أحداث ثقافية أخرى
عميد المعارض العربية يطوي صفحة الانقسام: الكتاب يعود إلى قلب بيروت!
محمد ناصر الدين
الإثنين 5 تشرين الأول 2026

يعود «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته الـ67 بين 9 و18 تشرين الأول (أكتوبر). دور نشر ومؤسسات جامعية وأسماء أدبية وفكرية تعيد الزخم إلى الموعد البيروتي، فيما يبقى التحدي الأكبر أبعد من بيع الكتب: كيف يستعيد المعرض القارئ الشاب ويعيد الكتاب إلى قلب المدينة؟
 
تستعيد العاصمة اللبنانية شيئاً من زخمها الثقافي مع انطلاق الدورة السابعة والستين من «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»، التي تُقام بين 9 و18 تشرين الأول (أكتوبر) 2026 في قاعة «سي سايد أرينا» واجهة بيروت البحرية.
 
غير أنّ هذه الدورة لا تبدو مجرّد حلقة جديدة في تاريخ «عميد معارض الكتب العربية»، بل تحمل إشارات إلى مرحلة مختلفة عنوانها استعادة الثقة، وترميم ما أصاب المشهد الثقافي من انقسامات وخسائر، ومحاولة إعادة الكتاب إلى قلب المدينة وإلى يوميات جيل شاب باتت الشاشات تستحوذ على الجزء الأكبر من وقته واهتماماته.
 
علامة عافية يمكن للوسط الثقافي استشفافها قبل افتتاح أبواب المعرض، إذ إن المؤتمر الصحافي المخصّص لإعلان برنامج الدورة انعقد أمس بمشاركة جامعة شملت وزير الثقافة غسان سلامة، ورئيسة «النادي الثقافي العربي» سلوى السنيورة بعاصيري، ورئيس «نقابة اتحاد الناشرين في لبنان» نبيل عبد الحق، ومدير «المعهد الفرنسي» كريستوف موزيتيلي. مشهد كان من الصعب تخيّله في السنوات القليلة الماضية، حين تحوّل الخلاف بين النادي والنقابة إلى معرضين متنافسين يتنازعان الاسم والموعد والجمهور.
 
وحدة بعد سنوات الانقسام
ليست مشاركة النادي والنقابة في الإعلان مجرّد تفصيل بروتوكولي. ظهورهما معاً، ثم تنظيمهما احتفال الافتتاح الذي يتحدث فيه عبد الحق وبعاصيري إلى جانب رئيس الحكومة نواف سلام، يشيران عملياً إلى طيّ صفحة ازدواجية المعارض، وإن لم يكن ذلك يعني بالضرورة زوال جميع أسباب الخلاف. لكنّ العودة إلى منصة واحدة تضع المصلحة الثقافية فوق التنافس المؤسساتي، وتعيد إلى المعرض شيئاً من هويته وزخمه المتراجع أمام معارض منافسة تُعقد في الفترة ذاتها من نهاية العام في العواصم العربية.
 
الكتّاب والناشرون والقرّاء كانوا قد دفعوا ثمن الانقسام السابق، فالسوق اللبنانية، المنهكة منذ الانهيار المالي والحروب الإسرائيلية المتواصلة، لا تحتمل معرضين متقاربين يتنافسان على دور النشر نفسها وعلى جمهور محدود القدرة الشرائية. كما أنّ «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» يستمد جانباً أساسياً من قيمته من كونه مساحةً جامعة، لا مجرّد صالة لبيع الكتب. لذلك، يمكن النظر إلى جمع الشمل باعتباره الخطوة الأولى في مسار التعافي: تعافي المؤسسة الثقافية من نزاعاتها، قبل مطالبتها المجتمع بالالتفاف حولها.
 
ماذا يفعل صانعو الثقافة أمام تغيّر إيقاع القراءة وسيطرة السكرولينغ على الانتباه والذاكرة؟
 
لا تلغي هذه العودة التحديات التي رافقت المعرض في السنوات الأخيرة لا سيما ارتفاع كلفة المشاركة (أكبر كلفة متر مربع في المعارض العربية كافة)، وتراجع القدرة الشرائية، وإحجام بعض الدور العربية لالتزامها المشاركة في معارض منافسة، وزيادة تكاليف أعباء السفر والشحن، إضافة إلى ضعف الخدمات اللوجستية لا سيما الكافتيريا وموقف السيارات التي تحسنت نسبيّاً العام الماضي قياساً على الدورات السابقة. هذه التحديات قد تمنح المنظمين فرصةً لإعادة بناء الثقة وتطوير المعرض الذي يستطيع أن يسترد ريادته، بالاتكال على ما تحمله بيروت من رمزية ثقافية وقدرة المعرض على إنتاج فعالية ثقافية حقيقية طوال أيامه العشرة.
 
