أحداث ثقافية أخرى
بيغ دادي ويلسون في مهرجان الحمامات... البلوز كما يرويه أصحابه
الأسعد محمودي
الخميس 23 تموز 2026

بمجرد أن اعتلى بيغ دادي ويلسون مسرح مهرجان الحمامات الدولي في سهرة الثلاثاء 21 يوليو، بدا أن السهرة لن تكون مجرد استعراض لروائع البلوز. وقف الفنان الأميركي أمام جمهوره بابتسامته الهادئة، ورحب بالحاضرين قبل أن يخبرهم بأنه سيقدم مقطوعات من ألبومه الجديد "Smiling All Day Long"، مضيفا أنه يتمنى أن يعود كل من في المسرح إلى منزله مبتسما. كانت تلك أول إشارة إلى طبيعة الأمسية وهي سهرة قوامها القرب من الجمهور بقدر ما تقوم على الموسيقى.
 
جاء الحفل في إطار جولته "Back To The Roots" التي يعود فيها إلى الجذور الأولى للبلوز والسول والفولك الأميركي، وهي موسيقى تشكلت في الحقول والكنائس والنوادي الشعبية قبل أن تعبر العالم. وعلى امتداد العرض، بدا ويلسون حريصا على أن يضع كل أغنية في سياقها، وكأنه يدعو الجمهور إلى التعرف إلى الحكاية قبل الإصغاء إلى اللحن.
 
وكان حضوره فوق الركح امتدادا لهذا العالم. فقد ظهر ببدلة داكنة أنيقة وقميص أبيض، تعلو رأسه قبعة عريضة تخفي جزءا من ملامحه، بينما أضفت نظارته السوداء على إطلالته شيئا من الوقار الذي يميز كثيرين من فناني البلوز المخضرمين. لم يكن كثير الحركة لكنه لم يكن في حاجة إلى ذلك، فقد ترك لصوته ونبرة حديثه أن يقودا السهرة.
 
افتتح العرض بأغنية من التراث القديم لعمال السكك الحديدية، ثم قال للحضور إن البلوز يعني أن تروي الحقيقة. ومن تلك اللحظة، صار واضحا أن كل أغنية تحمل جزءا من سيرته أو من ذاكرة المكان الذي جاء منه.
 
قبل أداء "She Don't Love Me No More"، حكى عن رجل عاد إلى منزله ليجد أغراضه ملقاة خارج الباب بعدما أنهت المرأة التي يحبها علاقتهما. روى القصة بابتسامة فضحك الجمهور، ثم جاءت الأغنية لتمنح تلك الحكاية إيقاعا آخر امتزجت فيه الخيبة بالمرح، وهي واحدة من السمات التي حافظ عليها البلوز عبر تاريخه.
 
وبعدها خفت الإيقاع قليلا مع "He Cares for You"، وهي أغنية حملت رسالة بسيطة عن الإيمان والرجاء. تحدث ويلسون عنها كما لو كان يشارك الحاضرين قناعة شخصية تشكلت عبر سنوات طويلة، فبدت الكلمات صادقة وخالية من أي تكلف. وقال إن "البشر قد يتخلون عنا أحيانا أما الله فيظل يرعى الجميع". خرجت الكلمات ببساطتها المعتادة، من دون وعظ أو خطابة كأنها حديث بين صديقين أكثر منها رسالة من فنان إلى جمهوره.
 
ولم يخل العرض من الطرافة. فقد اصطحب الجمهور إلى أوستن بولاية تكساس، مستعيدا أول زيارة له إلى أحد نوادي البلوز عندما كان في الـ19 من عمره. وروى كيف لفتت انتباهه امرأة بدينة سيطرت بثقتها وحضورها على قاعة الرقص، قبل أن يدعو فرقته إلى أداء "Texas Boogie". ومع تصاعد الإيقاع، تجاوب الجمهور بالتصفيق ومجاراة الموسيقى.
 
واستحضر ويلسون أيضا ذكرى تعود إلى سنوات الدراسة الثانوية، حين كانت شقيقته الكبرى ترافق صديقتها جوزفين، الفتاة التي كان يكتفي بالنظر إليها من بعيد. وبعد سنوات طويلة، تحولت تلك الذكرى إلى أغنية "Hello Josephine" التي أعاد من خلالها إحياء صورة ظلت عالقة في ذاكرته.
 
وفي ختام السهرة، عاد إلى جذوره في كارولاينا الشمالية، وقدم نفسه على أنه "ولد ريفي"، قبل أن يمازح النساء الحاضرات قائلا إن من تبحث عن رجل صالح عليها أن تذهب إلى الريف، حيث ما يزال هناك رجال يعرفون معنى الاحترام والوفاء. قوبلت كلماته بضحكات وتصفيق، بينما واصلت الفرقة عزفها في أجواء اتسمت بالدفء والألفة.
 
لقد كان كل من تابع بيغ دادي ويلسون على ركح مهرجان الحمامات الدولي يدرك سريعا أن الأغنية ليست سوى نصف العرض. أما النصف الآخر فتملؤه الحكايات عن الحب والخذلان والعمل والإيمان والشباب والناس الذين التقاهم في محطات حياته. لذلك لا تبدو موسيقاه منفصلة عن سيرته ولا سيرته منفصلة عن البلوز الذي نشأ عليه في الجنوب الأمريكي وحمله معه إلى مسارح العالم.
 
لم يكن بيغ دادي ويلسون منشغلا بإبهار الجمهور بحركات استعراضية أو مؤثرات بصرية. فقد راهن طوال السهرة على عنصر آخر ظل ملازما لمسيرته الفنية وهو الصدق. كان يغني ثم يتوقف ليتحدث ثم يعود إلى الغناء مجددا، وكأن الأغاني امتداد طبيعي للكلام أو أن الكلام هو الوجه الآخر للموسيقى. لذلك خرج جمهور الحمامات بانطباع أن البلوز، في هذه السهرة، لم يكن مجرد لون موسيقي بقدر ما كان طريقة لرواية الحياة بكل ما فيها من حب وحنين وخيبات وأمل.