تونس تجمع نجوم الفن والإعلام والتكنولوجيا
علي قاسم
الإثنين 14 أيلول 2026
خلال أيام تستضيف تونس الدورة السادسة والعشرين للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون، لتتحول إلى منصة تجمع بين الفن والإعلام والتكنولوجيا والسوق، وتفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل الصناعة السمعية والبصرية العربية في زمن التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي وتغير سلوك الجمهور.
تستعد تونس لاحتضان الدورة السادسة والعشرين للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون في الفترة الممتدة بين 21 و24 سبتمبر 2026، في حدث يتجاوز فكرة المهرجانات التقليدية، ليقدم صورة أكثر اتساعاً عن التحولات التي يعيشها الإعلام العربي. فهذه التظاهرة التي ينظمها اتحاد إذاعات الدول العربية تحت شعار “نبض الصورة وصدى المستقبل” تجمع في فضائها بين النجومية الفنية والإنتاج الإعلامي والتكنولوجيا والصناعة البرمجية، لتصبح تونس خلال أربعة أيام نقطة التقاء للمهنيين والمبدعين والمؤسسات والشركات العاملة في قطاع السمعي والبصري.
وتكتسب الدورة الجديدة أهمية خاصة من طبيعة توزيع فعالياتها بين تونس والحمامات. فالمسرح الأثري بقرطاج سيكون مسرحاً لحفل الافتتاح، فيما تحتضن الحمامات الجانب الأكبر من البرنامج المهني، بما في ذلك معرض التكنولوجيا والتجهيزات وسوق الإنتاج البرامجي والندوات الحوارية. أما الاختتام فيعود إلى مدينة الثقافة بتونس، حيث يحتضن مسرح الأوبرا سهرة فنية تتضمن العرض الأول والحصري للعمل الموسيقي “سافر إليك وغنّ” للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي، إلى جانب تتويج الأعمال الفائزة في المسابقات الإذاعية والتلفزيونية والإعلام الجديد.
وهكذا تبدو خارطة المهرجان رسالة ثقافية وإعلامية في حد ذاتها: قرطاج تستدعي الذاكرة، والحمامات تستضيف الصناعة الإعلامية الحديثة، فيما تفتح مدينة الثقافة نافذة على المستقبل. وبين هذه المواقع تتحرك تظاهرة لم يعد ممكناً اختزالها في كونها مناسبة لتكريم البرامج أو الفنانين، بل تحولت إلى مساحة لقياس نبض قطاع يتغير بسرعة تحت تأثير المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي وتبدل سلوك الجمهور.
وسيكون حفل الافتتاح في المسرح الأثري بقرطاج أحد أكثر محطات الدورة حضوراً جماهيرياً، بمشاركة النجم السوري ناصيف زيتون والفنانة العراقية رحمة رياض، إلى جانب تكريم عدد من نجوم الشاشة والأثير والسينما العربية والإعلاميين. وتمنح هذه المشاركة الفنية للمهرجان بعداً جماهيرياً واسعاً، إذ تنقل الحدث من الدوائر المهنية المتخصصة إلى الجمهور العربي الأوسع، وتضع الفن في قلب تظاهرة تنتمي أساساً إلى عالم الإعلام والاتصال.
صناعة المحتوى العربي لم تعد قطاعات منفصلة وإنما منظومة واحدة تتداخل فيها النجومية مع التكنولوجيا والإنتاج مع التوزيع والفن مع المنصات
ولا تبدو دلالة اختيار فنانين من سوريا والعراق مجرد تفصيل فني في برنامج الافتتاح، فالمهرجان بطبيعته يقوم على فكرة التواصل العربي عبر الإعلام والثقافة والصورة والصوت. وفي زمن تتعدد فيه المنصات وتتراجع الحدود التقليدية بين التلفزيون والإذاعة والموسيقى والمحتوى الرقمي، يصبح حضور الفنان إلى جانب الإعلامي والمنتج والتقني تعبيراً عن حقيقة جديدة: صناعة المحتوى العربي لم تعد قطاعات منفصلة، وإنما منظومة واحدة تتداخل فيها النجومية مع التكنولوجيا، والإنتاج مع التوزيع، والفن مع المنصات.
