أحداث ثقافية أخرى
هل تغزو المسلسلات القصيرة الشاشات العربية؟
العرب اللندنية
الإثنين 31 آب 2026

لم تعد الشاشة الصغيرة مجرد نافذة لمقاطع عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تتحول الهواتف الذكية تدريجياً إلى منصة لصناعة نوع جديد من الدراما، يقوم على حلقات فائقة القصر، ومشاهد مصوّرة عمودياً، وإيقاع سريع لا يمنح المشاهد فرصة كبيرة للابتعاد عن الشاشة.
 
هذا هو عالم الدراما القصيرة أو «الميكرو دراما»، أحد أسرع قطاعات الترفيه الرقمي نمواً في العالم، والذي بدأ يلفت أنظار شركات الإنتاج والمنصات الكبرى ونجوم الصناعة الفنية، بعدما أثبت أن الجمهور مستعد لمتابعة قصة درامية كاملة، ليس على شاشة التلفزيون أو منصة البث التقليدية، بل خلال دقائق متفرقة عبر الهاتف المحمول.
 
وانطلق النموذج بقوة من الصين، قبل أن يتمدد إلى الولايات المتحدة وأسواق أخرى، مع ظهور تطبيقات متخصصة مثل ReelShort وDramaBox وGoodShort وغيرها. وتعتمد الفكرة على حلقات قد لا تتجاوز الدقيقة أو الدقيقتين في بعض الأحيان، تنتهي غالباً بلحظة تشويق تدفع المشاهد إلى الانتقال فوراً إلى الحلقة التالية.
 
وتكشف الأرقام حجم التحول الذي يشهده هذا القطاع. فبحسب بيانات حديثة نشرتها Sensor Tower، تجاوزت تنزيلات تطبيقات الدراما القصيرة عالمياً 850 مليون تنزيل خلال الربع الأول من عام 2026، فيما بلغت إيرادات المشتريات داخل التطبيقات نحو 750 مليون دولار خلال الفترة نفسها.
 
كما تشير تقارير أخرى إلى أن زخم هذا النوع من المحتوى لم يعد مقتصراً على سوق واحدة، بل أصبح صناعة عالمية تتسارع وتيرتها مع انتقال الإنتاج إلى الولايات المتحدة وتزايد اهتمام شركات الإعلام والترفيه الكبرى. وقد دخلت شركات واستوديوهات مرتبطة بصناعة التلفزيون التقليدية إلى هذا المجال، في محاولة للاستفادة من جمهور الهاتف المحمول الذي بات يستهلك المحتوى بطريقة مختلفة تماماً.
 
الاختلاف الحقيقي بين الدراما التقليدية والدراما العمودية لا يكمن فقط في قصر مدة الحلقة، بل في طريقة التفكير في القصة نفسها.
 
فالمشهد هنا مصمم لشاشة عمودية، والشخصيات تتحرك داخل مساحة بصرية ضيقة، بينما يبدأ الصراع بسرعة، وتتوالى المفاجآت بوتيرة عالية. الرومانسية والخيانة والانتقام والصراعات العائلية وقصص الصعود الاجتماعي تمثل بعض أكثر الوصفات انتشاراً، لأن هذا النموذج يعتمد بصورة كبيرة على الإثارة العاطفية و«النهاية المعلقة».
 
إنها، بصورة ما، دراما مصممة لعصر التمرير السريع.
 
وبينما يحتاج المسلسل التلفزيوني التقليدي إلى حلقة تمتد بين 40 و50 دقيقة، تستطيع الدراما القصيرة تقديم عشرات الحلقات خلال فترة زمنية محدودة، ما يسمح للمشاهد باستهلاك القصة أثناء التنقل أو الانتظار أو الاستراحة.
 
وقد بدأ هذا النموذج في الاقتراب من مستويات مرتفعة من التفاعل اليومي. ووفق بيانات Sensor Tower، بلغ متوسط الوقت اليومي الذي يقضيه المستخدمون في تطبيقات الدراما القصيرة نحو 25 دقيقة عالمياً بحلول أبريل/نيسان 2026، مع استمرار نمو معدلات التفاعل.
 
المشهد مصمم لشاشة عمودية، والشخصيات تتحرك داخل مساحة بصرية ضيقة، بينما يبدأ الصراع بسرعة، وتتوالى المفاجآت بوتيرة عالية
 
وهنا تبرز الفرصة العربية. فبيانات تقرير صادر عن Adjust حول تطبيقات الدراما القصيرة أظهرت أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سجلت نمواً قوياً في تبني هذا النوع من التطبيقات، مع ارتفاع التنزيلات بنسبة 323% على أساس سنوي في الربع الأول من 2026، وفق مؤشرات التقرير.
 
