طرابلس عاصمة الـ «مرسح» والثقافة
أدهم الدمشقي
الجمعة 16 تشرين الأول 2026
من مدينة الميناء في طرابلس، يسعى مركز «مرسح» إلى إعادة رسم الخريطة الثقافية اللبنانية خارج مركزية العاصمة. منذ تأسيسه عام 2023، تحوّل إلى مساحة مستقلة للإنتاج الفني والإقامات الإبداعية والتجارب المتعددة التخصصات، مستنداً إلى ذاكرة المدينة ونسيجها الاجتماعي، وساعياً إلى بناء روابط بين الفنانين والمناطق وتعزيز حضور الثقافة في الأطراف
تُختزل الجغرافيا أحيانًا بحدود القهر والتجزئة، وتتمركز الأنشطة الثقافية حصراً في العواصم الكبرى، غير أن مركز «مرسح» في مدينة الميناء في طرابلس يقدم طروحات جريئة تعيد الاعتبار للأطراف بوصفها فضاءات حية للإنتاج الفني والابتكار. يتجلّى هذا التوجه بوضوح من خلال الدورة الثانية لفعاليات «أسبوع مرسح الفني 2026» التي تستمرّ حتى 19 تشرين الأول (أكتوبر) تحت شعار «جغرافيا الوصال»، متجاوزة المفهوم التقليدي للهامش لتجعل من طرابلس منصة مركزية للتفكير الفني والنقدي المعاصر.
إعادة وصل الجغرافيات المتشظية
ينطلق «أسبوع مرسح الفني» من إدراك عميق بأن الأطراف تمثل مساحات فسيحة لاكتشاف الطاقات واستنهاض الذاكرة الجماعية. وتحت عنوان «جغرافيا الوصال»، يتعامل المهرجان مع الوصال كجهد حثيث لإعادة تجميع الجغرافيات المكسورة عبر الفن.
ويتجسد ذلك جلياً في المعرض الرئيسي الذي احتضنه مركز «مرسح»، جامعاً أعمالاً بصرية وتركيبية منتقاة من معرض «احكيلي يا جنوب» (الذي أقيم في «بيت بيروت») إلى جانب أعمال أُنجزت ضمن برامج الإقامة في «مرسح». وقدمت أعمال فنانين أمثال فرح برو، ورباب شمس الدين، وأديب فرحات، وسما بيضون، وفاطمة جمعة، ومنى أيوب، قراءات بصرية عميقة لمفاهيم الأرض، والنزوح، والذاكرة الشفهية، والمحو، مستعيضة بالألوان والمواد المحلية لاستعادة ملامح الهوية والشهادة الحية.
الفن فضاء للقاء والاندماج
يرتبط العمل الفني في «مرسح» بنسيجه المجتمعي والبيئي. فهو يتسع جغرافيا ليكتشف ذاكرة المدينة وتاريخها عبر مشاريع خاصة بالموقع، مثل معرض «في البدء كان الماء» الذي استضافه «حمام عز الدين» الأثري. عبر أعمال ربيكا طوق وأحمد نابلسي، تتبع المعرض حكاية الماء ونهر أبو علي بوصفه حاملاً للذاكرة والتحولات الحضرية، مستحضراً أصوات الحياة والزمن القديم داخل العمارة التاريخية.
تكاملت هذه الرؤية المجتمعية مع برنامج حافل ضمّ عروضاً أدائية ومسرحية ورقصاً معاصراً، مثل عرض «جوغينغ» لحنان الحاج علي، وعروض مسرح الظل والمسرح الموسيقي، إضافة إلى حفلات فنية تسلط الضوء على أصوات مقاومة ومتجددة كساندي شمعون وحازم شاهين.
تفكيك المركزية وبناء منظومة متوازنة
من منظور اجتماعي ونقدي، يتجاوز «مرسح» التراتبيات المركزية التي همّشت الحياة الثقافية خارج العاصمة. يتيح المركز مساحة لقاء حقيقية تجمع الفنانين والمبدعين والعاملين في المجال الثقافي من طرابلس وبيروت والجنوب والشمال وعموم المناطق، موفراً فضاءً مشتركًا للتأسيس لبنية ثقافية أكثر إنصافًا وتضامنًا.
وتشمل الأنشطة العروض البصرية والأدائية إلى جانب ورش عمل وحوارات نوعية حول تقنيات الواقع الممتد مع لارا قبيسي، فضلاً عن نقاشات عملية مفتوحة لإعادة صياغة المنظومة الثقافية اللبنانية، ما يجعل من المهرجان محطة للتأمل الجماعي وصناعة الأسئلة.
استدامة الفعل المستقل
تأسس «مرسح» في كانون الأول (ديسمبر) 2023 امتداداً لطبيعة «ورشة 13» ومقهاها الثقافي الذي انطلق عام 2016 في الميناء، ليتطور إلى مركز فني متعدد التخصصات يدعم الإقامات الفنية والإنتاج المعاصر. وفي ظل التحديات القاسية التي يمر بها القطاع الثقافي وغياب الدعم المؤسسي الرسمي الواسع، يعتمد استمرار هذه المبادرات على التشبيك والشراكات مع مؤسسات داعمة مثل المركز الثقافي البريطاني في لبنان، وسفارة النرويج، ومؤسسة «هاينريش بل». ويؤكد هذا التكاتف أن الفعل الثقافي المستقل في طرابلس يمثل خياراً مقاوماً للحفاظ على حيوية الفن وذاكرة المكان.
قدّم «أسبوع مرسح الفني» في دورته الثانية طرابلس موقعاً متقدّماً لتوليد السرديات والإمكانيات الفنية الجديدة. وعلى مدى عشرة أيام من عروض المسرح، والرقص، والموسيقى، والنقاشات، فتح «مرسح» أبوابه للجمهور ليكون شريكاً في شهادته على الحاضر، ومساحة آمنة يتخيل فيها الفنانون ممرًا نحو الغد، معيدين كتابة العلاقة بين الإنسان ومكانه بيد واعية ورؤية تعانق الحياة.
«أسبوع مرسح الفني»: حتى 18 تشرين الأول (أكتوبر) ـ طرابلس
المصدر: الأخبار