انفجار مرفأ بيروت يخيّم على «الجونة»
شفيق طبارة
الخميس 22 تشرين الأول 2026
لا انفجار، لكنّنا نشعر به. لا ضحايا مضرّجة بالدماء، لكنّ الجميع كالذبيحة. الحياة طبيعية، وكلّ شيء متضعضع. سلام مهيمن، والكرب واضح. مدينة لا مبالية في وجه الموت. بيروت على ما يرام، لكنها ليست بخير. في «حلم صيف آخر»، صباح وليل وصيف وشتاء خانقة ترزح على الصدور. وجوه وأصوات خائفة. سكوت.
ابتعدت إيرين بارتولومي عن الانفجار، عن الأهوال والحطام والدماء، وهربت إلى الداخل، إلى باطنها، وإلى باطن كلّ من عاش الرابع من آب.
في باكورة أفلامها الطويلة المشاركة في المسابقة الوثائقية لـ «مهرجان الجونة السينمائي» الحالي في دورته التاسعة، تحضر بيروت وأهلها في كلّ صورة ومشهد. هي الحياة اليومية للمدينة، وللمخرجة الإسبانية التي اتّخذتها بيتاً منذ ستّ سنوات. بيروت هنا مثقلة بالكثير من الميلانكوليا، وتُصوّر كما تُصور حالة نفسية.
في قلب هذه الرحلة، امرأة غائبة اسمها أليسيا. إسبانية كانت تعيش في بيروت يوم الانفجار، ثم عادت إليها بعد انقطاع، إلى شقة أعيد ترميمها. تبقى خارج الكادر طوال الفيلم، ونعرفها من الرسائل الصوتية التي تتركها لها أصوات كثيرة: أمّها، حبيبها، صاحبة شقتها، ومهندس إنشاءات يطلعها على ما فعله الانفجار بصوامع الحبوب.
ومن هذه الأصوات تنسج بارتولومي سؤالها الأعمق، كيف نتعافى بالتوازي مع الأماكن المحطّمة التي نسكنها؟ تعيد بارتولومي خلق نفسها في أليسيا. تبحث فيها عن ذاتها، وتنبش عميقاً في ذاكرتها، وتخلق شخصيات مفتوحة على احتمالات كثيرة. وكلّ هذا يبقى منضبطاً تحت فكرة الفيلم الكبرى. ينتمي الفيلم إلى تقليد عريق في السينما التجريبية، يتأمّل العلاقة بين مكان ومن يسكنه، ويرصد الحوار بينهما أو صمتهما، وكيف يعيد كل منهما تشكيل الآخر. وفي الخلفية يقف كريس ماركر. في «بلا شمس» (1983)، تقرأ امرأةٌ رسائل مصوّر غائب يجوب العالم، رجل من القرن العشرين يطارد في الماضي ضوء زمن ضائع، في معركة مع الوقت.
تقلب بارتولومي المعادلة، الأصوات هنا تتّجه إلى امرأة غائبة، والذاكرة آلية تستعيد ما مضى كي تعيد اختراع الحياة. وإلى جانب ماركر تقف شانتال أكرمان. في «أخبار من البيت» (1976)، تقرأ أكرمان رسائل أمّها الآتية من بروكسل فوق لقطات طويلة لشوارع نيويورك وأنفاق المترو، ويبتلع ضجيج المدينة الكلمات أحياناً. تنقل بارتولومي الجهاز نفسه إلى بيروت، مع فارق حاسم، الابنة هنا صامتة تماماً، وصوت الأم يصل مباشرة عبر الرسائل الصوتية، فيما تملأ المدينة وحدها الكادر.
تستعمل بارتولومي الكاميرا لرصد الهزّات والتحوّلات، وتحاول النفاذ إلى ما وراء الواقع الظاهر. لقطات المدينة تأمّلية، ثابتة، مشبعة بالحنين، أقرب إلى نحو شعريّ تكتب به بارتولومي علاقتها ببيروت واغترابها فيها. ضباب يلف الشوارع الفارغة صباحاً، ضوءٌ يتسلّل إلى مطبخ وسرير غير مرتّب، دكاكين في أزقّة معتمة... وفي تكوينات بعينها، تبلغ صورة بول سيف لغة تعبيرية عالية، فيما يمنح صوت فيليب سيومبي وموسيقى كندة حسن المدينة رئة ثانية.
«حلم صيف آخر» لوحة عضوية تجريدية لمدينة تعكس رؤية قوية للمكان واللون والصوت. وتبقى صوامع الحبوب، التي تعيد أليسيا بناءها على شاشة حاسوبها، الصورة الأقوى في الفيلم، شاهداً مجروحاً على جريمة لم يُحاسب عليها أحد بعد، في مدينة تتقن ترميم واجهاتها وتؤجّل العدالة. «حلم صيف آخر» يتمنّاه الجميع، والجميع يعرف أنّه قد لا يأتي.
المصدر: الأخبار