مذكّرات وليد جنبلاط: بين المصالحة والتباسات السياسة
أسعد قطّان
الإثنين 28 أيلول 2026
"إنّنا في لبنان محكومون بالعيش المشترك، فالنموذج اللبنانيّ تعدّديّ، وتلك هي مشيئة التاريخ".
ربّما تكون هذه الكلمات بمنزلة الخلاصة الأبرز التي يمكن استمدادها من مذكّرات وليد جنبلاط «قدر في هذا المشرق» (نوفل 2026). في هذا الكتاب، الذي عرّبه أدونيس سالم عن الأصل الفرنسيّ الصادر في العام ذاته، يصوّر جنبلاط نفسه ساعياً إلى إخراج الدروز من أتّون الحرب الأهليّة (ص 179). ولعلّ التعبير الأشدّ رسوخاً عن هذا المسعى إلى تضميد جراح الحرب واستعادة فكرة العيش المشترك مصالحةُ الجبل (2001)، التي كان جنبلاط مهندسها إلى جانب البطريرك المارونيّ الاستثنائيّ نصر الله صفير. وهو، في كتابه، لا ينفكّ يردّد اعتزازه بهذا الإنجاز (ص237)، عادّاً أنّ المستقبل هو لجبل يتعلّم أهله من دروس التاريخ مستعيضين بالتسالم عن الاحتراب وبالتصالح عن التذابح.
إنّ قراءة هذه المذكّرات قراءةً متأنيّةً تكاد تؤكّد، على كلّ صفحة، ما جعله جنبلاط عنواناً لمسيرته: القدر. فعنده أنّ الأقدار شاءت أن تجعله وريثاً قبل الأوان، كبرعم «لامسته الريح فانفتحا» (الأخطل الصغير)، لوالده كمال جنبلاط، لا في حمل همّ دروز جبل لبنان فحسب، بل في ما أُلقي على كاهله أيضاً من أعباء ترؤّس «الحركة الوطنيّة» بعد اغتيال «الكمال». ويدرك صاحب المذكّرات أنّ دخول هذا المعترك المزدوج أتى مضرّجاً بدماء المسيحيّين الذين قُتلوا ظلماً في بعض قرى الشوف انتقاماً لدم جنبلاط الأب في لحظة طاش فيها العقل (ص 40). يتمنّى وليد جنبلاط، غير مرّة في كتابه، لو أنّ في مقدوره شطب هذه الصفحة السوداء من ذاكرة التاريخ. لكنّ التاريخ يحمل، هنا أيضاً، تماماً كحادثة موت الوالد، بصمات قدر يستحيل تغييره.
والحقّ أنّ طيف كمال جنبلاط يكاد يهيمن على هذه المذكّرات إلى حدّ الإفراط في التمجيد أحياناً. ربّما يكون هذا طبيعيّاً، لا لأنّ الوليد يكتب عن والده الذي اغتيل بأمر عمليّات جبان من حافظ الأسد فحسب، بل لكون هذا الوالد قامةً فكريّةً وسياسيّةً فريدةً في تاريخ لبنان المعاصر. لكن، هل يبرّر هذا إحجام صاحب المذكّرات عن القيام بمقاربة نقديّة لسلوك أبيه إبّان الحرب الأهليّة؟ لا ريب في أنّ كمال جنبلاط كان محقّاً في سعيه إلى تفكيك النظام الطائفيّ في لبنان. بيد أنّ العمل على تقويض الطائفيّة عبر اللجوء إلى العنف، بالرغم من أنّ الرجل كان من دعاة اللاعنف، فضلاً عن التحالف مع المقاومة الفلسطينيّة المدجّجة بالسلاح ضدّ شركاء في الوطن، لم يكن بالتأكيد خطوةً تتّسم بالحكمة. بعد تحقيق مصالحة الجبل، التي تجدّ في طيّ صفحة مذابح الأمس، مَن يليق به أن ينتقد تجربة كمال جنبلاط أكثر من وريثه وليد؟
ربّما يكون هذا الالتباس صدًى لالتباس أعمق يطالعنا مرّةً تلو مرّة بينما نقرأ هذه المذكّرات. فصاحبها ينهد إلى وطن تتراجع فيه الطائفيّة وتتعزّز العدالة. في هذا السياق، يستذكر عهد فؤاد شهاب، الذي وضع مداميك دولة المؤسّسات، ويحسبه منطلقاً لما يمكن أن يؤول إليه لبنان في المستقبل إذا جدّ جدّ أبنائه وأحسنوا استخلاص دروس التاريخ (ص 273). جنبلاط لا تغرّه الفدراليّة، التي يروّج لها بعضهم اليوم، فيرفضها من دون أن يشرّحها تشريحاً عميقاً. لكنّه لا ينبئ قارئه بكيفيّة تطابق هذه الرؤية والدور الذي اضطلع به بوصفه زعيماً للدروز وجزءاً من المنظومة الطائفيّة التي حكمت البلد طوال عقود. يثمّن جنبلاط النبض الجديد الذي أطلقه ثوّار 17 تشرين، حتّى في صفوف محازبيه ومناصريه، ويقول إنّه يتفهّم نقمتهم عليه (ص 271-275)، مؤكّداً أنّ الجبل عاد لا يستوعب الولاءات القديمة (ص 278). لكن، هل يعفيه هذا التفهّم من كونه لعب، مثل الآخرين، لعبة التحاصص الطائفيّ التي ينتقدها؟ على مشارف هذه الأسئلة، يصطدم النموذج «القدريّ» الذي جعله جنبلاط عنواناً لمذكّراته بجدار النقد الذي لا مناص منه. هل الطائفيّة أيضاً قدر؟ وهل كانت لتكون كذلك لولا مسارعة زعماء الطوائف إلى شحذها كلّما شعروا بأنّها آخذة في التقهقر؟ لماذا يوحي جنبلاط، غير مرّة، بصعوبة اقتلاع النظام السياسيّ الذي يقوم على تقاسم السلطة بين الطوائف (ص 275)، وكأنّه متفرّج لا يمتلك القدرة على المضيّ في أيّ خطوة تخدم هذا الاقتلاع؟
يطوي القارئ آخر صفحات المذكّرات وهو مقيم في هذا الالتباس. يحسّ بأنّ صاحبها يعترف، مشكوراً، ببعض أخطائه، لكنّه يتفادى القيام بمراجعة نقديّة شاملة، وكأنّ الأخطاء نقاط ينفصل بعضها عن بعض في لوحة التاريخ. لكنّ وليد جنبلاط قارئ دقيق لكتب المؤرّخين. وهو يدرك أنّ لعبة التأريخ تكمن في الربط، لا في الفصل. هل فوّت على نفسه فرصة أن تأتي مذكّراته بحجم هذه المعرفة؟ سيبدي لنا التاريخ يوماً ما قد نجهله اليوم.
المصدر: المدن