية نفسها رسم أغلفة أعمالها، فتتحول التجربة الإبداعية من الكلمات إلى الخطوط والألوان. الفنانة التشكيلية والروائية رولا علم الدين خاضت تجربتين متباينتين؛ إذ رسمت بنفسها غلاف روايتها الأولى "أسفار الأرواح"، بينما استعانت بالذكاء الاصطناعي في تصميم غلاف روايتها الثانية "ذاكرة البيوت المنسيّة".
 
وتقول علم الدين لـ"المدن" إن رسم الغلاف يتيح لها فتح نافذة أخرى على ذاتها، لأن التفاصيل التي تستوقفها أثناء الرسم غالباً ما تكون هي نفسها التي شغلتها خلال الكتابة، فيتعرف القارئ إلى زاوية رؤيتها للأحداث والشخصيات. وتشير إلى أنها لمست اختلافاً في تفاعل القراء مع الغلافين؛ فبينما مرّوا بالغلاف المولّد بالذكاء الاصطناعي مروراً عابراً، استوقفهم غلاف "أسفار الأرواح"، وأثار إعجابهم أن يروا المشهد بعين الروائية التي كتبته ورسمته.
 
وتطرح علم الدين سؤالاً يكثف تجربتها: "أستطيع أن أصف المشهد للذكاء الاصطناعي بدقة، لكن كيف أصف له تفصيلاً لا أكتشفه أنا نفسي إلا وأنا أرسم؟". هكذا، تكشف هذه التجربة جانباً آخر من العملية الفنية، يتمثل في أن الإبداع لا يقتصر على تنفيذ تصور مكتمل سلفاً، بل إن أفكاراً وتفاصيل تولد خلال ممارسة الرسم. ومع ذلك، تظل استجابة القراء التي رصدتها علم الدين، تجربة شخصية، لا تكفي للحكم على تفضيلات جمهور الكتب عموماً.
 
 ليس ذكاء عاطفياَ
 
أما الفنانة التشكيلية فاطمة مرتضى، التي تستعين روايات زوجها الكاتب فوزي ذبيان، بلوحاتها للأغلفة، فتنطلق من موقف أكثر تحفظاً تجاه قدرة الذكاء الاصطناعي على منافسة الإبداع الإنساني.
وتقول: "اسمه الذكاء الاصطناعي وليس الذكاء العاطفي أو الذكاء الإبداعي"، معتبرة أنه يستطيع أداء مهام عقلية ومنطقية، لكنه لا يستطيع الحلول محل التجربة الإبداعية للرسام أو المصور أو الكاتب.
 
وتوضح أن معايشتها لزوجها أثناء كتابة رواياته تجعلها قريبة من عوالمه وشخصياته وتفاصيلها الدقيقة، فتتخيل الألوان والإضاءة وتعابير الوجوه والشحنة العاطفية التي يحملها النص. وتستعيد تجربتها في رسم غلاف رواية "مراتب الموتى"، إذ قرأت العمل وتخيلت شخصية البطل ورسمتها، ليفاجأ زوجها بأن ملامح الشخصية في اللوحة تطابق الصورة التي رسمها في مخيلته أثناء الكتابة.
 
وترى مرتضى أن هذه المعرفة الوجدانية المتراكمة تمنح الفنان قدرة خاصة على ترجمة النص بصرياً، وهي قدرة تشكك في إمكانية محاكاتها آلياً. وتأمل أن تواصل دور النشر الاعتماد على الرسامين والمصورين، بدلاً من استبدال أعمالهم بصور مولّدة بالذكاء الاصطناعي.
 
كتاب تشتريه العيون
 
بعيداً من الجدل المتعلق بأصالة الصورة، يبقى السؤال الأكثر ارتباطاً بصناعة النشر: إلى أي مدى يؤثر الغلاف في قرار شراء الكتاب؟ في المكتبات، حيث تتجاور مئات العناوين، يؤدي الغلاف دوراً مهماً في لفت الانتباه. وتزداد أهمية هذه الوظيفة في المنصات الرقمية، حيث تظهر الأغلفة بأحجام مصغرة، ويتنافس كل كتاب مع عشرات الإصدارات الأخرى على جذب عين المتصفح.
 
غير أن الجاذبية البصرية لا تعني بالضرورة نجاحاً تجارياً أو أدبياً. فقد يثير غلاف جميل فضول القارئ، لكن قرار الشراء يتأثر أيضاً باسم المؤلف، والعنوان، وموضوع الكتاب، وسمعة دار النشر، وتوصيات القراء. كما أن الغلاف الناجح ليس بالضرورة الأكثر زخرفة أو إبهاراً، وإنما الأقدر على إقامة علاقة بين الصورة والمضمون، من دون كشف أسرار العمل أو إطلاق حكم أو فرض تفسير واحد على القارئ.
 
وتعيد تجربة علم الدين طرح إشكالية أخرى: هل يتفاعل القارئ مع الصورة ذاتها، أم مع معرفته بأنها من إبداع مؤلف الكتاب؟ وهل يمكن أن تتغير نظرته إلى الغلاف بعد اكتشاف الطريقة التي أُنتج بها؟
 
مستقبل الصورة بين الأصالة وسرعة الإنتاج
 
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي في صناعة الأغلفة، على المنافسة الجمالية، بل يمتد إلى تحديات اقتصادية ومهنية وقانونية، تتعلق بكلفة الإنتاج وحقوق الملكية الفكرية ومصادر البيانات المستخدمة في تدريب النماذج التوليدية. وبينما يرى بعض الفنانين في هذه التقنية تهديداً لمستقبل المهن الإبداعية، يتعامل آخرون معها بوصفها أداة يمكن توظيفها لتطوير العمل الفني. ولا يبدو أن هذا الاختلاف قابل للحسم بمجرد المقارنة بين جمال صورتين، إحداهما بشرية والأخرى مولّدة آلياً.
 
فالمصور محمد عيتاني يراهن على تجدد الرؤية الفنية، ورولا علم الدين تتمسك بما تكشفه يد الرسام أثناء العمل، فيما تؤكد فاطمة مرتضى قيمة المعايشة الإنسانية للنص الأدبي. ثلاث تجارب تلتقي عند أهمية الفكرة، وتختلف في تقدير قدرة التكنولوجيا على ترجمتها بصرياً.
 
وفي زمن بات فيه إنتاج الصور الجميلة متاحاً بضغطة زر، ربما لم يعد السؤال الأهم مَن يستطيع صناعة الغلاف الأكثر إبهاراً، بل ما الذي يمنح الصورة قيمتها...النتيجة التي تراها العين، أم التجربة الإنسانية التي تقف وراءها؟
 
المصدر: المدن