أحداث ثقافية أخرى
معازف دمشق... يوميات مدينة بين الطرب والتحريم
مروة جردي
الإثنين 21 أيلول 2026

من «يا مال الشام» إلى «المعازف حرام»، تعود الموسيقى إلى قلب السجال في دمشق. حملة ضد حفلة أصالة نصري خرجت من مواقع التواصل إلى الشارع، مستعيدةً جدلاً قديماً حول الغناء والتحريم. لكن القضية تتجاوز حفلة واحدة، لتطرح سؤالاً أوسع: من يرسم حدود الحياة الثقافية في سوريا الجديدة؟
 
«إلغاء حفلات المعاصي»؛ وسمٌ أطلقه رجل دين على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يغادر الفضاء الافتراضي إلى شوارع دمشق، حيث ظهرت العبارة على إعلانات ممزقة وملصقات تستهدف الحفلات الموسيقية. هكذا انتقل الجدل الدائر حول حفلة أصالة نصري من نقاش على المنصات الرقمية إلى ممارسات اتخذت طابعاً عنيفاً في الشارع.
 
المفارقة أن هذا السجال يجري في بلد تعود علاقته بالموسيقى إلى آلاف السنين. في سوريا، اكتُشفت ألواح طينية تحمل ما يُعرف بأقدم تدوين موسيقي مكتشف حتى اليوم، ويُقدَّر عمرها بأكثر من ثلاثة آلاف عام.
 
 
وهذه القطعة من التراث الموسيقي السوري القديم حضرت أيضاً في المشهد السياسي الجديد، حين قدّم الرئيس السوري أحمد الشرع نسخة منها هدية إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، كتذكار رمزي من تراث يفتخر به رئيس من أصول سلفية.
 
من «يا مال الشام» إلى «المعازف حرام»
ليست الاعتراضات على الموسيقى والغناء جديدة على سوريا. عندما أسّس أبو خليل القباني المسرح الغنائي في دمشق خلال الحكم العثماني، كان يدرك حجم التحدي الذي يواجهه في مجتمع اعتاد دقّ الدف والعود والغناء والرقص في المنازل، لا في فضاء مسرحي عام.
 
 
مع ذلك، أقدم القباني على افتتاح مسرحه، مقدماً الغناء و«رقص السماح»، مستفيداً من دعم والي دمشق آنذاك مدحت باشا في مواجهة الاعتراضات الاجتماعية. لكن ذلك الدعم لم يحل دون تعرّض مسرحه للحرق بعد رحيل الوالي، لينتهي الأمر بالقباني إلى المنع والتهجير نحو القاهرة. وهو صاحب الأغنية التي ستصبح لاحقاً من أشهر الأغنيات المرتبطة بدمشق «يا مال الشام.. ويلا يا مالي.. طال المطال.. يا حلوة تعالي».
 
وبعد أكثر من قرن، يبدو أنّ المشهد الفني السوري يواجه موجة جديدة من الاعتراض، وإن اختلفت السياقات والأدوات. هذه المرة تحت شعار «المعازف حرام»، الذي كُتب على جدار أحد المعاهد الموسيقية العريقة في العاصمة.
 
 
ورغم الدعم الظاهر من المؤسسات الرسمية، رافقت اعتراضات دينية عدداً من الحفلات التي أقيمت في «معرض دمشق الدولي» بعد عودة النشاط الفني، أبرزها حفلة الفنان اللبناني مروان خوري، الذي أدى انقطاع التيار الكهربائي إلى وقفها. وسبق ذلك منع الموسيقي السوري مالك جندلي من إقامة حفلة في مدينة حمص، استجابةً لمطالب وضغوط من شيوخ في المدينة.
 