التعافي من تحت الركام
يتخذ مفهوم التعافي معنى أكثر مباشرة مع مشاركة دور نشر ومؤسسات المجتمع المقاوم التي يكون لها في كل عام حصة وازنة في أجنحة المعرض، فمكتبة «كتاب خانة» مثلاً، التي تضرّر مركزها في بئر العبد خلال الحرب الأخيرة سيكون لها جناح في المعرض. ستحاول أن تستعيد، ضمن مساحة مؤقتة، الروح التي صنعتها في مركزها: الكتب واللقاءات والأنشطة والنقاشات المفتوحة أمام محيطها، ليتحول المعرض إلى مساحة لإعادة بناء علاقة اجتماعية كانت المكتبة قد نسجتها مع قرائها في ضاحية بيروت الجنوبية. كما تضع «دار المودة» بين يدي قرائها سيرة وجدانية للشهيد السيد حسن نصر الله، وتحضر أوجاع جبل عامل ومسراته في «حكايات الجنوب لا تنتهي» لكوكبة من الكتاب عبر 44 قصة تحفظ ذاكرة الأرض وأهلها المقاومين عن «دار الفكر للنشر والأبحاث » بإشراف الزميل مهدي زلزلي.
 
الجامعة الأميركية تعود إلى قلب المشهد
تضخّ الجامعة الأميركية في بيروت حيويةً واضحة في المعرض هذا العام، من خلال برنامج يمتد بين 9 و16 تشرين الأول، ينظمه «كرسي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للدراسات العربية والإسلامية» بالتعاون مع «دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت». تحمل المشاركة الكبيرة هذا العام دلالة تاريخية مميزة: ففي حرم الجامعة الأميركية أُقيم أول معرض للكتاب نظمه «النادي الثقافي العربي» عام 1956 برعاية قسطنطين زريق. وبعد سبعين عاماً، تعود الجامعة شريكاً فاعلاً في الدورة السابعة والستين، كأنّ المعرض يستعيد الصلة بين جذوره الجامعية وفضائه المديني الواسع.
 
ينطلق البرنامج بأمسية موسيقية مع ريما خشيش مساء 9 تشرين الأول، ثم يفتح في اليوم التالي ملفات الأدب والتاريخ والفن من خلال «إعادة تشكيل الأسطورة في ثلاثية رشيد الضعيف الأخيرة»، وحوار «التاريخ والحكاية» مع الأديب الجزائري واسيني الأعرج، وجلسة بعنوان «الطب يقرأ الفن: جولة طبيب في قاعات المتاحف»، حيث يدخل الأدب والفن في حوار مع الطب وطريقة قراءة الجسد والصورة.
يجتمع واسيني الأعرج وجلال برجس في ندوة «ماذا تصنع الجوائز بالأدب؟» صباح 11 تشرين الأول، في سؤال يتجاوز الاحتفاء بالفائزين إلى مساءلة أثر الجوائز في الكتابة والنشر والذائقة. يلي ذلك لقاء بعنوان «أهل الماء والنار: طارق العريس وكتابة الحرب»، ثم جلسة «دار الآداب: ذاكرة ناشرة مع الكتاب»، وأمسية للشاعرة العُمانية عائشة السيفي بعنوان «هزّي إليك بجذع القصيدة».
 
الكتابة الإبداعية تحضر أيضاً في لقاء «كيف تكتب رواية؟ نجوى بركات ومحترفاتها» (12 تشرين الأول) ويطرح البرنامج سؤالاً يتصل مباشرة بعلاقة المعرفة بالمجتمع: «أي جامعة نريد؟ في رهانات التعليم العالي العربي». أما الروائي المغربي عبد الإله بن عرفة، فيحل ضيفاً على حوار حول «ليلة اختفاء صاحب المعالي»، وتشارك ريم بسيوني في جلسة عن روايتها «كوم النور: الخديوي عباس حلمي الثاني بين التاريخ والرواية»، فيما يناقش الحبيب السالمي «كتابة التفاصيل الصغيرة» (13 تشرين).
 
يمتد البرنامج إلى الذاكرة المدينية من خلال «نحن في هذا معاً: تاريخ شفوي لرأس بيروت»، مع ماريا أبو النصر ومنى الحلاق (16 ت). بهذا البرنامج المتنوع، تنقل الجامعة إلى المعرض جزءاً من وظيفتها الأساسية: طرح الأسئلة، والجمع بين الاختصاصات، وإتاحة المعرفة خارج جدران الحرم الجامعي.
 
السياسة والفلسفة والشعر حاضرة
لن تكون السياسة غائبة عن الدورة، وستكون الحاضر الأكبر في عدد من الندوات بوصفها موضوعاً للفكر والنقد التاريخي، ومن أبرز العناوين «فؤاد شهاب وسياسة الإصلاح في لبنان: الحوكمة والتعددية وبناء الدولة» في 14 تشرين الأول، وهو موضوع يعيد فتح النقاش حول الدولة والمؤسسات والإصلاح في بلد تتكرر فيه الدعوات إلى التغيير من دون أن تتحول دائماً إلى بناء مستدام. كما تُقام ندوة حول كتاب «عقلنة النظام السياسي اللبناني» لعصام سليمان، يشارك فيها غسان مخيبر وملحم خلف ويديرها القاضي زياد شبيب.
 
