"جائزة موسى زغيب الأدبية" تراهن على المواهب الشابة
إستال خليل
الخميس 30 تموز 2026
بينما تتراجع المساحات المخصّصة للكلمة والإبداع الأدبي، تزامنًا مع تراجع اهتمام الجيل الصاعد باللغة العربية، اختار "High Five Sports Club" في حراجل الالتفات إلى هذه الناحية من خلال تنظيم "ورشة الإبداع والتميّز الأدبي"، بإشراف نخبة من الأساتذة والمتخصصين من أبناء البلدة. والورشة دورة مجانيّة مخصّصة لمن هم دون سنّ السادسة عشرة، وتتضمن محاورها الكتابة الإبداعية باللغة اللبنانية، والكتابة الإبداعية باللغة العربية الفصحى، إضافة إلى فن الإلقاء والأداء الصوتي للقصائد. كما ينظّم النادي "جائزة موسى زغيب الأدبية"، التي تنقسم المشاركة فيها إلى مرحلتين: تقضي الأولى بأن يؤلّف المشترك نصًّا إبداعيًّا باللغة اللبنانية أو العربية الفصحى، فيما تطرح اللجنة، في الثانية، موضوعًا معيّنًا على المشتركين للتوسّع فيه ضمن مدة محدّدة، في اليوم نفسه الذي تُسلَّم فيه الجوائز.
تعزيز حضور العربية
مؤسس نادي "High Five" الدكتور عصام خليل، وهو طبيب أسنان وأستاذ محاضر في "جامعة القديس يوسف"، يشير، في حديثه إلى "نداء الوطن"، إلى أنّ "النادي، منذ تأسيسه، حمل رسالة تهدف إلى مواكبة جيل الشباب وبناء الإنسان المتوازن، من خلال الجمع بين الرياضة والفنون والثقافة والوعي المجتمعي والبيئي، انطلاقًا من قناعة بأن بناء الإنسان الواعي يشكّل أساسًا لبناء المجتمع".
أما فكرة "ورشة الإبداع والتميّز الأدبي" فجاءت، بحسب خليل، لتجسّد رؤية مجموعة من شباب البلدة المثقفين، الساعين إلى تعزيز حضور اللغة العربية لدى الأبناء وتعليمهم أسسها بأسلوب يجمع بين الإبداع والأصالة. وتنسجم هذه المبادرة مع هوية حراجل، التي عُرفت تاريخيًا بشعرائها ومثقفيها وبعلاقة أهلها الوثيقة بالكلمة والفن. ويؤكد، في المقابل، أنّ "اللغة العربية تواجه تحديات كبيرة في ظل التطورات الرقمية المتسارعة، التي أدت إلى تراجع الاهتمام بالقراءة والتعمّق اللغوي لدى الجيل الجديد. لذلك، فالحفاظ على اللغة العربية مسؤولية ثقافية، لأنها ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي جزء من الهوية والجذور والذاكرة الجماعية".
ويلفت خليل إلى أنّ "النادي راكم تجربة ثقافية مميزة من خلال تنظيم واستضافة العديد من الفعاليات الفنية والثقافية، من بينها حفلات للفنان الراحل زياد الرحباني وفرقته الموسيقية، وللفنان غي مانوكيان، إضافة إلى مباراة زجلية جمعت كبار شعراء الزجل في لبنان، وتخللها تكريم الشاعر الكبير موسى زغيب، إلى جانب مبادرات صحية وبيئية وثقافية متنوعة"، مؤكدًا أنّ "طموح النادي يتجاوز الورشة الحالية، إذ يسعى إلى جعلها تقليدًا ثقافيًا سنويًا ومنصّة لاكتشاف المواهب الأدبية ورعايتها، إلى جانب إطلاق مشاريع مستقبلية في مجالات السينما والمسرح والمعارض الفنية والأمسيات الموسيقية والشعرية"، ومشددًا على أنّ "الورشة تشكّل فرصة للشباب لاكتشاف قدراتهم والتعبير عن أفكارهم بطريقة إبداعية، على اعتبار أنّ حماية اللغة العربية وتعزيز حضورها بين الأجيال الجديدة يشكّلان حفاظًا على التاريخ والقيم والذاكرة، وجسرًا يربط الماضي بالحاضر والمستقبل".
وهنا، نسأل الدكتور عصام خليل عن سبب اهتمامه بالأدب والفن، فيعيدنا إلى إرث عائلته وإلى نشأته في بيئة احتضنت الشعر والزجل، ما عزّز علاقته باللغة والكلمة، خصوصًا أنّ خاله هو الشاعر موسى زغيب، وشقيقه سميح خليل شاعر ومحامٍ، فيما شقيقته هي الأديبة مي خليل، ما أتاح له إدراك دور الأدب في بناء الوعي وحفظ الهوية الثقافية.
