الحبّ والسلطة والذاكرة على شاشة «متروبوليس»: الإنسان في قلب (مهرجان) السينما الأوروبية
شفيق طبارة
الإثنين 5 تشرين الأول 2026
من جعفر بناهي والأخوين داردين إلى باولو سورنتينو وريتشارد لينكليتر، تعود السينما الأوروبية إلى بيروت محمّلة بأسئلتها الثقيلة: السلطة والانتقام، الأمومة والعائلة، الحبّ والفقد، الذاكرة والرغبة. أفلام تتنقل بين إيران ونيجيريا ولبنان وأوروبا، وتستعيد غودار والموجة الجديدة، فيما تضع الإنسان وهشاشته في قلب الشاشة
بدءاً من 8 حتى 17 تشرين الأول (أكتوبر)، تحتضن سينما «متروبوليس» في بيروت، الدورة الثلاثين من «مهرجان السينما الأوروبية»، حاملةً إلى الصالة اللبنانية أفلاماً سبقتها سمعتها إلى المهرجانات الكبرى. أفلام شاهدنا بعضها هناك، وبقيت معنا. بعضها يفتتح بالضحك والخفة، وبعضها يقف عند الأمومة والعائلة، أو يستعيد زمناً سينمائياً ذهبياً، أو يفتح باباً على السؤال السياسي. وهي في مجموعها تقول إن السينما الأوروبية لا تزال قادرة على الدهشة والجرأة.
◄ La Vénus électrique
17 تشرين الأول ـ الساعة الخامسة
يفتتح المهرجان فيلم «فينوس الكهربائية» لبيار سالفادوري، وهو العمل نفسه الذي افتتح «مهرجان كان» هذا العام. كوميديا ساحرة تعرف كيف تأسر من اللحظة الأولى. تدور الحكاية في باريس العشرينيات، حول عرض ترفيهي من نوع الفودفيل، وتتشكل منها قصة رومانسية رباعية الأضلاع. يزدحم الفيلم بالسحرة والوسطاء الروحانيين وفناني السيرك ومحترفي الخدع البصرية. تجد هذه الشخصيات نفسها غارقة في قصص حبّ تمحو الحدود بين الحقيقة والزيف، فتتشابك الخيوط في مزيج من الحبّ والخداع والألم والأكاذيب.
سالفادوري أحد أولئك المخرجين الذين يجمعون بين الشعبية والبصمة السينمائية الخاصة. إنّه نموذج ناجح للسينما الموجهة إلى الجمهور العريض. في الفيلم، أنييس ديموستييه الساحرة دائماً، وبيو مارماي بأدائه الجسدي الحيوي، وجيل ليلوش بحضوره الطاغي وأدائه المتمهل، وفيمالا بونس المتألقة في أحد أكثر أدوارها غموضاً. ينجح «فينوس الكهربائية» في إبهارنا، ونقل مشاعر تعاطف قد تبدو ساذجة بعض الشيء، لكنها صادقة بما يكفي لنصدقها، وفي ذلك تحديداً سحره.
◄ Jeunes Mères
9 تشرين الأول ـ الساعة السادسة والنصف
15 تشرين الأول ـ الساعة الثامنة والنصف
لا شك في أنّ أسلوب الأخوين داردين (جان بيار ولوك)، واحد من أكثر المناهج السينمائية تأثيراً ومحاكاة على مدار العقود الثلاثة الماضية. تشكّلت رؤية آلاف السينمائيين بفعل تلك الواقعية الاجتماعية، والنظرة الإنسانية، والتعاطف العميق مع الشخصيات، واستخدام مواقع التصوير الحقيقية ومشاهد الشارع واللقطات الطويلة بكاميرا محمولة باليد.
وفي فيلمهما الجديد «أمهات شابات» يعودان إلى هذه اللغة نفسها، داخل مركز للمراهقات الحوامل والأمهات الجديدات في مدينة لييج البلجيكية. هناك يتلقين الرعاية والمأوى والدعم لاتخاذ قرارات مصيرية: الإبقاء على أطفالهن، أو التخلي عنهم للتبني لدى عائلات أحسن حالاً. يستكشف الفيلم الأمومة، ويحاول في الوقت نفسه فهم الأسباب التي تدفع بعض النساء إلى التخلي عن أطفالهن، أو حتى قتلهم.
يميل الفيلم أحياناً إلى الوعظ أو الطابع التعليمي، غير أن أسلوب الداردين يظل متألقاً ببهائه السردي والدرامي. تمر الفتيات بمواقف بالغة الصعوبة والتعقيد، وفي اللحظات التي يبدو فيها الفيلم على وشك الانحراف عن مساره، يبرز ذلك التوازن والوقار والاحترام الإنساني النبيل الذي يميز الأخوين البلجيكيين. إنها سينما تلامس المشاعر من دون أن تلجأ إلى التلاعب العاطفي.
