«مهرجان بيروت للأفلام الفنية»… حضورُ الموسيقى خجول وغزّة محطّةٌ ثابتة
بشير صفير
الأربعاء 4 تشرين الثاني 2026
عن الموسيقى، عن الرقص والفن التشكيلي، عن العمارة والسينما والآثار والمسرح… أو عن الفنون عموماً. هذا محوَر«مهرجان بيروت للأفلام الفنية» منذ تأسيسه. في كل فئة تتعدد زوايا المقاربة، لكنها تبقى تدور حول المحوَر. منذ الإبادة المستمرّة في غزة، أدخل المهرجان البيروتي، من خارج الجمال، قباحة الإجرام الإسرائيلي، مضيئاً على المأساة الفلسطينية، ربما لإيمانه بأنّ الواجب الأخلاقي يفرض إيجاد فسحة خاصة، حتى لو أنها من «خارج الموضوع». كأنه يقول إن ضرورة الفن هي بالعمق ضرورة إنسانية وأخلاقية، بالتالي يفقد الفن أسمى معانيه إذا لم ينخرط في معركة الدفاع عن الإنسان. هكذا، متى لم يكن لغزة خانةٌ على جدوَل الفنون، وَجَب استحداث خانتها بين تلك الفنون، وما عدا ذلك يعني خيانتها، بل خيانة كل الفنون.
في الدورة الـ12 التي تنطلق الليلة وتستمر حتى 13 تشرين الثاني/نوفمر، تُعرض مجموعة من الوثائقيات، نتوقّف عند الجانب الموسيقي، بعد أن نشير إلى العملَين اللذين أدرجهما المهرجان في برنامجه حول الإبادة في غزة، ويُعرَضان في ختام الدورة: الأول، وثائقي بعنوان «مَن بَقِيَ على قيد الحياة» (Who Is Still Alive) أنجزه السويسري نيكولا واديموف عام 2025 ويتمحوَر حول شهادات بعض ممن لم يستشهدوا في الإبادة. الثاني، وثائقي قصير بعنوان «غزّة: ملاحظات حول إبادة (Gaza: Notes on a Genocide, 2023-2026)» للأميركية نان غولدين التي جمعَت عدداً من المشاهد التي صوّرها صحافيون فلسطينيون وأخرى التقطها من استطاع الدخول إلى غزّة من أصدقائها وصديقاتها لتوثيق ما أمكن توثيقه من الإبادة. تقول المخرجة إن العمل غير مكتمل، لأن الإبادة ما زالت مستمرّة.
في الدورة الـ12 من «مهرجان بيروت للأفلام الفنية» التي تنطلق الليلة وتستمر حتى 13 تشرين الثاني/نوفمر تُعرض مجموعة من الوثائقيات
في ما خصّ الموسيقى، نلاحظ تراجعاً نسبياً في الأعمال التي أدرجها المهرجان في دورته الحالية. وثائقيان فقط: «My Way» و«Half Moon». الأول، يُعرض غداً، ويتناول واحدة من أشهر الأغنيات في الريبرتوار الغربي. الأغنية اشتهرت تحت اسم «My Way» بعدما انتقلت إلى أميركا، لكنها في الأساس فرنسية، لمغني البوب الشهير كلود فرانسوا، وعنوانها الأصلي «Comme d’habitude» (كالعادة). صدرت عام 1967 وأنجز نسختها الإنكليزية وغناها عام 1968 نجم البوب بول عنقا، وهو كندي-أميركي، أصوله سورية من جهة أبيه، ولبنانية من جهة أمه. نقْل الأغنية إلى داخل سوق الأغنية الشعبية الأميركي فتح أمامها باباً تلوَ الآخر للانتشار والشهرة والتوظيف بحسب الحقبات والأحداث، في حكاية شيّقة نكتشفها بصوت جاين فوندا في هذا الوثائقي (إخراج تييري تيستون).
الوثائقي الثاني الذي يندرج تحت خانة الموسيقى هو «نصف قمر» لتييري تيستون الذي له ترسانة من الأعمال التي تدور في فلك التجارب الموسيقية المعاصرة، منذ مطلع القرن العشرين لغاية الآن. الوثائقي الذي يعرضه «مهرجان بيروت للأفلام الفنية» في العاشر من الجاري يتمحوَر حول المؤلف الموسيقي وعازف الكلارينت السوري كنان العظمة، الذي بدأ مشواره داخل بلده قبل الثورة على النظام التي تحوّلت إلى مأساة للشعب، وتابع بعدها رحلته الشاقّة في الترحال والمشاريع الموسيقية. كنان فنان رقيق وموهوب، عانى من عرض تجربته في العالم الغربي منذ 11 أيلول 2001، حيث باتت السَّحنة العربية تعني «إرهابيّ»، حتى التأكد من العكس، بالأخص في أميركا. ثم شاهد وطنه وأهله يدخلان دوامة الموت أو التهجير والبهدلة في أحسن الأحوال، وحاول أن يروي هذه المُعاناة بالنغمة. أي بلغة مفهومة من كل البشر، وصولاً، في الحالات القصوى، إلى التشكيك
بمعنى الفن وقدرته على تغيير العالم أو منع الكارثة. لكنّ النفق المُظلم يحمل دائماً نقيضه في جوهره على شكل بصيص أمل، يكبر نوره مع الوقت، ولو ببطءٍ شديد أحياناً. بالنسبة إلى كنان العظمة هذا النور اسمه موسيقى.
«مهرجان بيروت للأفلام الفنية» من 3 إلى 13 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري — مسرح «بيريت» (جامعة القديس يوسف / طريق الشام). للاستعلام: beirutartfilmfestival.org
المصدر: الأخبار