لكن القيمة الحقيقية للدورة السادسة والعشرين تظهر بصورة أكبر في الجانب المهني، ولا سيما في معرض التكنولوجيا والتجهيزات الذي تحتضنه الحمامات. فالمعرض يمثل نافذة مباشرة على الأدوات التي تعيد تشكيل صناعة الإعلام، ويتيح للمهنيين والزوار التعرف إلى أحدث الابتكارات والتطورات التقنية في مجال الإعلام والاتصال. وهو بذلك لا يعرض التكنولوجيا بوصفها أجهزة ومعدات فحسب، بل يضعها في سياق التحول الكبير الذي يعيشه قطاع السمعي والبصري، حيث تتغير طريقة إنتاج الصورة وتخزينها وبثها وتوزيعها والوصول إلى الجمهور.
وهنا يصبح شعار الدورة “نبض الصورة وصدى المستقبل” أكثر من مجرد عنوان احتفالي. فالصورة اليوم لم تعد منتجاً نهائياً تنتقل من أستوديو إلى شاشة، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة رقمية واسعة تتداخل فيها أدوات الإنتاج التقليدية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي والمنصات الاجتماعية وخوارزميات التوزيع وتحليل سلوك الجمهور. ولذلك فإن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مساعدة للإعلام، بل أصبحت أحد العناصر التي تحدد شكل الإعلام نفسه.
ويكتسب هذا التحول أهمية أكبر في ظل تخصيص المهرجان مساحة للإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي. حيث تشهد مسابقات الدورة مشاركة عشرة أعمال في مسابقة الإعلام الجديد، التي خصصت لموضوع رحلة في ربوع العالم العربي موجهة إلى الناشئة، على أن يكون الإنتاج مدعوماً بتقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، وصلت المشاركات إلى 161 عملاً في المسابقات الإذاعية و149 عملاً في المسابقات التلفزيونية، بما يعكس اتساع قاعدة الإنتاج وتنوع المؤسسات والجهات المشاركة.
وهذا الرقم مهم ليس فقط من زاوية حجم المشاركة، وإنما لأنه يكشف عن انتقال المهرجان نفسه من تقييم المنتج الإعلامي التقليدي إلى محاولة استشراف ما سيصبح عليه هذا المنتج في المستقبل. فوجود مسابقة مرتبطة بالإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي إلى جانب المسابقات الإذاعية والتلفزيونية يعني أن المهرجان يتعامل مع التحول الرقمي باعتباره جزءاً من الحاضر، وليس تكنولوجيا مؤجلة إلى المستقبل.
المعرض يمثل نافذة مباشرة على الأدوات التي تعيد تشكيل صناعة الإعلام ويتيح للزوار التعرف إلى أحدث الابتكارات والتطورات التقنية في مجال الإعلام والاتصال
وفي قلب هذا المشهد يأتي سوق الإنتاج البرامجي، الذي يمنح المهرجان بعداً اقتصادياً وصناعياً لا يقل أهمية عن بعده الثقافي. فالسوق يوفر فضاءً للقاء المنتجين والمهنيين وتبادل الأعمال والبرامج، ويجمع بين المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج وأصحاب المشاريع والمحتوى.
وهنا تحديداً يتجاوز الإعلام وظيفته التقليدية بوصفه صناعة للمحتوى إلى كونه سوقاً قائماً بذاته. فالبرنامج الجيد لا تنتهي قيمته عند إنتاجه أو بثه، وإنما تبدأ مرحلة أخرى تتعلق بتسويقه وتوزيعه وبيع حقوقه وإعادة إنتاجه وترجمته وتكييفه مع منصات وأسواق مختلفة. ومن هذه الزاوية، يصبح سوق الإنتاج البرامجي أحد الأدوات التي يمكن أن تساعد المنتج العربي على الانتقال من السوق المحلية إلى فضاء عربي أوسع، وربما إلى الأسواق الدولية التي أصبحت أكثر انفتاحاً على المحتوى القادم من مناطق وثقافات مختلفة.
ولا تقتصر أهمية السوق على الصفقات المحتملة، وإنما تكمن أيضاً في خلق علاقات مهنية جديدة. فالمنتج يحتاج إلى موزع، والقناة تبحث عن محتوى، والمنصة الرقمية تبحث عن أفكار قابلة للتوسع، وشركات التكنولوجيا تحتاج إلى مؤسسات إعلامية تختبر معها الحلول الجديدة. وكل هذه المصالح تلتقي في مساحة واحدة، وهو ما يجعل المهرجان أقرب إلى ملتقى لصناعة الإعلام العربي منه إلى مهرجان بالمعنى التقليدي للكلمة.