اكتشاف المواهب المخفية
الشاعر وأستاذ اللغة العربية ومؤسس منصّة "تدقيقنا"، الأستاذ أنطوان خليل، وهو عضو لجنة التحكيم في "ورشة الإبداع والتميّز الأدبي"، يرى، من جهته، أنّ "أهمية هذا النشاط تكمن في دوره في اكتشاف المواهب الأدبية المخفية، وخلق مساحة فنية وثقافية تعيد ترسيخ الأدب باعتباره أحد أرقى أشكال التعبير الإنساني". ويشير، في حديثه إلى "نداء الوطن"، إلى أنّ "الورشة فرصة لإطلاق مبادرات تعزّز التفاعل بين المشاركين، وتشجّع كل صاحب موهبة على التأليف وعدم التردد في مشاركة إبداعه".
لكن ماذا عن معايير تقييم النصوص المشاركة في "جائزة موسى زغيب الأدبية"؟ يجيب خليل بأنّ "اللجنة تعتمد في المرحلة الأولى على مجموعة من العناصر الأساسية، أبرزها جودة الأسلوب، وجِدّة الأفكار وجماليتها، والإيقاع الموسيقي للنص، إضافة إلى صدق العاطفة وقدرة الكاتب على التأثير. أما المرحلة الثانية، فتتضمّن كتابة نصّ حول موضوع يُحدَّد يوم إعلان النتائج في 23 آب 2026، ثم تقديمه أمام الجمهور، حيث تُضاف معايير الإلقاء، والحضور، وحسن النطق، ولغة الجسد، إلى جانب القيمة الأدبية للنص". ويشدد خليل، في هذا الإطار، على أنّ "النص الإبداعي لا يقوم على عنصر واحد، بل يتكوّن من تداخل اللغة والفكرة والخيال والأسلوب الشخصي، إذ يشكّل كل عنصر أساسًا في بناء العمل الأدبي". ويوجّه نصيحة إلى المشاركين بضرورة التحلّي بالصدق في الكتابة، "لأنّ قيمة النص لا ترتبط فقط بمستواه الفني، بل بامتلاكه صوتًا خاصًّا وتجربة حقيقيّة".
لكن ماذا عن حضور الأدب واللغة العربية لدى الجيل الجديد؟ يقول الشاعر أنطوان خليل إنّ الأمر بات يشكّل تحديًا كبيرًا في ظل ابتعاد الكثير من الشباب عن القراءة والكتابة باللغة العربية، ويشدّد على أنّ "هذه المبادرة تمثّل خطوة إيجابية لإعادة تحريك الاهتمام باللغة وإحياء علاقة الجيل الجديد بها". ويرى أنّ "أبرز الصعوبات التي تواجه الشباب اليوم تتمثل في اتّساع الفجوة بينهم وبين مجالات الإنسانيات، ولا سيّما اللغة العربية". لكنه، في المقابل، يعتبر أنّ "الشعر والأدب ما زالا قادرين على الوصول إلى الشباب، رغم تغيّر وسائل التعبير، إذ غدت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة تبرز من خلالها المواهب الشابّة". ويؤكّد خليل أنّ عضويّته في لجنة التحكيم تنبع من رغبته في دعم الحركة الثقافية في لبنان، خصوصًا في بلدة حراجل التي ارتبط اسمها بالشعراء والمبدعين، ويعتبر أن "تكريم الشاعر موسى زغيب يُعدّ تقديرًا لإرث أدبي ترك أثرًا واسعًا". ويختتم الأستاذ أنطوان خليل حديثه بدعوة كل محبّي الكتابة إلى عدم إخفاء نصوصهم ومواهبهم، "لأنّ الكلمة الجميلة تفقد قيمتها حين تبقى حبيسة، بينما تساهم مشاركتها في الارتقاء بالإنسان وإثراء الحياة الثقافية".
إذًا، تشكّل "ورشة الإبداع والتميّز الأدبي"، ومعها مسابقة "جائزة موسى زغيب الأدبية"، مساحة ثقافية تهدف إلى إعادة وصل الجيل الجديد بالكلمة، وتعزيز حضوره في عالم الأدب والتعبير. وبين رؤية النادي المنظِّم وحرص القيّمين عليه على احتضان المواهب، تبرز أهمية المبادرات التي تفتح أمام الشباب أبواب الإبداع، وتحافظ على حضور اللغة والثقافة في زمن تتسارع فيه التحوّلات.
المصدر: نداء الوطن