تموز وكونياك وضحكات: أنسي الحاج وزياد
إيلي الحاج
الخميس 30 تموز 2026
وُلِد أنسي الحاج في 27 تموز.
توفي زياد الرحباني في 26 تموز.
لا أعرف إذا كان ذلك يعني شيئاً.
ما أذكره أن أنسي قال لي وهو يفتح قنينة، كونياك على الأرجح، في بيته في الأشرفية سنة 2005، أن زياد اشتراها خلال زيارته إحدى دول أوروبا الشرقية سابقاً، بلغاريا أو رومانيا، وأهداها له. سكب لي ولنفسه، في قدحين صغيرين، مقدار كشتبانين. هذا مشروب هائل، روح الكحول النقي، قال، سندوخ إذا شربنا أكثر. وفعلاً أحسست أنني تناولت كأسي ويسكي خارج التصنيف.
وكان يأتي على سيرة زياد بحنوّ ومزاج الضحك. أخبرني مرة أن زياد جاءه ليقول له "أنا شيوعيّ". فسأله أنسي هل قرأ على الأقل كتاب "رأس المال" لماركس، أو بيان الحزب الشيوعي لماركس وإنغلز، "مبادئ الشيوعية"، أو كتاب "ما العمل" للينين، كي يقرر في ضوء قراءاته الانضمام إلى الحزب؟ وغرق في الضحك وهو يروي لي جواب زياد: كلا لم أقرأ منها شيئاً. ولكن جوزف حرب قرأها وأخبرني أنها جيّدة جداً.
وكان يرى زياد عبقرياً في الموسيقى والسيناريو المسرحي، لكنه صُدِم مثل كثيرين عندما غنّت فيروز من أعمال ابنها "بتِمرق علَي إمرُق، ما بتِمرق ما تِمرق مش فارقة مَعَاي". الانطباع الأول هذا كلام امرأة عابرة في الشارع وهي فيروز، ليست أيّاً تكُن. الانطباع التالي كان ضاحكاً بعد وقت قصير "العالم يتغيّر، وهناك جيل جديد. بتِمرُق ما بتِمرق...لمَ لا؟".
غير أنّه أصرّ على فكرة أن تكون لزياد زاوية باسِمَة باسمه في الصفحة الأولى أو الأخيرة في جريدة "النهار"، على غرار فكرته افتتاحية لسمير قصير كل يوم جمعة، لكن العلاقة التاريخية انهارت بينه وبين جبران ثم غسان التويني وغادر الجريدة إلى بيته في 2004 فمات المشروع.
وعندما غادر جوزف سماحة "السفير" وكانت تراوده فكرة تأسيس جريدة "الأخبار" أقنعه زياد بأن يكون أنسي مستشاراً لهيئة التحرير وما كانت بينهما معرفة سابقاً. أصبحا صديقين في 2006 وسرعان ما توفي سماحة فجأة في 2007 وأدرك أنسي فوراً أن العواقب ستكون وخيمة على "الأخبار" التي أرادها وسماحة مساحة صحافة حقيقية وحرية ومشتل مواهب. وزاد خيبة أنسي إخفاق فكرة كتابة زياد مقالات مختلفة عن كل ما يُكتب ويُنشر. والواقع أن كلاً منهما كان يمرّ بظروف صعبة.
توقف زياد عن الكتابة وظلّ أنسي يكتب كل سبت ويفكر في الرحيل. انتهى زمن الضحك من القلب.
المصدر: المدن