وإلى جانب التكنولوجيا والسوق، يتضمن البرنامج المهني ثلاث ندوات تعكس طبيعة التحولات التي تشغل الإعلام العربي اليوم. وتتناول الندوة الأولى “البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير”، بينما تبحث الثانية في العلاقة الجديدة بين “الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقي إلى الشراكة”، في حين تفتح الثالثة ملف “الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة”، بمشاركة خبراء عرب ودوليين.
وتكشف هذه العناوين وحدها عن التحول الذي طرأ على مفهوم الإعلام. فالبودكاست يمثل صعود الصوت خارج الإطار الإذاعي التقليدي، وتحوّل الجمهور من متلقٍ إلى شريك يعني أن المؤسسات لم تعد قادرة على إنتاج المحتوى من أعلى إلى أسفل بالطريقة القديمة، بينما يكشف الإعلام السياحي عن تحول الإعلام من مجرد وسيلة لنقل المعلومات إلى أداة لصناعة الصورة الذهنية للمدن والدول والوجهات.
وهذا البعد الأخير يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، التي تستضيف المهرجان في فضاءين يحملان رمزية ثقافية وسياحية كبيرة. فقرطاج ليست مجرد موقع أثري يستضيف حفلاً فنياً، والحمامات ليست مجرد مدينة سياحية تحتضن أنشطة مهنية؛ إنهما جزء من الصورة التي يمكن للإعلام أن يصنعها عن تونس بوصفها بلداً يجمع بين التاريخ والانفتاح المتوسطي والصناعة الثقافية.
ومن هنا فإن استضافة المهرجان لا تمثل مجرد التزام تنظيمي تجاه اتحاد إذاعات الدول العربية، بل توفر لتونس فرصة لإعادة تقديم نفسها باعتبارها منصة عربية للحوار الإعلامي والثقافي والتكنولوجي. فوجود المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والخبراء والفنانين في تونس يخلق مساحة للتواصل المهني، ويمنح البلاد حضوراً في النقاشات التي تتشكل حول مستقبل الصناعة السمعية والبصرية العربية.
ويأتي ذلك في سياق يتسع فيه دور اتحاد إذاعات الدول العربية ليشمل تطوير الإنتاج ورفع جودته وتشجيع الاتجاهات الإبداعية الجديدة، مع مشاركة هيئات إعلامية وشركات إنتاج ووكالات أنباء ومؤسسات عربية ودولية ناطقة بالعربية. وهو ما يمنح المهرجان بعداً مؤسسياً يتجاوز الاحتفال إلى بناء شبكات التعاون وتبادل الخبرات.
ولعل أكثر ما يميز هذه الدورة أنها تأتي في لحظة يواجه فيها الإعلام العربي سؤالاً وجودياً جديداً: كيف يمكن للمؤسسات التقليدية أن تحافظ على تأثيرها في عالم لم تعد فيه الشاشة التلفزيونية هي الشاشة الوحيدة، ولم تعد الإذاعة المصدر الوحيد للصوت، ولم يعد الصحفي أو المنتج يتحكم وحده في علاقة الجمهور بالمحتوى؟
التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مساعدة للإعلام بل أصبحت أحد العناصر التي تحدد شكل الإعلام نفسه
الجواب لا يبدو في العودة إلى الماضي، وإنما في فهم المستقبل. ولذلك فإن حضور التكنولوجيا في المهرجان، وتخصيص مساحة للذكاء الاصطناعي والإعلام الجديد، وإقامة سوق للإنتاج، وتنظيم ندوات حول البودكاست والجمهور والإعلام السياحي، كلها مؤشرات على أن القطاع العربي بدأ يتعامل مع التحول الرقمي باعتباره إعادة بناء شاملة لمنظومة الإعلام، وليس مجرد تحديث للأدوات.