 
لكن حفلة أصالة نصري، في صالة «الفيحاء» في دمشق، حملت رمزية إضافية جعلتها نقطة جدل أكبر. فالفنانة الدمشقية كانت من أوائل الفنانين الذين أعلنوا تأييدهم للحراك الشعبي في سوريا 2011، ودفعت ثمن ذلك بشطبها من نقابة الفنانين ومنعها من العودة إلى بلادها لخمسة عشر عاماً». ومنذ الإعلان عن الحفلة، تعرّض لحملة على مواقع التواصل الاجتماعي هاجمت أصالة ووزارة الثقافة، واتهمت الأخيرة بالسعي إلى «صبغ المجتمع بصبغة علمانية».
 
ثم انتقل الاعتراض من المنصات الرقمية إلى الشارع الدمشقي، مع تمزيق الإعلانات الترويجية للحفلة وتوزيع منشورات تحض على مقاطعتها، فيما دافع مؤيدو الحفلة عن إقامتها، مشيرين إلى أن أصالة ستكتفي بأداء أغنيات تراثية ووطنية ذات بعد اجتماعي، وتبتعد عن الأغنيات العاطفية!
 
وكان من أبرز المعترضين الشيخ المصري هاني دهب، المعروف بالذهبي، الذي أطلق وسم «إلغاء حفلات المعاصي»، والشيخ عبد الرزاق المهدي الذي وصف الحفلة بأنها «طرب ومجون». كما صدرت بيانات مماثلة عن «ملتقى دعاة الشام» موجهة إلى وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح، وعن مجموعات مثل «ثوار وأحرار دوما» و«ثوار ومجاهدي حي المزة»، إلى جانب رسائل عبر فايسبوك اتهمت أصالة بـ«التبرج والتعري». وحاولنا التواصل مع وزارة الأوقاف للحصول على تعليق منها حول ما حدث إلا أننا لم نلق أي رد.
 
من الثورة إلى الدولة... هل تتغير المرجعية؟
في خضم هذا الجدل، تعرض الداعية محمد حبش وهو المعارض السابق لنظام بشار الأسد والمقيم في الإمارات حالياً لحملة تشويه سمعة واسعة على إثر منشورات فقهية استند فيها ـ وفق ما يقول ــ إلى أحاديث في البخاري ومسلم تجيز الغناء، داعياً الدولة إلى «الانفتاح والتسامح» في مواجهة التشدد.
 
ويرى حبش أنّ «الرأي القائل بالتحريم هو رأي متشدّد موجود في المذهبين الحنبلي والشافعي، لكن هناك آراء متسامحة موجودة في المذهبين المالكي والحنفي».
وفي حديثه معنا، أشار حبش إلى أنّ الفصائل التي وصلت إلى الحكم في سوريا هي في معظمها سلفية الجذر، وتقول بتحريم الموسيقى والغناء، «وهذا ليس سراً».
 
لكنه يرى أنّ الانتقال «من الثورة إلى الدولة» يفترض نقاشاً حول هذا الحكم. وفق حبش، فإنّ «الدولة لها مرجعيات وفقه إسلامي مختلف، تبحث فيه عما يتوافق مع الواقع ويناسب العصر الحاضر، وليس مع السلف، ولكليهما مرجع في الإسلام» مشيراً إلى وجود نحو عشرين رواية في صحيح البخاري ومسلم حول «أنّ رسول الله استمع إلى غناء النساء، وأنّ ذلك كان عبر مغنيتين كريمتين، واسمهما جميلة وحمامة». واستعاد حبش أول مهرجان غنائي في التاريخ الإسلامي، وهو لحظة استقبال نساء من بني نجار للرسول محمد بغناء «طلع البدر علينا» في المدينة المنورة.
 
ويستشهد حبش بإلغاء حفلة جندلي في حمص بناءً على موقف شيوخ محلّيين اعتبروه معصية، رغم أن الحفلة كانت برعاية المحافظة نفسها وتقتصر على عزف الموسيقى من دون الغناء، معتبراً ذلك مثالاً على الفجوة بين الغطاء الرسمي للفن وبين السلطة الفعلية التي يملكها الخطاب الديني المتشدد على الأرض.
والسؤال الأوسع يتعلق بالمرجعية التي ستحدّد شكل الحياة الثقافية في سوريا الجديدة، وبما إذا كانت الدولة الناشئة ستنجح في بناء قواعد واضحة تنظم المجال العام، أم سيبقى تحديد المسموح والممنوع رهناً بتوازنات الشارع وحملات السوشال ميديا.
 
