«قاطع قاوم»: لا منطقة رمادية بين الضحية والجلّاد
جريدة الأخبار
الجمعة 7 آب 2026
لم تعد المقاطعة الثقافية ترفاً ولا خياراً مؤجّلاً، بل مسؤولية أخلاقية في مواجهة كل من يسهم في إخفاء جرائم الاحتلال. ومن هذا المنطلق، تفتح مبادرة «قاطع قاوم – لبنان» نقاشاً حول حدود المقاطعة السينمائية، داعيةً إلى موقف أكثر وضوحاً في مواجهة داعمي إسرائيل داخل صناعة السينما العالمية
أطلقت مبادرة «قاطع قاوم – لبنان» بياناً موجّهاً إلى صالات السينما ومتعهّدي الأفلام في لبنان والعالم العربي، دعت فيه إلى تشديد المقاطعة الثقافية والسينمائية للجهات الداعمة لإسرائيل، معتبرة أن المقاطعة لم تعد «خياراً سياسياً أو موقفاً مزاجياً»، بل «واجباً أخلاقياً ووطنياً» في ظل الحرب المستمرة على غزة والتصعيد في لبنان والمنطقة. وفي الوقت نفسه، فتح البيان نقاشاً جديداً حول كيفية التعامل مع الأعمال السينمائية التي تجمع بين شخصيات معروفة بدعمها لإسرائيل وأخرى تتبنّى مواقف مؤيدة للفلسطينيين.
فيلم واحد... ومواقف متناقضة
رأت المبادرة أنّ المشهد الثقافي العالمي تبدّل جذرياً منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، معتبرة أنّ المرحلة الحالية لم تعد تحتمل «المنطقة الرمادية»، بعدما بات الاصطفاف واضحاً بين من يرفض ما يجري في غزة ومن يبرّره أو يتواطأ معه. وأضافت أن الأعمال الفنية أو المؤسسات الثقافية التي تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في «تبييض الجرائم» أو منحها غطاءً ثقافياً، تتحمّل مسؤوليةً أخلاقية، حتى وإن لم تكن إسرائيلية الهوية.
ولإيضاح هذه الإشكالية، استشهد البيان بفيلم Spider-Man Brand New Day، الذي يجمع في فريق إنتاجه أسماءً مثل آفي أراد وكيفن فيغي وآيمي باسكال، إلى جانب شركتي Marvel Studios وColumbia Pictures، فيما يضم طاقم التمثيل توم هولاند وزندايا وسادي سينك وجاكوب باتالون وجون بيرنثال ومارك روفالو.
تواجه أفلام إسرائيلية صعوبات متزايدة في المشاركة في مهرجانات دولية
واعتبرت المبادرة أنّ الإشكالية لا تكمن في الفيلم بحدّ ذاته، بل في تضارب المواقف داخل فريقه، إذ يضم شخصيات سبق أن عبّرت عن دعمها لإسرائيل، في مقابل فنانين أعلنوا عن مواقف مؤيدة للفلسطينيين أو منتقدة للحرب على غزة.
وأشار البيان إلى أن الممثل الأميركي مارك روفالو وصف ما يجري في غزة بأنه «إبادة»، وواصل خلال الأشهر الماضية دعواته إلى وقف الحرب. كما لفت إلى أنّ زندايا نشرت عبر حسابها الرسمي على «إنستغرام» رابطاً للتبرع لصالح صندوق إغاثة أطفال فلسطين، بينما اختارت الممثلة سادي سينك، خلال مقابلة مع مجلة New York Magazine، الإشادة بخطاب للممثلة هانا أينبايندر الذي اختُتم بعبارة «الحرية لفلسطين».
وانطلاقاً من هذه الوقائع، قالت المبادرة إنها تواجه، للمرة الثانية، معضلة تتعلق بحدود المقاطعة الثقافية، متسائلة: إذا كان من الواجب الدعوة إلى مقاطعة الأفلام التي تنتجها شركات أو يشارك في إنتاجها أفراد يدعمون إسرائيل، فهل ينبغي أن تمتد المقاطعة أيضاً إلى العاملين في الفيلم نفسه الذين يمثلون، في المقابل، أصواتاً مناصرة للحقوق الفلسطينية داخل هوليوود؟
ثلاث رسائل إلى الصالات والعاملين في القطاع
في هذا السياق، وجّهت «قاطع قاوم – لبنان» ثلاث رسائل أساسية. الأولى خُصّصت لصالات السينما ومتعهّدي الأفلام، داعية إياهم إلى مراجعة خلفيات الإنتاج والتمويل، وكذلك المواقف العلنية للشركات والأفراد المشاركين في أي عمل سينمائي قبل اتخاذ قرار عرضه. واعتبرت أن دور الصالات لا يقتصر على توفير مساحة للعرض، بل يمتد إلى تحمّل مسؤولية أخلاقية تجاه الجمهور، مشيرة إلى أن عرض أعمال «تمرّ عبر شبكة متواطئة مع الإبادة» يضعها خارج موقع الحياد.
كما أشار البيان إلى أن أكثر من 5500 عامل في القطاع السينمائي حول العالم أعلنوا التزامهم بمقاطعة السينما الإسرائيلية، في وقت تواجه فيه أفلام إسرائيلية صعوبات متزايدة في المشاركة في مهرجانات دولية أو إيجاد منصات للعرض.
أمّا الرسالة الثانية، فكانت موجّهة إلى العاملين في السينما العالمية و«حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات» (BDS)، إذ دعت المبادرة إلى توسيع مفهوم المقاطعة ليشمل أيضاً الشخصيات الداعمة لإسرائيل، وليس المؤسسات الإسرائيلية وحدها، معتبرة أنّ التحوّلات السياسية والثقافية الراهنة تفرض إعادة النظر في آليات المقاطعة التقليدية.
دعوة إلى نقاش عربي حول أخلاقيات المقاطعة
في رسالتها الثالثة، دعت المبادرة العاملين في الحقل الثقافي العربي، وكل المؤمنين بالمقاطعة الثقافية، إلى فتح نقاش واسع حول هذه الحالات المركبة، سعياً إلى بلورة معايير أخلاقية واضحة للتعامل مع الإنتاجات الفنية التي تتداخل فيها المواقف السياسية المتناقضة.
وأكّدت المبادرة أنّ الهدف ليس مقاطعة الفن بحدّ ذاته، بل منع استخدامه «غطاءً لتبييض الجرائم»، والحفاظ على دوره بوصفه مساحة للدفاع عن العدالة ومقاومة الظلم. كما شدّدت على أن النقاش لا يقتصر على فيلم بعينه، بل يطاول آليات التعاطي مع صناعة سينمائية عالمية تتشابك فيها المصالح التجارية والمواقف السياسية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى ربط الموقف الثقافي بالمسؤولية الأخلاقية تجاه القضايا الإنسانية.