وفي هذا السياق، تبدو الدورة السادسة والعشرون محاولة لجمع عناصر كانت تبدو في السابق متباعدة: الفن الذي يجذب الجمهور، والإعلام الذي يصنع المعنى، والتكنولوجيا التي تغير الأدوات، والسوق الذي يمنح المحتوى قيمته الاقتصادية. وهذه العناصر الأربعة عندما تجتمع في مكان واحد تجعل المهرجان أشبه بخريطة مصغرة لصناعة الإعلام العربي نفسها.
ولذلك فإن أهمية المهرجان لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد الفنانين الذين سيظهرون في حفلاته، أو بعدد الجوائز التي ستوزع في ختامه، وإنما بما يمكن أن يخرج منه من شراكات وأفكار ومشروعات وشبكات مهنية جديدة. فالمهرجانات التي تكتفي بالاحتفال تنتهي بانتهاء آخر سهرة، أما المهرجانات التي تنجح في بناء سوق وحوار وشبكات تعاون فإن أثرها يستمر بعد إغلاق أبوابها.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يبدو اختيار تونس لاستضافة هذا الموعد العربي مهماً. الدولة المتوسطية الصغيرة جغرافياً تستطيع أن تتحول، عبر الثقافة والإعلام والسياحة والتكنولوجيا، إلى مساحة اتصال بين المشرق والمغرب وبين العالم العربي والفضاء المتوسطي. والمهرجان يمنحها فرصة لإظهار هذه الإمكانات في صورة عملية، لا في خطاب دعائي.
وبين افتتاح يستحضر قرطاج، وفعاليات مهنية في الحمامات، واختتام يحتفي بالموسيقى والإنتاج العربي في مدينة الثقافة، تبدو الدورة السادسة والعشرون وكأنها تسعى إلى بناء جسر بين زمنين: زمن الذاكرة التي تمثلها قرطاج، وزمن المستقبل الذي تمثله التكنولوجيا والإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي. وبينهما تقف الحمامات باعتبارها فضاءً للحوار والتبادل والصناعة الإعلامية.
كيف يمكن للمؤسسات التقليدية أن تحافظ على تأثيرها في عالم لم تعد فيه الشاشة التلفزيونية هي الشاشة الوحيدة، ولم تعد الإذاعة المصدر الوحيد للصوت
وهكذا لا يأتي “نبض الصورة وصدى المستقبل” شعاراً منفصلاً عن مضمون الدورة، بل يلخص فلسفتها. فالصورة العربية لا تزال تحمل ذاكرة وثقافة وهوية، لكنها تتحرك اليوم داخل عالم جديد تتغير فيه أدوات الإنتاج والتوزيع وسلوك الجمهور بسرعة غير مسبوقة. والمستقبل لن يكون لمن يملك الكاميرا فقط، وإنما لمن يعرف كيف يحول الصورة إلى قصة، والقصة إلى محتوى، والمحتوى إلى صناعة، والصناعة إلى حضور عربي قادر على المنافسة خارج الحدود.
لهذا، فإن المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون في تونس ليس مجرد موعد دوري يلتقي فيه نجوم الفن والإعلام، بل منصة تختبر فيها الصناعة العربية قدرتها على الانتقال من عصر البث إلى عصر المنصات، ومن الجمهور المتلقي إلى الجمهور الشريك، ومن الإعلام بوصفه وسيلة إلى الإعلام بوصفه صناعة متكاملة.
وعندما تفتح قرطاج أبوابها في 21 سبتمبر، سيكون المشهد أكثر من حفل افتتاح. سيكون إعلاناً عن دورة تريد أن تقول إن الإعلام العربي قادر على الاحتفاظ بذاكرته وهو يعيد اختراع مستقبله. وعندما تنتقل الفعاليات إلى الحمامات، سيصبح السؤال أقل تعلقاً بما أنتجته الشاشة العربية في الماضي وأكثر ارتباطاً بما ستنتجه التكنولوجيا والسوق والمواهب في السنوات المقبلة.
تونس، في هذه الدورة، لا تستضيف مهرجاناً فحسب؛ إنها تستضيف حواراً عربياً حول مستقبل الصورة والصوت والمحتوى. وبين حجارة قرطاج التي قاومت الزمن، وشاشات المستقبل التي تتغير كل يوم، تبدو الرسالة واضحة: الإعلام الذي يريد أن يبقى حياً لا يكفيه أن يحفظ ماضيه، بل عليه أن يمتلك شجاعة صناعة مستقبله.
المصدر: العرب اللندنية