أحداث ثقافية أخرى
صيدا في تحية وفاء لزياد الرحباني
محمد دهشة
الإثنين 10 آب 2026

لم تكن صيدا، في وقفتها التكريمية للفنان والمبدع الراحل زياد الرحباني، تستعيد ذكرى فنان غاب، بقدر ما كانت تستحضر حضورًا ما زال حيًّا في الذاكرة اللبنانية، من خلال الموسيقى والمسرح والكلمة والموقف. ومن "مركز معروف سعد الثقافي"، جاءت احتفالية "لأوّل مرّة… ما منكون سوا"، لتشكّل تحية وفاء من المدينة إلى صاحب تجربة فنية وفكرية استثنائية، تركت أثرًا عميقًا في الحياة الثقافية والفنية اللبنانية والعربية.
 
الغياب الذي فرضه رحيل زياد الرحباني لم يكن مجرد غياب فنان، إذ إن تجربته تجاوزت حدود التلحين والموسيقى والمسرح، لتصبح جزءًا من الذاكرة العامة للبنانيين، وصوتًا التقط تفاصيل الحياة اليومية، وعبّر عن أسئلة الناس وهواجسهم وتناقضاتهم، وجعل من الفن مساحة للنقد والتأمل وطرح الأسئلة.
 
وقد حضر الاحتفالية الأمين العام لـ "التنظيم الشعبي الناصري" النائب أسامة سعد، إلى جانب حشد من الشخصيات الثقافية والفنية والاجتماعية والإعلامية والمهتمين بالشأن الثقافي والفني، فضلا عن جمهور من محبّي الرحباني الذين حضروا لاستعادة جانب من تجربته والوقوف أمام إرثه الفني والإنساني.
 
وفي كلمة الافتتاح، قال المسرحي خليل إبراهيم المتبولي إن اللقاء لا يأتي لاستعادة اسم غاب، بل للاحتفاء بمبدع بقي حاضرًا في وجدان الناس من خلال أعماله وإرثه الفني. وأشار إلى أن الرحباني لم يكن مجرد موسيقي أو كاتب أو ملحّن أو مخرج، بل مثّل تجربة فنية وفكرية متكاملة، جعلت من الفن وسيلة للتعبير عن قضايا الإنسان وهمومه، ومن الكلمة والموسيقى والمسرح أدوات للوعي وطرح الأسئلة.
 
ولم يأت عنوان الاحتفالية "لأوّل مرّة… ما منكون سوا" عابرًا؛ فهو يستحضر ألم الغياب بلغة زياد نفسها، ويضع الحضور أمام حقيقة الفقد من جهة، وأمام استحالة غياب المبدع الحقيقي من جهة أخرى. وفي هذا السياق، دعا المتبولي الحضور، إلى زيارة المعرض الأرشيفي الذي يحمل العنوان نفسه، ويضم بوسترات وصورًا توثّق محطات من مسيرة زياد الرحباني، وإلى مشاهدة الفيلم الوثائقي "هدوء نسبي"، الذي يتناول تجربته الإنسانية والفنية والفكرية.
 
صُور ووثائق
 
ثم افتُتح معرض أرشيفي خاص بزياد الرحباني من أرشيف حسين معاز، ضمّ مجموعة من المواد والصور التي توثّق محطات بارزة من مسيرته الفنية والمسرحية والموسيقية، وتستعيد جوانب من تجربته وحضوره في المشهد الثقافي والفني اللبناني.
 
وتوزّعت في أرجاء المعرض صور ومواد أرشيفية تستعيد مراحل مختلفة من مسيرة الرحباني، فيما شكّل الرسم الحي للفنان أحمد السيّد إضافة فنية إلى المشهد، ليجتمع في المكان أرشيف الصورة مع التعبير التشكيلي، في تحية بصريّة لفنان شكّل حضوره علامة فارقة في الثقافة اللبنانية.
 
وجال الحاضرون في المعرض، مطّلعين على محتوياته وما يختزنه من مواد تستعيد جانبًا من الإرث الذي تركه زياد الرحباني، وتحوّل الذاكرة من مجرد استعادة للماضي إلى مساحة للتأمل في تجربة لا تزال حاضرة في وجدان جمهورها. كما عُرض خلال الاحتفالية فيلم قصير من إعداد وإخراج علي الإبريق، حمل تحية من "مركز معروف سعد الثقافي" إلى الفنان الراحل زياد الرحباني، قبل عرض الفيلم الوثائقي "هدوء نسبي"، من إنتاج "النجدة الشعبية اللبنانية". وشكّل الفيلم محطة إضافية في استعادة تجربة زياد الرحباني من خلال الصورة والوثيقة والذاكرة، وإضاءة جوانب من مسيرته الإنسانية والفنية والفكرية.
 
وهكذا جاءت احتفالية "لأوّل مرّة… ما منكون سوا" تحية وفاء من صيدا إلى زياد الرحباني، واستعادة لحضور فنان حمل في أعماله هموم الناس وأسئلتهم وقضاياهم، ونجح في تحويل المسرح والموسيقى والكلمة إلى مرآة للحياة اللبنانية.
 
 
المصدر: نداء الوطن