◄ La Grazia
10 تشرين الأول ـ الساعة العاشرة إلا ربع
16 تشرين الأول ـ الساعة التاسعة
يعيش «لا غراتسيا» لباولو سورنتينو على الحوار والصمت والشك، وعلى ومضات من جمال منهك ومتقلب. بطله رئيس الجمهورية الإيطالية الخيالي ماريانو دي سانتيس (توني سيرفيلّو)، رجل فقيه نبيل ميال إلى التسوية. في الأشهر الستة الأخيرة من ولايته، ينتظر توقيعه مشروع قانون للقتل الرحيم وطلب عفو عن سجينين. يخشى مغادرة قصر الكويرنالي لأنه فقد شغفه بالحياة منذ رحيل زوجته أورورا قبل ثماني سنوات، ولأن خيانة زوجية قديمة، بلا وجه أو اسم، ما تزال تطارده، فيعمّق بحثه المهووس عن الحقيقة شكوكه.
«لا غراتسيا»، صادق، يخاطب المشاهد بإسهاب، بطريقة تلامس هشاشة الإنسان. شريط عن الشجاعة، عن رجل يدير ظهره للموت ثم للحياة، ويُجبر على إعادة اكتشاف نفسه كحبيب وأب. في كلّ مشهد سؤال، ونادراً ما تظهر أكثر من شخصيتين في اللقطة، كأن الفيلم لقاءات ثنائية بين الذات والآخر. تغيب زخرفة سورنتينو المعهودة، فبطله شبه مسجون بين جدران القصر. وفي النهاية لا يصل ماريانو إلى الحقيقة، بل إلى قبول الشك، وهنا تتجلى «النعمة» موقفاً من الحياة، لا دينياً ولا أخلاقياً، بل متجدداً.
◄ Romeria
11 تشرين الأول ـ الساعة الثامنة والنصف
15 تشرين الأول ــ الساعة السادسة
ثمة أكثر من طريقة لوضع «روميريا» في سياق أعمال كارلا سيمون، منها أنه يختتم ثلاثية ذاتية السيرة بدأتها بـ«صيف 1993» (2017) الذي روت فيه تشكّل الأسرة الحاضنة لها بعد وفاة والدتها، ثم «ألكاراس» (2022) الذي استكشفت فيه الحياة الزراعية لعائلة أمها، وها هي تنتهي الآن إلى عائلة الأب. هذه المرة، نحن أمام عمل روائي، لكن رغبتها في كسر حدود الواقعية تعود بقوة، فيتأرجح الفيلم بين السرد التوثيقي والحكاية الرمزية، وبين الشهادة واستحضار الذكريات، وبين الملاحظة والخيال.
تدور الأحداث حين تزور مارينا مدينة فيغو لتحصل على وثيقة رسمية تثبت صلتها برجل هو أبوها. وفي محاولتها التقرب من عائلته، تصطدم بعوائق الطباع والفوارق الطبقية. يكشف الفيلم، من منظورها، الوجه الأقسى والأكثر مادية لعالم برجوازي تحكمه سطوة المظاهر. ومن ناحية أخرى، يستحضر قصص حياة والدي مارينا اللذين توفيا في الفترة ما بين أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، عبر المذكرات الشخصية للأم، التي تعيد المخرجة صياغتها استناداً إلى رسائل حقيقية.
تولد من هذه المعالجة البصرية غير التقليدية معجزات صغيرة، تؤكد بها سيمون مجدداً أنها مخرجة قادرة على أن توجّه نظرها إلى ذاتها وإلى العالم من حولها في آن واحد.
◄ «شهوة»
9 تشرين الأول ـ الساعة السابعة – سينما مونتان
في «شهوة» لجورج بيتر بربري، تأتي المعالجة الكويرية أصيلة، لا تفرض صورة جاهزة ولا تصدر أحكاماً أخلاقية، تتجنب الاعتذار والوعظ والصورة النمطية، وتقترح مساراً مختلفاً عمّا اعتدنا رؤيته. يقدم الفيلم فسيفساء ثقافية لبنانية صغيرة وخاصة، تتجاوز محاولات التصنيف، ويتحدث عن القيود والتفضيلات والأعراف والمحرمات.
أنجل (جورج بيتر بربري) عاملة جنس، تستقبل زبونة (كريستل يونس) ذات طلبات غريبة ومحددة، ومنها يتكاثف الغموض والإبهام في مشاهد تحاكي علاقة جنسية. ولأن تفاصيل الحياة الجنسية تصبح هنا قضية، يتسع المجال لاستكشاف إنساني أشمل لتقلب الحبّ ونزواته.
