أحداث ثقافية أخرى
البندقية.. حين تتراجع هوليوود تتقدم السياسة
العرب اللندنية
الأربعاء 2 أيلول 2026

يفتح مهرجان البندقية السينمائي دورته الجديدة في ظل مفارقة لافتة: هوليوود تتراجع، والسياسة تتقدم.
 
فعلى الرغم من أن أقدم مهرجان سينمائي في العالم ظل لسنوات منصة أساسية لعرض أبرز إنتاجات الاستوديوهات الأمريكية والأفلام المرشحة لجوائز الأوسكار، فإن دورة هذا العام تشهد غياباً واسعاً لأعمال هوليوودية كبيرة، في انعكاس لأزمة تعيشها صناعة السينما الأمريكية أكثر مما تعكس تحولاً في مكانة المهرجان.
 
وفي المقابل، يدخل عدد أكبر من الأفلام إلى المسابقة محملاً بأسئلة العالم المضطرب: الحرب في غزة، الغزو الروسي لأوكرانيا، الهجرة، تغير المناخ، صعود أصحاب الثروات الضخمة، وأزمات الديمقراطية. وكأن البندقية تستعد هذا العام لأن تكون قاعة عرض لأزمات السياسة العالمية بقدر ما هي مهرجان للسينما.
 
وقال مدير المهرجان ألبرتو باربيرا إن هوليوود تواجه «أزمة ضخمة»، مشيراً إلى أن الاستوديوهات تنتج عدداً أقل من الأفلام بميزانيات أعلى، فيما يحقق بعضها نجاحاً كبيراً ويتحول بعضها الآخر إلى كوارث تجارية.
 
لا يرتبط غياب هوليوود برفض الاستوديوهات للسينما السياسية بالضرورة، وإنما بحسابات اقتصادية أصبحت أكثر صرامة.
 
فالاستوديوهات تنتج أفلاماً أقل، وتنفق عليها مبالغ أكبر، ثم تواجه مخاطرة تجارية مرتفعة إذا فشلت تلك الأعمال في شباك التذاكر. ويضيف عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان دولي كالبندقية تكاليف إضافية مرتبطة بالترويج والسفر والسجادة الحمراء، فضلاً عن خطر تعرض العمل لنقد مبكر يمكن أن يؤثر في فرصه التجارية.
 
وبذلك، يفضل بعض المنتجين الانتظار حتى يقترب موعد العرض التجاري بدلاً من المخاطرة بعرض الفيلم أمام نقاد ومتابعين دوليين قبل وصوله إلى الجمهور.
 
لكن هذه الحسابات تترك فراغاً في مهرجان كان أو البندقية، وتمنح في المقابل مساحة أكبر للأفلام المستقلة والوثائقية والأعمال التي تنطلق من قضايا سياسية واجتماعية مباشرة.
 
يبدو البرنامج الجديد وكأنه انعكاس مباشر للعالم خارج قاعات السينما.
 
فالحرب في غزة تحتل موقعاً بارزاً من خلال أعمال تتناول الخسائر البشرية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بينما تستحضر أفلام أخرى الحرب الروسية الأوكرانية والهجرة والسياسات الحدودية الأمريكية.
 
ويعرض المهرجان فيلم «نازا»، الذي يتناول مقتل مدنيين فلسطينيين، وأخرجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل سور. كما يشارك فيلم «ذير آر هير» للمخرجتين لورا بويتراس وراشيل لورين مولر، ويتناول ملاحقة سلطات الهجرة الأمريكية للمهاجرين في مينيسوتا.
 
وقال باربيرا إن المهرجان اختار أربعة أعمال تتناول الوضع في إسرائيل وغزة والقضية الفلسطينية، في إشارة إلى أن القضية ستحتل مساحة واضحة في هذه الدورة.
 
المهرجان لا يريد تحويل نفسه إلى منصة سياسية، وإنما لأن السياسة أصبحت حاضرة بقوة في القصص التي يريد المخرجون روايتها
 
وهكذا، لا تظهر السياسة هذه المرة في خلفية المشهد، وإنما تدخل إلى المسابقة من مركزها.
 
الأكثر لفتاً في هذه الدورة لا يتمثل فقط في تزايد الأفلام السياسية، وإنما في الصعود الواضح للفيلم الوثائقي.
 
فمن بين نحو 4500 عمل شاهدها فريق المهرجان، لاحظ المنظمون ارتفاعاً في مستوى الأفلام الوثائقية وتنوع القضايا التي تطرحها.
 
