شادية كما لم تروها من قبل: شيء من الخوف يا «مهرجان القاهرة»!
عبد الله رامي
الثلاثاء 13 تشرين الأول 2026
لم تكن الصورة التي اختارها «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي» لتتصدر بوستر دورته الـ47 مجرد تفصيلة فنية عابرة في مؤتمر صحافي للإعلان عن برنامج المهرجان، بل تحولت إلى سؤال أكبر عن علاقة أعرق مهرجانات السينما في المنطقة بذاكرة الفن الذي يحتفي به، وحدود استخدام التكنولوجيا حين يتعلق الأمر بتراث لا يحتمل التشويه أو الاستسهال.
في الوقت الذي يستعد فيه المهرجان للاحتفال بمرور 50 عاماً على انطلاق دورته الأولى عام 1976، جاء البوستر الرسمي ليضع إدارته في مواجهة انتقادات باكرة، بعدما ظهرت النجمة الراحلة شادية في شخصية «فؤادة» من فيلم «شيء من الخوف»، بصورة مصنوعة بالذكاء الاصطناعي!
وخلال المؤتمر الصحافي الذي عقد في أحد فنادق القاهرة الكبرى، بحضور رئيس المهرجان الممثل حسين فهمي، كان يُفترض أن تكون الصورة مدخلاً للاحتفاء بتاريخ السينما المصرية، لكنها تحولت إلى أزمة تتجاوز شكل الملصق، لتصل إلى فلسفة التعامل مع التراث وحدود توظيف أدوات التكنولوجيا الحديثة في استحضاره.
شادية بين التراث والذكاء الاصطناعي
اختيار شادية، التي ارتبط اسمها بشخصية فؤادة في فيلم المخرج حسين كمال الشهير، كان يحمل فرصة لاستعادة واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ السينما المصرية. كما ضم الملصق في خلفيته صوراً لعدد من النجوم، من بينهم زكي رستم ورشدي أباظة وماجدة وصلاح ذو الفقار، في محاولة لتقديم بانوراما بصرية لذاكرة الفن المصري. لكن النتيجة لم تحقق الغرض المعلن منها. بدلاً من أن تستعيد الصورة روح تلك المرحلة وتحتفي بأبطالها، فتحت الباب أمام انتقادات تتعلق بتشويه الملامح الأصلية لشادية، وبمدى ملاءمة استخدام الذكاء الاصطناعي في إعادة تقديم أيقونات السينما، من دون أن يكون الناتج على مستوى القيمة الفنية والتاريخية التي تمثلها هذه الأسماء.
المفارقة أن المهرجان يضع الحفاظ على التراث السينمائي وترميمه وإلهام الأجيال الجديدة ضمن أهدافه من هذا البوستر، وهو ما يجعل الجدل حول الملصق أكثر أهمية من مجرد اختلاف في الأذواق. فحين تكون المناسبة احتفالاً بـ 50 عاماً من تاريخ مهرجان دولي بحجم مهرجان القاهرة، يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن الاحتفاء بالذاكرة السينمائية بأدوات تنتهي إلى صورة يختلف الجمهور حول مدى وفائها وشبهها بالأصل؟
«هذا هو المستقبل»... ولكن!
عندما واجهت الصحافية والناقدة الفنية هبة محمد علي، حسين فهمي بالانتقادات الموجهة إلى صورة شادية، جاء رده مقتضباً، لكنه فتح باباً أوسع للجدل، إذ قال: «إذا كان البوستر AI فهذا هو المستقبل».
هنا تحديداً تبدو مفارقة أخرى أكثر لفتاً للانتباه؛ فحسين فهمي نفسه أعلن قبلاً عن رفض مشاركة أو عرض أفلام مصنوعة بالذكاء الاصطناعي ضمن فعاليات المهرجان. وبين الموقفين، تبرز أسئلة تستحق إجابات واضحة: هل يختلف استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم ملصق عن استخدامه في صناعة فيلم؟ وأين تبدأ الحدود التي يراها المهرجان مقبولة في توظيف هذه التكنولوجيا، وأين تنتهي؟
وبعيداً من أزمة الملصق التي تصدرت النقاشات، حمل المؤتمر إعلانات مهمة على مستوى التكريمات واللجان والبرامج المهنية. فقد أعلن المهرجان منح مدير التصوير سعيد شيمي جائزة الهرم الذهبي لإنجاز العمر، تقديراً لمسيرته الممتدة لأكثر من خمسة عقود وإسهاماته في تشكيل الصورة السينمائية المصرية، إلى جانب تكريم الموزع السينمائي أنطوان زند تقديراً لدوره الممتد لأكثر من ستة عقود في تطوير منظومة التوزيع والعرض السينمائي. كما أعلن عن تكريم السيناريست والشاعر مدحت العدل بجائزة «الهرم الذهبي» لإنجاز العمر، ومنح آسر ياسين «جائزة فاتن حمامة للتميز»، احتفاء بمسيرته وأدواره المتنوعة في السينما المصرية.
وكشف المهرجان عن تشكيل لجنة تحكيم المسابقة الدولية برئاسة المخرج والكاتب والمنتج نبيل عيوش، بمشاركة أسماء من مدارس سينمائية مختلفة. كما أعلن عن تشكيل لجان لعدد من مسابقاته، بينها الأفلام القصيرة وآفاق السينما العربية وأسبوع النقاد الدولية، إلى جانب لجنة الاتحاد الدولي لنقاد السينما «فيبريسي» ولجنة الفيلم الوثائقي.
خمسون عاماً والاختبار لم يبدأ بعد
تقام الدورة السابعة والأربعون من «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي» خلال الفترة من 11 إلى 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2026، بالتزامن مع الاحتفال بمرور نصف قرن على انطلاقه. وبين تكريم رموز صنعت تاريخ السينما، وبرامج تفتح أبواباً أمام المواهب الجديدة، ومبادرات تربط الأدب بالصورة، يبدو المهرجان أمام فرصة حقيقية لتقديم دورة تليق بمكانته.
لكن هذه المكانة لا تحميها الأسماء الكبيرة وحدها، ولا تكفي للاحتفاء بها بيانات التكريم والبرامج المهنية. ما يحميها هو وضوح الرؤية، واحترام الذاكرة، والقدرة على التمييز بين التطور الذي يخدم الفن والتجريب الذي يخصم من قيمته.
فإذا كان الذكاء الاصطناعي هو المستقبل، فإن احترام الأصل يظل شرطاً أساسياً لصناعته. وشادية التي وقفت أمام الكاميرا لتمنح «شيء من الخوف» مكانته في تاريخ السينما المصرية، تستحق أن يستعيدها «مهرجان القاهرة» كما عرفها الجمهور، لا أن تتحول صورتها إلى أزمة كان يمكن تجنبها!
المصدر: الأخبار