بعضها يقف عند الأمومة والعائلة، أو يستعيد زمناً سينمائياً ذهبياً
تأتي الحسّية الإيروتيكية من الصورة والصوت معاً. تلتصق الكاميرا بالوجوه والأجساد في لقطات قريبة مشحونة، وتترك للأصوات مساحة تصنع مزاج المشهد. أنفاس وأنين، وتتسلل بيروت بقيودها ومحرماتها وانهيارها المعروف إلى الغرفة فلا يعود ممكناً عزلها عن المدينة. ضجيج الشارع في الداخل، والمباني والطرقات المكتظة والفارغة في آن واحد، كلها تجعل المكان طرفاً ثالثاً في اللقاء، هنا تُمارس الرغبة في الهامش.
في «شهوة» خيانة وحبّ وفضول ولقاء عابر، حزين بجماله وتعقيده، وبديناميكية مركزية سليمة ومجردة من اختلالات القوى. قصة تتغذى على تعقيدات الجنسانية في الروح البشرية وتوسّع آفاقها. فتصبح الثياب والمكياج وسيلة عمل وهوية في آن واحد، فهل يمكن فصل القناع عن الوجه؟
◄ My Father’s Shadow
12 تشرين الأول ــ الساعة التاسعة والنصف
يبني أكينولا ديفيز جونيور فيلمه «ظلّ والدي» على صورة الأب. يوم واحد في نيجيريا، يونيو 1993، يصطحب فيه فولارين، الأب الغائب، طفليه في رحلة خاطفة إلى لاغوس، فيما تجري في الخلفية أول انتخابات حرّة منذ سنوات، وأمل هشّ بنهاية حكم العسكر. يصوّر ديفيز بعين فنان تشكيلي، وبتقنية 16 ملم تمنح الصورة ملمس الذاكرة، فتنفجر لاغوس بألوانها وضجيجها. يرفض الفيلم الشرح، فكل شيء يُرى بحواس طفلين لا يفهمان العالم بعد، لكنهما يحفظانه كاملاً. تتسلل السياسة إلى يومهما كالهواء، دعاة في الشوارع، ولوحات دينية، وأجور متأخرة لأشهر، وحتى أداء المنتخب الوطني. وليس مصادفة أن شعار المرشح المنتخب، الذي تتكرر ملصقاته، هو «الأمل». ويقدّم سوبي ديريسو أداء لا يُنسى في دور الأب، الذي يردد «ستتغير هذه البلاد».
◄ It was Just an Accident
12 تشرين الأول ـ الساعة السادسة
16 تشرين الأول ـ الساعة التاسعة والربع
بعد خروجه من سجنه الثاني عام 2023، عاد جعفر بناهي إلى التصوير، ومن دون إذن السلطات طبعاً. فيلمه «لقد كان مجرد حادث»، يحمل ثقل هذا الخروج، ويجرؤ فيه على أخذ النظام الإيراني رهينة، بل على تقديمه إلى محاكمة، ولو موجزة. عائلة، أب وأم وابنة صغيرة، في سيارة في الليل. يدهس الأب إقبال كلباً بالخطأ، فتتعطل السيارة ويضطر إلى التوقف عند ورشة تصليح. هناك يسمع وحيد، أحد العاملين، صوته ووقع ساقه الاصطناعية، فيتوتر حتى يكاد يُجنّ. يشك في أن إقبال هو من عذّبه في السجن، لكنه غير متأكد بما يكفي لينفّذ انتقامه، فيتردد، ثم يقرر جمع آخرين قضوا المدة نفسها في السجن ليتحققوا من هويته. ومن هذه البداية تنطلق سلسلة أحداث لا هوادة فيها، تستكشف المآسي والتناقضات والقلق التي تنخر روح إيران المعاصرة. بموارد محدودة، يبني الفيلم حكاية بالغة القوة والتأثير عن انحدار حقيقي في جحيم مجتمع منهار. شريط شخصي جداً، حاد، بلمسة فكاهية، ينتهي بياناً سياسياً يقدّم فيه بناهي أكثر نقده مباشرة في مسيرته كلها، ويطرح، هو وأبطاله، السؤال نفسه، ما العمل حين يصبح جلادك ضعيفاً بين يديك؟
◄ «الموجة الجديدة»
14 تشرين الأول ـ الساعة السابعة
كان هناك ألف طريقة وطريقة ليكون فيلم «الموجة الجديدة» خطأً كبيراً، لكن وجود مخرج حساس ومحب للسينما مثل الأميركي ريتشارد لينكليتر وراءه يمنح شعوراً بالاطمئنان. يعيد لينكليتر عشرين يوماً من تصوير À bout de souffle، فيعود الجميع إلى الحياة: غودار (غيوم ماربيك بأداء استثنائي)، وتروفو، وشابرول، والمصور راوول كوتار، وجان بول بلموندو وجان سيبيرغ. غودار لم يخرج بعد فيلماً روائياً طويلاً، ويقنع أخيراً منتجاً بتمويل فيلمه، فنرى الكواليس والمعارك والحكايات. يرفض غودار قواعد زمنيه ويؤمن بطرق أخرى لانتزاع الحقيقة السينمائية، بلا إضاءة، بكاميرا محمولة أو مخفية، ودون تكرار اللقطات تقريباً، تاركاً الإلهام اللحظي ينظّم الأحداث. يطلق لينكليتر العنان لغودار المتشعب صاحب العبارات الذكية، ويسمح للآخرين بالسخرية من ادعاءاته. فيلم خفيف ومرح، نادراً ما يأخذ نفسه على محمل الجد، ولا يحاول تجاوز ما كُتب عن تلك الحركة، بل إحياءها.