ويبرز ضمن البرنامج فيلم وثائقي طويل عن إيلون ماسك للمخرج أليكس جيبني، إلى جانب أعمال تتناول الهجرة والحروب وتحولات المجتمعات.
 
ويعكس هذا الاتجاه تغيراً في موقع الوثائقي داخل صناعة السينما. فلم يعد الفيلم الوثائقي مجرد عمل هامشي يعرض على جمهور محدود، وإنما أصبح وسيلة أساسية لتوثيق الأحداث ومساءلة السلطة وملاحقة التحولات الاجتماعية.
 
ولذلك وجد مهرجان البندقية نفسه أمام خيار واضح: إذا كان العالم ينتج مزيداً من الأزمات، فإن السينما تنتج بدورها مزيداً من الأفلام التي تحاول تفسيرها.
 
لكن تراجع هوليوود لا يعني أن البندقية ستخلو من النجوم، إذ يحضر جورج كلوني وإلين بورستين لتكريمهما عن مجمل أعمالهما، كما يتوقع وصول أسماء كبيرة بينها روبرت باتينسون وبينيلوبي كروز وخافيير بارديم وجون مالكوفيتش ورووني مارا.
 
كما يشارك ليام ونول غالاغر في العرض الأول لفيلم وثائقي عن فرقة «أويسس» وعودتها إلى العمل معاً.
 
وعلى مستوى المخرجين، يحافظ المهرجان على مكانته عبر مشاركة أسماء بارزة مثل داني بويل ومارتن ماكدونا وفلوريان زيلر وفيرنر هيرتسوج، ما يعني أن المشكلة ليست في غياب السينما الكبرى، وإنما في تغير مصدرها وطبيعة موضوعاتها.
 
ويفتتح داني بويل المهرجان بفيلم يتناول استحواذ روبرت مردوخ على صحيفة «ذا صن» البريطانية عام 1969، في عمل يمزج تاريخ الإعلام بالسياسة وصعود إمبراطورية إعلامية غيرت المشهد العالمي.
 
وتكشف هذه الدورة تحولاً أوسع في علاقة السينما بالعالم.
 
فعندما كانت الصناعة الأمريكية في ذروة قوتها، احتلت أفلام الترفيه والمغامرة والقصص الكبرى مساحة واسعة من الواجهة العالمية. أما اليوم، فتجد أفلام الحرب والهجرة والاستقطاب الاجتماعي وصعود المليارديرات وأزمة الديمقراطية طريقها بشكل متزايد إلى المهرجانات الدولية.
 
وقد لا يكون ذلك تحولاً أيديولوجياً بقدر ما يمثل استجابة لواقع لا يمكن لصناع الأفلام تجاهله.
 
فالحروب أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، والهجرة تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية، ووسائل التواصل غيرت علاقة الجمهور بالسلطة، بينما أعاد صعود المليارديرات تشكيل النقاش حول الثروة والنفوذ والديمقراطية.
 
ومن الطبيعي أن تنتقل هذه الأسئلة إلى الشاشة.
 
لهذا، قد تمنح أزمة هوليوود مهرجان البندقية فرصة لإعادة تعريف دوره.
 
فالمهرجان الذي كان يستفيد من حضور النجوم وأفلام الاستوديوهات يستطيع اليوم أن يثبت أن أهميته لا تعتمد بالكامل على المنتج الأمريكي، وأن السينما العالمية قادرة على ملء الفراغ بأعمال أكثر جرأة في تناول القضايا الكبرى.
 
وتصبح البندقية، في هذا السياق، مساحة يلتقي فيها الفن بالسياسة، لا لأن المهرجان يريد تحويل نفسه إلى منصة سياسية، وإنما لأن السياسة أصبحت حاضرة بقوة في القصص التي يريد المخرجون روايتها.
 
ومن غزة إلى أوكرانيا، ومن الهجرة إلى أزمة الديمقراطية، تبدو السينما وكأنها تحاول الإجابة عن أسئلة تعجز السياسة نفسها عن حسمها.
 
وهنا تكمن مفارقة الدورة الجديدة: غياب هوليوود قد يحرم البندقية من بعض بريقها التجاري، لكنه يمنحها شيئاً آخر ربما يكون أكثر أهمية؛ فرصة لأن تكون مرآة لعالم مضطرب، وأن تجعل السينما مرة أخرى وسيلة لفهم ما يجري خارج الشاشة.