أحداث ثقافية أخرى
مستحضرةً "سيدات الضوء" في جبيل... الطرب يواجه العتمة مع جاهدة وهبه
روزيت فاضل
الثلاثاء 29 أيلول 2026

جدّد صوت المطربة جاهدة وهبه ثقافة الحياة والفن والحب في وجه الهمجية والكراهية والغضب المحيط بنا، خلال أمسية عن "سيدات الضوء" ضمن فعاليات مهرجان "صدى المسرح" الذي نظّمته جمعية "مسرح الغد" في المبنى الأثري "ميتم الأرمن – عش العصافير" في جبيل. رافقنا ذلك الصوت المولود من رائحة الأرض وباطنها، مرتقيًا بما هو عليه مع القصيدة والنغم في فضاءات مقام الصوفية، يكسر من خلاله أوزان الحياة ليتفوّق على الخوف والشعور المزمن بالغربة، المتحوّل إلى سفر واكتشاف.
 
أدركت وهبه منذ بداياتها إلى يومنا هذا أن الانتصار على العنف والقتل والموت هو الحب للكلمة وللنغم وللصوت، وهو "نشوة" رديفة للفكر الإنساني. هكذا افتتحت عرضها، مخصّصة في مقدمتها تحية لـ "سيدات الضوء"، ومنهن الممثلة القديرة الراحلة رضا خوري، ابنة جبيل والعابرة باحترافها التمثيلي لبنان كلّه.
 
أصالة الصوت
 
سيطرت وهبه بصوتها الحامل خامة أوبرالية "معمّدة" بأصالة الشرق على المشهد العام على المسرح، ورافقتها في العرض فرقة موسيقية بقيادة سيمون طربيه. بداية، تحية لصباح، حيث أدّت وهبه بعض أغنياتها، ومنها "قايمة ضب تيابي"، في محاولة منها للتمرّد على نقطة النهاية لكل شيء، واستعادة صوت صباح بخامتها الصادحة والرشيقة. فهل حاولت وهبه أن تزيل الغبن عن صباح التي لم تأخذ حقها على الساحة الفنية بعد مماتها، أو ربما قبله؟
 
في وقفة وهبه عند "سيدات الضوء"، تساءلت المطربة في كلمتها كيف عشن في الظل بعد غيابهن عن الأضواء والاعتراف التاريخي، ومدى أثر هذا الانزواء عليهن.
 
لحظات وتكمل جاهدة وهبه الغناء. من السيدة فيروز في أغنية "أعطني الناي وغنِّ"، إلى قصيدة "نجمة الصبح" لطلال حيدر، مرورًا بأغنية "لا أندم على شيء" لإديت بياف، ببعض العبارات الفرنسية المرفقة بترجمة إلى العربية بجهد ملحوظ لوهبه نفسها، مرورًا بكلثوميات "إنت عمري" و "ألف ليلة وليلة"، فلحظة دافئة مع أسمهان في أغنية "يا حبيبي تعالَ"، وصولا إلى شوق كبير لسعاد حسني من خلال أغنية "يا واد يا تقيل"، فتحية لداليدا بأغنية "حلوة يا بلدي".
 
حضور الشعر
 
الشعر كان أيضًا على الموعد. ملأت وهبه القاعة بصوتها من خلال قراءتها قصيدة "بيبلوس يا حبّي" لناديا تويني، معرّبة من الفرنسية. جاءت كلمات تويني نداءً لـ "مدينة الحرف" التي همست فيها بدفء كلماتها، معتبرةً أنها "قلب الزمن"، وواصفةً رموزها المرتبطة بالبحر والذاكرة والزمن. تعاملت تويني معها لا كمدينة، بل ككائن ينبض بالحياة والحب.
 
المطربة جاهدة وهبه لا تغني الكلمات فقط، بل تؤديها بدور تمثيلي له أبعاده الدرامية والتعبيرية المحترفة جدًّا، وهي ملمّة جدًّا بالطرب الأصيل وبتذوّقه الفطري، من دون أي تكلّف أو زيادة. ورغم الأداء المصقول الذي قدّمته، لا بدّ من التوقف عند لوحة راقصة لثنائي شاب رافقها في إحدى محطات الغناء، وهي محاولة سبق أن أدخلتها وهبه في عرض أحيته في "مهرجان دوما" عام 2024.
 
اللوحة لم تضف، وإن كانت تحمل دلالات فنية تعبيرية، الكثير إلى هذا العرض الغنائي، بل شتّتت المتلقي عن الكلمة البليغة واللحن العميق. سرى هذا الأمر أيضًا على الرقص الشرقي المنفرد، الذي يدخل في خانة الهواة، على وقع موسيقى "ألف ليلة وليلة" التي عزفتها الفرقة الموسيقية، وقد تجرّد الرقص من قيمته ودخل في إطار ترفيهي يصلح لسهرة عائلية أكثر مما هو عليه في عرض غنائي طربي محترف.
 
ذكاء مصطنع
 
لا بدّ من التوقف أيضًا عند الحوار الذي دار فجأة بين جاهدة وهبه ورجل يجسّد الذكاء الاصطناعي على المسرح في واحدة من فقرات العرض. عاتبته وهبه على افتقاده إلى المشاعر المتأصّلة في الإنسان، وهي مشاعر تضعنا، في رأيها، في مرتبة تتجاوز "ثقل" هذا الذكاء الاصطناعي وتداعياته في يومياتنا. جاء الحوار، من دون تمهيد واضح، في محاولة لكسر القالب التقليدي للمسرح الغنائي، وإضفاء طابع معاصر على العرض من خلال مواكبة قضايا الساعة. ورغم أن هذا النوع من الحوار قد يشكّل إحدى أدوات العرض الغنائي الممسرح، فإن إدخاله بهذه الصورة المفاجئة بدا بحاجة إلى تدرّج أكبر، ولا سيما أن الجمهور اللبناني لم يعتد كثيرًا على مثل هذه الوقفات "الحديثة" التي تكشف أفكار الفنان وموقفه من قضايا العصر.
 
 
المصدر: نداء الوطن