◄ «كلب ساكن»
15 تشرين الأول ـ الساعة السابعة
دائماً ما تسبقنا أفلام سارة فرنسيس، تبدأ قبل أن نجهز، وفي جديدها «كلب ساكن» يشتد هذا الشعور، فالحكاية تتسلّل إلينا من بين جدران بيت جبلي أنهكه العمر. يعود وليد (نداء واكيم) إلى لبنان بعد غياب طويل، وفي البيت تترقّبه عايدة (شيرين كرامة) وهي لا تدري أتريد رجوعه أم لا. هي تحاول أن تتبيّن مصير علاقة لا تعرف أتنبض بعد أم خبت، وهو يجاهد ليُعيد جسده وروحه إلى مكان صار غريباً عنه. بينهما سرّ صغير ثقيل: بونتو، الكلب الذي شاركهما العيش يوماً.
تقارب فرنسيس أيام لقائهما الأربعة، لا تحاكم ولا تُحمّل أحداً وزر الخسارة، فلا قاعة قضاء هنا، بل برزخ رمادي يعرفه كل من أحبّ حباً لم يمت وما عاد حياً. أما البيت، فبطل الفيلم الأول، يضمّ الزوجين ويعرّيهما معاً، ومعه الماء والضباب والأصوات. وتصلنا التعليقات الصوتية كرجع من زمن بعيد فتكسو الصورة غشاوة الحلم، وتمدّ اللقطات الطويلة الوقت حتى يثقل، ثم تقتحم الموسيقى المشهد فجأة بكل وزنها. «كلب ساكن» فيلم يبتعد عن المألوف في السينما اللبنانية، فيلم عما بعد كل شيء.
◄ «صديق صامت»
16 تشرين الأول ـ الساعة السادسة مساءً
في «صديق صامت»، تتحرر المخرجة المجرية إيلديكو إينيدي كما عادتها من هيمنة السرد التقليدي والبنية القصصية المعتادة. ثلاث حكايات في عصور مختلفة تلتقي في مكان واحد. جامعة ألمانية عريقة في ماربورغ، المدينة التي تعود إلى العصور الوسطى.
في عام 2020، طبيب أعصاب من هونغ كونغ يدرس نشاط أدمغة الرضع حين توجّه إليهم مثيرات جديدة، فيحوّل تجاربه نحو العالم الطبيعي. وفي عام 1908، أول طالبة تدخل الجامعة، وتكتشف عبر التصوير الفوتوغرافي أنماطاً خفية في النباتات. وفي عام 1972، طالبة شابة تراقب نبتة «الغرنوق» في صندوق على نافذتها. وتدور الحكايات الثلاث حول شجرة «الجنكة بيلوبا»، إحدى أقدم أشجار العالم، المتجذرة في حديقة الجامعة منذ عام 1832.
تمشي الطبيعة جنباً إلى جنب مع مسحة من التصوف والطموح العلمي. ووسط هدوء الفيلم الظاهر، تبرز قضايا اجتماعية، كالتمييز الجنسي الصارخ في حكاية الطالبة الرائدة، وغياب فهم الناس، عبر الأزمنة الثلاثة، لتجارب أبطاله. ويمتزج ذلك بتصميم صوتي فائق الجودة، ولكل زمن لغته البصرية، جماليات رقمية معاصرة، وأبيض وأسود بتقنية 35 ملم، وحبيبات واضحة وألوان مشبعة تذكّر بأفلام «سوبر 8». «صديق صامت» ثقيل ومبهر وضخم، جوهرة كبيرة يصعب تصنيفها.
«مهرجان السينما الأوروبية»: بدءاً من 8 حتى 17 تشرين الأول (أكتوبر) ـ سينما «متروبوليس» (مار مخايل ـ بيروت) ـ للاستعلام: 81/069530
المصدر: الأخبار