أحداث ثقافية أخرى
"مهرجان الأوبرا": بداية تحتاج إلى استمرارية
روزيت فاضل
الخميس 10 أيلول 2026

حاول مؤسس "مهرجان ومسابقة بيروت الدولية للأوبرا - BIOFC"، المايسترو فرناندو عفارة، أول من أمس الثلثاء، من خلال إطلاق الدورة الأولى للمهرجان على "المدرج الروماني الأثري" في ذوق مكايل، نقل الحراك الأوبرالي المتوافر في مواسم ثقافية محليّة شهيرة إلى مبادرة مشكورة، هي في بدايتها وتحتاج إلى متابعة دقيقة لضمان استمراريتها وتحقيق أهداف عدة، منها كسر الصورة النمطية التقليدية للأوبرا، وتعريف الشباب بالأوبرا من خلال تنظيم نشاط الـ "ماستر كلاس" في الغناء الأوبرالي مع الميزو سوبرانو العالمية مارينا فيوتي (Marina Viotti) الذي أقيم أمس في "الجامعة الأميركية في بيروت"، لتطوير مهاراتهم وإعداد المؤهَّلين منهم للمشاركة في مسابقة أوبرالية دولية، وصولا إلى ربط الأصوات اللبنانية بالمنصات العالمية من خلال مهرجان سنوي يتحدى الظروف الدراماتيكية السياسية والاقتصادية في لبنان.
 
سُجّل في المهرجان، الذي أقيم برعاية وزارتَي السياحة والثقافة وسفارة سويسرا وبلدية ذوق مكايل وجمعية "بيتي"، حضور لافت جدًّا لفيوتي والتينور الفرنسي آمبرواز ديفاريه (Ambroise Divaret)، ولا سيّما خلال أدائه دور "العريف دون خوسيه"، المتيّم بحب "كارمن"، في أوبرا "كارمن"، رائعة بيزيه، فيما أدّت مارينا فيوتي دور "كارمن".
 
صوت متموّج مخملي
 
تمكنت فيوتي، عبر إطلالتها بفستان بوهيمي أحمر اللون - رمز الحب والدم، أي الموت - مطرّز بخياطة من "الكشكش"، من أن تحاكي قصة "كارمن" بصوت متموّج ومخمليّ، ينتقل بين طبقات حادة وأخرى عميقة، ناقلة الجمهور إلى عالم امرأة وُلدت لخشبة المسرح، جريئة، رقيقة، ضاحكة، شفافة، صريحة ومباشرة في علاقتها مع الجمهور.
 
ما أجملها وهي ترفض، بصوتها المفعم بالحرية، الانصياع والعودة إلى "دون خوسيه"، مختارة الموت على الخضوع لِما يحاول الآخر فرضه عليها!
 
أما ديفاريه، فبرز صوته صافيًا مشرقًا، يتنقل بحريّة كبيرة في الطبقات الصوتية العالية. وقد تأرجح أداؤه بين المرونة والتدرّج التعبيري، بما أتاح له الانتقال من العاشق الولهان إلى قاتل حبيبته. وقد شكّل صوته أداة درامية متكاملة خدمت تعبيرًا مسرحيًا شاملا امتزج فيه الجسد بالغناء. وفي أداء ديفاريه على المسرح، بصحبة كورس "Les Solistes de Beyrouth"، تعيّن عليه إظهار الرقة والحساسية، ثم القوة والدراما، إذ تنحدر الشخصية نحو الغيرة المرضية والجنون. وقد أثبت قدرته على امتلاك صوت قادر على اختراق صوت الأوركسترا القوي خلال المواجهات الختامية مع "كارمن"، ما جعلنا أمام صوت قادر على أداء المقاطع المتطلبة في الطبقات العليا من مداه الصوتي.
 
وفي الحفل نفسه، برزت مشاركة كل من فيوتي وديفاريه في مقاطع من رائعة "La Périchole" ("المغنية اللعوب") لجاك أوفنباخ، التي تدور فصولها بين "بريشول"، أي فيوتي، وحبيبها "بيكو"، أي ديفاريه، وهما مغنيان في الشوارع فقيران للغاية، لا يملكان المال الكافي لدفع رسوم الزواج، وسط عرض زواج آخر من ملك مستبد لإنقاذ "بريشول" من الفقر، ما زاد الحب تعقيدًا ودفع إلى مواقف مضحكة، منها مثلا رسالة "بريشول"، والعديد من المواقف الكوميدية والرومانسية التي تكشف القدرة الموسيقية لأوفنباخ، وسخرية القدر في جمع الحبيبَين في زواج غير متوقع.
 
يُذكر أن فيوتي قدّمت، بين المشهديّتين، من أوبرا "شمشون ودليلة"، أغنية "قلبي يتفتح على صوتك"، وهي جزء لا يتجزأ من ريبرتوار فيوتي عمومًا.
 
الأوركسترا والكورس
 
كذلك، لا بد من التوقف عند أداء الأوركسترا المرافقة للعمل بقيادة عفارة نفسه، التي أثبتت مرّة جديدة، من خلال أداء عازفيها اللبنانيين وغير اللبنانيين، أن الأداء الاحترافي للكمانات، بما تحرّكه من أمواج من النغم وما تمنحه من دفع للآلات الهوائية كالترومبيت والفلوت والترومبون، يشكّل فرصة لتكامل العمل نفسه. ولا بد أيضًا من التنويه بأصوات كورس "Les Solistes de Beyrouth"، التي أسسها عفارة وضمّت طاقات شابة رافقت العمل نفسه. وقد قدّم بعض شبابها وشاباتها محطات أوبرالية خاصة بأصوات محترفة تزيد من رصيد الشباب اللبناني، ما يعكس احتراف عفارة وإلمامه بعالم الأوبرا ومتفرعاته.
 
يبقى أنه كان من المستحب أن تُضاف إلى تجهيزات المهرجان، الذي اتسم بديكور بسيط جدًّا خرقته إضاءة مميزة مواكبة للإيقاع الغنائي، شاشة أو أكثر لعرض كلمات الغناء الأوبرالي بلغتها الأصلية وترجمتها إلى العربية، تسهيلا لمتابعة الجمهور.
 
 
المصدر: نداء الوطن