أحداث ثقافية أخرى
في "هجرة الشمس".. أدونيس يعيد كتابة القلق الشعري بلغة السؤال
نبيل مملوك
الأربعاء 29 تموز 2026

عاد أدونيس (1930)  في كتابه “هجرة الشمس”، الصادر حديثًا عن دار الساقي، إلى ماهيّة الشّعر ومفهوم القلق وكيفيّة تشكيل السؤال وكيفيّة بناء القصيدة، فمن خلال 28 فصلًا معنونة وفقًا لترتيب الأحرف الأبجديّة باللغة العربيّة، قدّم أدونيس إلى قرّائه صورة الشاعر الطريّ الذي يعود إلى ذاكرته الأولى باستمرار ليحيي ما تمّ استهلاكه من أفكار وليعيد إنتاجها بما يتلاءم مع العصر.
 
يمكن معالجة الكتاب نقديًّا من خلال مستويين على الأقل: الدلالي حيث كثرت الرموز والسياقات التي تعبّر عن قلق الشاعر وتساؤلاته، أمّا المستوى الثاني فهو الأسلوبي الذي أعاد النقاش حول بنية الشعر وإخراجه الفنّي البنيوي.
 
ثلاثيّة الله والإنسان والفكرة
في قصائده سريعة الإيقاع ومقاطعه متوسطة الطول المنضوية في الكتاب، يلاحق أدونيس ثلاثة كيانات: الله والإنسان والفكرة، على الصعيد الإلهي، ابتعد أدونيس عن التصوّف والزهد واقترب أكثر من الماديّة والدنيويّة وقد تمظهر ذلك عبر سياقات بعضها أتى بصيغة التساؤل وبعضها الآخر بصيغة خبريّة تحمل يقينًا: “بلادٌ مقدّسة؟ أهي، إذًا، بلادٌ لا تحيا إلّا بموت سكّانها: قتلى وقاتلين؟”، “ما أقلّ، وما أفقر الذين يحبّون ألّا يموتوا سوى مرّة واحدة!”، “ليس للواحد الأحد، الآن، بيْتٌ، غير أشلاء أبنائه وأنقضاهم”.
 
 يتنقّل أدونيس في هذه السياقات الثلاثة على الأقل في مخاطبته الله، بين الصيغة المباشرة عبر تسميته بأحد أسمائه الحسنى “الأحد” وبين محاولة فهم الإنسان والموت، الحقيقتان اللتان يثبتهما الخالق في كتبه السماويّة الإبراهيميّة الثلاثة.
 
الإنسان… كائن يقلّد
على الصعيد الإنساني الآدمي، يحاول أدونيس أن يعطي الإنسان معنى آخر لطاقته أو قوّة حضوره: “منذ اليوم الذي رأى فيه الإنسان كيف يبني العنكبوت بيته، لم يتوقّف عن تقليده”.
 
في هذا السياق – القصيدة نفي تام، لا بل نقد لفكرة قرآنيّة تكرّم الإنسان وقدرته على الابتكار لاسيّما آية “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (الإسراء: 70)، ما يوحي بأنّ الإنسان منذ الأصل مقلّد والعقل هو مركز التلقّي وليس مركز التخييل والابتكار، وهي إشارة أيضًا من إشارات التفكيكيّة التي ناصرها فلسفة ونقدًا أدونيس، لاسيّما في عمله الفكري النقدي الأغر “الثابت والمتحوّل” (دار العودة- ط.1. 1973).
 
اللافت في حديث أدونيس عن الإنسان ليس فقط النبرة التفكيكيّة المترجمة من خلال تساؤلات، لا بل التخييل والافتراض والفرضيّة وهي أداة من أدوات العمل العلمي سواء في علم البيولوجيا أو في الرياضيات: “ماذا لو أنّ الإنسان كالماء لا ذاكرة له؟”، تجريد الإنسان من الذاكرة هو إيحاء بالعدميّة، بإلغاء الحضور، نظرة لكون غير منتج لا “يؤرشف” المشاهد والتخييلات والحوارات والأحداث إنسانيًّا، وهو الضدّ الأوّل للسياقات الدينيّة التي أعطت الإنسان المرتبة العليا قياسًا بباقي الكائنات الحيّة.
 