المنع جزء من تاريخ الغناء
المطالبة بمنع أصالة وغيرها من الفنانين من الغناء في سوريا ليست سابقة، فالرقابة على الغناء لم تكن غائبة حتى في عهد النظام السّابق، وإن اختلفت دوافعها ومرجعياتها.
في عام 2022، تدخلت نقابة الفنانين السوريين بقيادة نقيبها آنذاك محسن غازي لمنع المغنيتين سارة زكريا وريم السواس من الغناء، بذريعة «تصحيح المسار باتجاه الكلمات المهذبة». واعتُبر القرار حينها استمراراً لوصاية مؤسسة فنية رسمية على أصوات نسائية خرجت عن الأطر المقبولة اجتماعياً.
 
وسبق غازي في المنع النقيب الراحل صباح عبيد، الذي منع عدداً من الفنانات اللبنانيات من الغناء في سوريا، وبينهن هيفاء وهبي وإليسا، على أساس أنه «لن يغني في سوريا إلا الموهوب». وأثار القرار يومها جدلاً واسعاً، بين من دافع عن الحرية الفنية ومن اعتبر أنّ بعض الأشكال الفنية «لا ترقى لأن تكون فناً».
 
وخلال سنوات الحرب، نُشر أكثر من مرة تعميم، شفهياً حيناً وخطياً حيناً آخر، من الجهات الرقابية المسؤولة عن البث المرئي والمسموع في سوريا، يمنع بث وعرض أغنيات أصالة نصري، في إطار التعامل مع أعمال الفنانين المعارضين لنظام الأسد. كما تكررت حالات حذف مشاهد من مسلسلات أو أصوات أغانٍ من بعض الأعمال.
لكن ما يحدث اليوم يختلف في نقطة أساسية. في حالات سابقة، كانت قرارات المنع تصدر عن مؤسسات رسمية، سواء بدوافع سياسية كما في حالة أصالة، أو بدعوى المعايير الفنية والاجتماعية كما في قرارات نقابة الفنانين.
 
 
أما اليوم، فتأتي المطالبات بإلغاء الحفلات من شريحة من الجمهور، وعلى أساس شرعي وديني لا علاقة مباشرة له بالمعايير الفنية أو بالموقف السياسي من الفنان.
 
لكل نظام صوته ومنشده!
لم يكن الغناء يوماً في سوريا مجرد ترفيه بعيد عن السياسة. كل نظام سياسي حكم البلاد ترك بصمته الصوتية. وكل انتقال للسلطة أعاد رسم الخريطة الموسيقية للبلاد. في عهد الاستعمار الفرنسي ومن بعده الاستقلال، صنعت الحركة الوطنية نشيدها بنفسها، حيث كان فخري البارودي نائباً في البرلمان السوري من عام 1932 حتى الجلاء، وأحد الآباء المؤسسين للجمهورية، وصاحب نشيد «بلاد العرب أوطاني» الذي ذاع في العالم العربي. وبعد الاستقلال، أسّس إذاعة دمشق و«نادي الموسيقى الشرقي»، ورعى فنانين منهم صباح فخري. وتُوّج هذا المسار بنشيد «حماة الديار»، من كلمات خليل مردم بك وألحان الأخوين فليفل، الذي أُعلن نشيداً وطنياً رسمياً في اجتماع سان فرانسيسكو على لسان فارس الخوري.
 