وهذا الرقم مهم، لأنه يشير إلى وجود جمهور إقليمي بدأ بالفعل التعرف إلى النموذج، حتى لو كان جزء كبير من المحتوى المتاح له لا يزال أجنبياً أو مترجماً.
 
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: أين الدراما العربية من هذه الموجة؟
 
فالمنطقة تمتلك جميع العناصر التي يمكن أن تجعل التجربة قابلة للنجاح: جمهور شاب واسع الاستخدام للهواتف الذكية، وانتشار هائل لمنصات الفيديو القصير، وصناعة درامية تمتلك تاريخاً طويلاً من القصص الاجتماعية والرومانسية والكوميدية.
 
بل إن بعض أكثر العناصر نجاحاً في الدراما العربية التقليدية تبدو مناسبة أصلاً لهذا النوع من الإنتاج: الصراعات العائلية، العلاقات العاطفية، المفاجآت، الكوميديا اليومية، والقصص الاجتماعية المكثفة.
 
فرصة لصناعة أقل كلفة؟
 
قد يكون الجانب الاقتصادي أحد أهم دوافع انتقال التجربة إلى العالم العربي.
 
فالدراما العمودية لا تحتاج، بالضرورة، إلى الميزانيات الضخمة التي تتطلبها الأعمال التلفزيونية التقليدية، كما أن سرعة الإنتاج قد تسمح لشركات صغيرة ومنتجين مستقلين بدخول السوق.
 
لكن انخفاض الكلفة لا يعني بالضرورة انخفاض الجودة.
 
التحدي الحقيقي سيكون في إيجاد لغة درامية عربية خاصة، بدلاً من مجرد استنساخ القصص الناجحة في الأسواق الآسيوية أو الغربية. فالجمهور العربي، رغم انجذابه إلى المحتوى السريع، يمتلك خصوصيات ثقافية ولهجات وأساليب سرد مختلفة بين الخليج ومصر وبلاد الشام والمغرب العربي.
 
وهنا يمكن أن تتحول الدراما القصيرة إلى فرصة لظهور مواهب جديدة من الممثلين والكتاب والمخرجين، تماماً كما فتحت منصات التواصل الاجتماعي الباب أمام صناع محتوى لم يكن الوصول إلى التلفزيون التقليدي متاحاً لهم بسهولة.
 
التحول قد لا يعني نهاية المسلسل التلفزيوني الطويل، بل ظهور سوق موازية له.
 
فكما لم يقضِ الفيديو القصير على السينما، ولم تنه منصات البث التلفزيون، يمكن للدراما العمودية أن تصبح شكلاً جديداً من أشكال الترفيه، له جمهوره وإيقاعه وقواعده الخاصة.
 
وتتجه شركات عالمية بالفعل إلى التعامل مع هذا القطاع باعتباره أكثر من مجرد موضة عابرة، في ظل دخول شركات إعلامية كبرى وارتفاع حجم الاستثمار والإنتاج فيه.
 
لكن النجاح العربي سيبقى مرتبطاً بسؤال أساسي: هل ستتعامل شركات الإنتاج مع الدراما القصيرة باعتبارها مجرد مقاطع لـ«السوشيال ميديا»، أم باعتبارها نوعاً فنياً جديداً يحتاج إلى كتابة وإخراج وإنتاج خاص؟
 
ربما تكون أصعب مهمة أمام صناع الدراما العرب هي إعادة التفكير في مفهوم الحلقة نفسها.
 
كيف يمكن تقديم شخصية وصراع ومفاجأة في دقيقة واحدة؟ وكيف يمكن الحفاظ على جودة القصة من دون الوقوع في المبالغة والتكرار؟
 
إنها معادلة صعبة، لكنها قد تكون أيضاً فرصة لتجديد اللغة الدرامية العربية.
 
فالجمهور لم يعد ينتظر دائماً موعد عرض مسلسل على شاشة التلفزيون. الهاتف أصبح الشاشة الأقرب إليه، ومنصات التواصل أعادت تشكيل عاداته، بينما تفرض السرعة نفسها على صناعة الترفيه.
 
ومن هنا، تبدو الدراما العمودية مرشحة لأن تكون إحدى محطات التحول المقبلة في العالم العربي.
 
فبعد أن انتقلت من ظاهرة صينية إلى صناعة عالمية سريعة النمو، بدأت المؤشرات تظهر على أن أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليست بعيدة عن الموجة.
 
ويبقى السؤال: من سيكون أول من ينجح في تحويل الهاتف المحمول إلى منصة حقيقية لنجوم الدراما العربية؟
 
قد لا يستغرق الأمر سنوات طويلة لمعرفة الإجابة، لأن قواعد اللعبة الجديدة تقوم، في النهاية، على شيء واحد: قصة تخطف المشاهد… قبل أن يمرر إصبعه إلى الفيديو التالي.