العودة إلى الأصل
على صعيد الفكرة، لم يلجأ أدونيس إلى الابتكار بقدر ما لجأ إلى العودة إلى الأصل، إلى النقاشات الأولى، إلى كسر التشيّؤ الذي بدأ به شعراء قصيدة التفعيلة في أواخر أربعينات القرن الماضي: “كم وردة ذبلتْ حتّى الآن في شريانك أيّها الضوء الباقي؟”، صحيح أنّ الوردة هنا صارت موضع “التجسيم” بيانيًّا ولغويًّا لكنّها تحوّلت إلى رمز قد يشير إلى العمر البشري الآيل للذبول أو إلى الأحداث التي تتبدّل في هذا الكون، أو إلى الأفكار الآيلة إلى المحو بسبب التقدم والتطوّر.
 
يصرّ أدونيس على اعتبار نفسه متعلّمًا لم يتلقّ الكثير من الضوء بالرغم من مطارحاته في شتّى المجالات (الشعر، النقد، الفكر، السياسة، التراث، إلخ…): “نعم يا صديقي القارئ، يكاد عمري أن يقول وداعًا للضوء، ولم أتقن بعد فنّ الاستضاءة”. بالرغم من اقترابه من باب المئة عام، أثبت أنّ الحاجة العقليّة تتطلّب العودة إلى الأساس، الأصالة (بمعنى شقّ المسار الخطابي) بدلًا من التفكير بما ينقص الشعر والخطاب والنصّ من معالجات ونقاشات.
 
بين الشذرة والمقطع
أدونيس يحاول أن يعطي الإنسان معنى آخر لطاقته أو قوّة حضوره: "منذ اليوم الذي رأى فيه الإنسان كيف يبني العنكبوت بيته، لم يتوقّف عن تقليده"
 
أسلوبيًّا، عاد أدونيس إلى المقاربة الفكريّة والشعريّة عبر قالب كتابي  يتراوح بين الشذرة من جهة والمقطع من جهة ثانية، للوهلة الأولى يمكن أن نفهم السبب الرئيسي وراء عدم وضع أدونيس عبارة “شعر” على غلاف الكتاب، لكن مع التقدم في صفحات الكتاب وتحديدًا في القسم الثاني منه، يتجه أدونيس إلى الموازنة بين الدهشة من جهة وبين الفكرة من جهة ثانية.
 
يتفادى أدونيس في مقاطعه المتوسطة التكرار، يتبّع مسار النهر أو السهم الذي يبدأ بكلمة وبالأخص الاسم وينتهي بتكوين مركّب خبريّ أو فكرة يؤمن بها: “النور هو المكان الذي تختاره الفراشة لموتها، والظلمة هي المكان الذي تختاره السماء لموت الإنسان لمن توجّه، إذًا، رسالتك أيّها الضوء؟ وقل لنا قبل كلّ شيء: هل هذا الإنسان – الطين خلق حقًّا على صورة الله؟”، صحيح أن التساؤل يغلب على عدد كبير من السياقات لكنّ وراء كل تساؤل فكرة أو تأويل يحاول أدونيس إيصاله إلى القارئ أو مساعدته على إيجاده.
 
 يمكن الإشارة إلى عودته إلى الصفحة البيضاء التي قد تسبق الولادة أو الموت… مانحًا القصيدة حرّيتها، فتخرج عن سيرتها كنصّ مقفى أو كسياقات محكومة بتفعيلات، أو كقالب نثري مكثف… هي سياقات أقرب إلى نصوص تدافع عن نفسها بالقلق والمجاز والتساؤل.
 
حافظ أدونيس أسلوبيًّا على روح الإيجاز مع التراجع قليلا عن استخدام المجاز كعنصر أو أداة لخدمة السياق مستعينًا بالأسلوب الإنشائي الاستفهامي لإيصال نقده. ما جعل الشعر في هذا الجزء أبعد من الفنيّة المطلقة وأقرب إلى التساؤل والتفكيك والمحاكاة.
 
المصدر: العرب اللندنية