وخلال الوحدة، استعارت دمشق صوت القاهرة، حيث توقف استخدام «حماة الديار»، واستُعيض عنه بمزيج من نشيد مصر الرسمي حينها ونشيد «حماة الديار» السوري. فقدت دمشق صوتها المستقل مؤقتاً لصالح الرمزية الناصرية القادمة من القاهرة، وهو ما يعكس بدقة طبيعة تلك الوحدة القائمة على اندماج سياسي غلبت فيه العاصمة المصرية على دمشق ثقافياً وإعلامياً أيضاً. أما مع وصول «البعث» إلى الحكم، فقد استقدم معه أصواتاً من الريف والجبل إلى المركز، ومن الهامش إلى الشاشات والفضائيات، بوصف ذلك جزءاً من الثقافة الشعبية والريفية التي مثّلها الحزب. هكذا عرف الجمهور فؤاد غازي (فؤاد فقرو) وإلياس كرم. ولاحقاً، انتشرت الأغنية الساحلية والجبلية من العتابا وغيرها، وصولاً إلى ظاهرة الفنان الشعبي التي بلغت أوجها مع الفنان علي الديك ووفيق حبيب وغيرهما.
 
لكن «البعث»، بصفته نظاماً اشتراكياً، لم يكن ليدعم المسارح والحفلات الخاصة، فبقي حضور هذه الأصوات وانتشارها رهناً بحصولها على جماهيرية خارج سوريا، في لبنان ومصر تحديداً؛ ومن هنا عُرفت أغانيهم أوسع من أسمائهم، وتكررت حادثة إعادة إنتاج أغانيهم خارج البلاد مع ضياع نسبة العمل الموسيقي إلى أصحابه الأصليين.
 
في المقابل، كانت المهرجانات الرسمية وأبرزها «معرض دمشق الدولي» هي الفضاء الذي دعمته الدولة فعلياً، وقد سيطر عليه الأخوان الرحباني لعقود، فصارت حفلات فيروز في دمشق واحدة من أشهر ذاكرة السوريين عن الحفلات الغنائية ونجاحها.
 
 
وفي أواخر حكم الأسد الأب ووراثة بشار الأسد للحكم، تم إنتاج نوع جديد من الفنانين، وبرزت ظاهرة «فنان السلطة» الذي كانت أصالة نصري، للمفارقة، واحدة منهم بأداء أكثر من أغنية للأسدين الأب والابن.
 
وتواصلت ظاهرة الغناء للرئيس والقائد، في قالب عاطفي شعبي. وغنى مطربون مشهورون من سوريا ولبنان لحاكم دمشق. وتحوّلت هذه الظاهرة إلى وسيلة للشهرة الفردية وكسب الحظوة مع تراجع الأيديولوجيا الحزبية، وصعود اقتصاد المحسوبية.
 
 
ومع اندلاع الاحتجاجات في سوريا بداية 2011، صار السؤال عن الفن والأغاني سؤالاً سياسياً يتحدد فيه موقف المواطن بناء على خياراته الموسيقية. ورغم سيطرة المتشددين على الصوت الأعلى في «الثورة السورية» إلا أنها لم تستطع منع الأغاني وانتشارها في صفوف جمهورها، كأغنية سميح شقير «يا حيف» بعد أيام قليلة من بدء الاحتجاجات، وقد صارت أول أغنية في الثورة السورية.
 
وشهدت مناطق سيطرة الفصائل المسلحة علاقة متوترة بين قادتها ومغنّي «الثورة» وصلت إلى حد اتهام الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع بالتخلص من منشدها الأول عبد الباسط الساروت خلال معارك لجبهة «النصرة» في الشمال السوري، ومن خليفته قاسم الجاموس المعروف بلقب «أبو وطن» في حادث سيارة قرب دمشق. ومع سقوط نظام الأسد، منذ كانون الأول (ديسمبر) 2024 ووصول هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها في عملية «ردع العدوان» إلى الحكم، حملت معها أصواتاً من المناطق الثائرة على نظام بشار الأسد إلى المركز كما فعل «البعث» سابقاً. لكن هذه الأصوات، على عكس كل من سبقها في هذا التاريخ، لا تحب الغناء أصلاً ولا تجيز الموسيقى، ولم يسبق لها أن عبّرت عن هذا الرأي غير الرائج على المسارح والشاشات.
 