ويوقّع جهاد الزين كتابه «الأزمة الثقافية للمسيحية السياسية اللبنانية وصحوتها» عن «دار سائر المشرق» (12 تشرين الأول)، بينما يناقش كتاب «فكّر كفرد... تصرّف كمواطن» لحاتم علامي أسئلة الانتماء والسيرة والاعتراف. وتبرز أيضاً عناوين مثل «الديمقراطية المعلّقة: مفارقة المساواة ومعضلة الحرية» لعلي عبدون (دار الفارابي، 10 تشرين الأول) و«أزمة المثقف العربي» لعبد الحسين شعبان، و«من هو اليسار في لبنان» في ندوة تجمع محمد علي مقلد إلي توفيق كسبار وكريم صفي الدين (11 تشرين الأول) لتمنح الأسئلة الفلسفية والسياسية مساحة تتجاوز الحدث الآني إلى مفاهيم الحرية والمواطنة والهوية ودور اليسار والنخبة.
 
كما سيكون للشعر حضور وازن في المعرض، ولا سيما مع إطلالة شعراء مخضرمين بإصدارات جديدة عن «دار رياض الريّس للكتب والنشر». إذ يطلق الشاعر عباس بيضون مجموعته «الطرق تعود معنا»، فيما تحضر مجموعة يوسف بزي «الشمس كلها في وجهي»، إلى جانب عنوان «حياة في الجحيم» للشاعر عقل العويط. وتحتفي «دار النهضة العربية»، بالشعراء الشباب، فتحضر الشاعرة السورية فاطما خضر في مجموعتها الجديدة «في أنس الأشياء» على كاتالوغ الدار.
 
كيف نستعيد القارئ الشاب؟
يبقى التحدي الأكبر ألا يتحول المعرض إلى موعد سنوي يزوره جمهوره التقليدي وحده، إذ ينبغي تحويل زيارات طلاب المدارس الذين يضفون لمسةً ضرورية شابة على المعرض إلى فرصة وتحدٍ إبداعي لدور النشر لاستقطاب هذه الشريحة من الجمهور التي تتفاعل مع النصوص من خلال تدفق سريع ومجزّأ من المنشورات والتنبيهات والمقاطع القصيرة، فماذا يفعل صانعو الثقافة أمام تغيّر إيقاع القراءة وسيطرة «السكرولينغ» على الانتباه والذاكرة؟
 
لا ينبغي للمعرض أن يتحول إلى نسخة ورقية من منصات التواصل ولا أن يرفع شعار: «الكتاب مقابل الشاشة»، لكن ربما يمكنه إتاحة الفرصة لحلول خلّاقة وسياسات عملية لاستقطاب شريحة طلاب المدارس والجامعات: أسعار وحسومات حقيقية، تعاون مع المدارس والجامعات، وسائل نقل منظّمة، جولات موجهة، ورش للكتابة والترجمة وصناعة الكتاب، ومساحات تتيح للشباب عرض تجاربهم بأنفسهم.
 
استعادة الزخم لا تكرار الماضي
عبر معرض واحد، وعودة المؤسسات الجامعية، ومشاركة مؤسسات تنفض عنها آثار الحرب، تبدو الدورة السابعة والستون كأنها تحاول الانتقال من منطق الاستمرار بأي ثمن إلى منطق استعادة الدور. لكنّ نجاحها مرهون بقدرتها على جعل الثقافة جزءاً محسوساً من حياة المدينة: لا يمكن لبيروت أن ترتكز إلى سمعتها وحدها، ولا يكفي أن يكون المعرض «عميداً» للمعارض العربية كي تستعيد العاصمة المتعبة ريادتها تلقائياً، إذ لا بد من توليفة خلّاقة تتوافر فيها اللمسة الاحترافية، واستقطاب دور نشر عربية وازنة، وتقديم خدمات تقنية ولوجستية أفضل، وأسعار تراعي الواقع الاقتصادي، وبرنامج يوازن بين الأسماء المكرسة والأصوات الجديدة، وبين الندوة التقليدية والأشكال الخلاقة التي تسمح للجمهور بالمشاركة.
 
في العام الماضي، بدا انعقاد المعرض فعلاً من أفعال الصمود بعد الحرب والانهيار والانقسام. أما هذا العام، فيُفترض أن يخطو خطوةً إضافية: من الصمود إلى التعافي، ومن منع الانقطاع إلى إعادة بناء الصلة بين الناشر والكاتب والقارئ. وإذا نجحت الدورة الجديدة في ذلك، فلن يكون الكتاب قد استعاد معرضه فقط، بل تكون بيروت قد استعادت إحدى المساحات القليلة التي لا تزال قادرة على جمع المختلفين حول سؤال بسيط وعميق في آنٍ معاً: ماذا ستقرأ هذا العام؟
 
معرض بيروت العربي الدولي للكتاب ــ الدورة السابعة والستون: من 9 إلى 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2026 ــ «سي سايد أرينا»، واجهة بيروت البحرية.
 
 
المصدر: الأخبار