حضر الخطاب السلفي في ساحات دمشق واحتفالاتها الرسمية، وحتى على مسرح دار الأوبرا نفسها، وصار الصوت الأعلى في سوريا اليوم. وجد النظام الجديد، بصفته الإسلامية الليبرالية، حلاً يخلّصه من الإحراج أمام الغرب، بالسماح بإقامة الحفلات لكن بصورتها التجارية الخاصة مقابل حضور رسمي ضعيف.
 
الغناء في بلاط الخلفاء: تاريخ من الرعاية والزهد
لم تكن دمشق مع بداية الحكم الأموي تملك مدرسة غناء محلية، فاستدعى الخليفة الأموي كبار مطربي الحجاز إلى بلاطه. بدأت الموسيقى والغناء العربي التقليديان يتخذان الشكل الذي نعرفه اليوم، لكن من دون أن يكون للخلافة الأموية موقف واحد متجانس منها.
 
 
وفي المرويات، نقل ابن عبد ربه الأندلسي في كتابه «العقد الفريد» عن معاوية بن أبي سفيان قوله بعد سماعه الغناء والعزف «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان». ومن بعده، استدعى الوليد بن عبد الملك المغنيين ابن سريج ومعبداً من الحجاز إلى دمشق، واستقبلهما استقبالاً يفوق ما يُستقبَل به الشعراء أنفسهم.
 
أما يزيد بن معاوية، الملقّب «راعي الموسيقى» بحسب شهادة الأصفهاني، فكان أول خليفة يُشهر الملاهي ويؤوي المغنين علناً في قصره، وبلغ هذا الانفتاح ذروته المثيرة للجدل في عهد الوليد بن يزيد، الذي اشتهر بضربه العود بنفسه حتى نُسبت إليه ألحان ما زالت معروفة.
 
في المقابل، مثّل عمر بن عبد العزيز الاستثناء الصارم داخل الأسرة الأموية نفسها، متجهاً إلى الزهد وإبعاد أهل الطرب عن مجلس الخلافة. هكذا تراوح العهد الأموي كله بين الرعاية والتحريم بحسب شخص الخليفة الجالس على العرش بما يشبه إلى حد كبير المشهد السوري اليوم، حيث يتباين موقف كل مسؤول بحسب قناعاته الشخصية أكثر من عكسه لموقف دولة موحد.
 
 
أما العصر العباسي، فحوّل هذه الرعاية الفردية المتقطعة إلى مشروع دولة مؤسس مع أمر الخليفة هارون الرشيد مغنيه إبراهيم الموصلي بجمع نخبة المغنين للاتفاق على أفضل مئة صوت من تراث الغناء العربي، لتدوين هذا الفن وتقعيده، وهي المئة التي بُني عليها كتاب «الأغاني» لاحقاً.
 
وبعدما انتقلت الخلافة إلى بغداد، جعل بنو حمدان من حلب مركزاً ثقافياً منافساً، وعجّ ديوان سيف الدولة بالشعراء والموسيقيين. ولم يكتفِ الحاكم باستقدام مغنٍ، بل رعى مدرسة موسيقية كاملة، لأن الإمارة المستقلة فعلياً عن بغداد أرادت لنفسها شرعية حضارية توازي شرعية العاصمة.
 
الإنشاد الصوفي كحل وسط
خلال العصر العثماني، نشأ تحالف ضمني بين التصوف والسلطنة، فصارت الزوايا والتكايا فضاء الغناء شبه الرسمي. وعرف السوريون الشيخ عمر البطش الذي لحّن الموشحات وخرّج أجيالاً من مطربي حلب، فصار الإنشاد الصوفي صوت العهد غير المباشر.
 
 
وازدهر قالب الموشح بشقيه الديني والدنيوي، وهو الفن الذي لا يزال يشكّل جوهر ما يُعرف اليوم بـ «القدود الحلبية» القصائد الدينية والغزلية التي تُغنّى على ألحان الموشحات القديمة، وتُعدّ من أخص ما يميز التراث الموسيقي الحلبي عن سائر المدارس الغنائية العربية.
 
 
المصدر: الأخبار