أحداث ثقافية أخرى
"نجوم الأمل والألم".. فيلم لبناني يصنع من الهامش بطلا ويتوج بجائزتين في عمّان
العرب اللندنية
الأربعاء 5 آب 2026

اختتمت الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي فعالياتها بمنح فيلم "نجوم الأمل والألم" للمخرج اللبناني سيريل عريس جائزة "السوسنة السوداء" لأفضل فيلم روائي عربي، في تتويج يؤكد المكانة التي باتت تحتلها السينما اللبنانية الجديدة في المشهد العربي، ويكرّس في الوقت نفسه حضور الأفلام التي تنحاز إلى الإنسان العادي، وتستمد قوتها من الحكايات اليومية أكثر من رهانها على الاستعراض البصري أو الحبكات التقليدية.
 
ولم يكتف الفيلم بالجائزة الكبرى، بل حصد أيضاً جائزة الجمهور، في مؤشر على قدرته على بناء علاقة مباشرة مع المتفرج، وهي معادلة لا تحققها إلا الأعمال التي تنجح في الجمع بين الرؤية الفنية والبعد الإنساني.
 
للصورة إيقاعها
 
ويبدو "نجوم الأمل والألم" امتداداً للسينما التي يشتغل عليها المخرج سيريل عريس، حيث تتقدم الشخصيات المهمشة إلى واجهة السرد، ويصبح الواقع اليومي مادة درامية تكشف هشاشة الإنسان وقدرته في الوقت ذاته على مقاومة الظروف القاسية. فالعنوان نفسه يختزل المفارقة التي يبني عليها الفيلم عالمه؛ إذ يقيم حواراً دائماً بين الأمل بوصفه قوة تدفع الشخصيات إلى الاستمرار، والألم باعتباره الوجه الآخر للحياة في مجتمعات تعيش أزمات متلاحقة.
 
ولا يراهن الفيلم على البطولة الفردية بقدر ما يشتغل على البطولة الجماعية، حيث تتحول الشخصيات إلى مرايا لواقع اجتماعي أوسع، وتصبح التفاصيل الصغيرة وسيلة لقراءة التحولات النفسية والاقتصادية التي يعيشها الإنسان العربي. ومن خلال هذا البناء، يبتعد العمل عن الميلودراما المباشرة، مفضلاً لغة سينمائية هادئة تمنح للصورة والإيقاع مساحة للتعبير عن المعنى، وتترك للمشاهد حرية تأويل الأحداث.
 
ويعزز هذا المنحى الأداء الذي قدمه الممثل حسن عقيل، والذي توج بجائزة أفضل أداء لممثل في دور رئيسي. ويعكس هذا التتويج الدور المحوري الذي يؤديه الأداء التمثيلي في الفيلم، حيث يقوم على التعبير الداخلي والانفعالات الدقيقة أكثر من الخطابة أو المبالغة، بما ينسجم مع طبيعة العمل الواقعية.
 
وفي المقابل، سجلت السينما التونسية حضورها في قائمة الفائزين عبر تتويج آية بلاغي بجائزة أفضل أداء لممثلة في دور رئيسي عن فيلم "وين ياخذنا الريح" للمخرجة آمال قلاتي، في تأكيد جديد على الحضور اللافت للممثلات التونسيات في المهرجانات العربية والدولية، وعلى استمرار السينما التونسية في تقديم أعمال تستند إلى الأداء التمثيلي بوصفه أحد أهم عناصرها الجمالية.
 
كما منحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصة للفيلم العراقي "مملكة القصب" للمخرج حسن هادي، وهو عمل يواصل بدوره اهتمام السينما العراقية بتقديم قراءات بصرية للواقع الاجتماعي والسياسي، بينما ذهبت جائزة أفضل سيناريو أول إلى الكاتب المصري محمد رشاد عن فيلم "المستعمرة"، في إشارة إلى اهتمام المهرجان بالأصوات السينمائية الجديدة وبالكتابة التي تقدم رؤى مختلفة للواقع.
 
وفي المسابقة الدولية للأفلام الطويلة، فاز الفيلم الجنوب أفريقي "مغسلة" بجائزة "السوسنة السوداء" لأفضل فيلم غير عربي، بينما منحت لجنة التحكيم جائزتها للفيلم البلجيكي "نصدقك" للمخرجين شارلوت دوفيلير وأرنود دوفيه.
 
وأقيم حفل الختام في جبل القلعة بالعاصمة الأردنية عمّان، بحضور رئيسة المهرجان الأميرة ريم علي، والأمير علي بن الحسين، إلى جانب عدد من صناع السينما والضيوف والفنانين المشاركين في الدورة.
 
الأفلام القصيرة والوثائقية
 
وفي مسابقة الأفلام العربية القصيرة، ذهبت جائزة "السوسنة السوداء" إلى الفيلم الجزائري "بيمو" للمخرجة أمنية هنادر، فيما منحت لجنة التحكيم جائزتها للفيلم المغربي "عايشه" للمخرجة سناء العلوي. كما فاز فيلم "كمين" للمخرجة ياسمينا كراجه بجائزة أفضل فيلم أردني قصير، بينما نال الفيلم الأردني "ثورة غضب" للمخرجة عائشة شحالتوغ جائزة الجمهور.
 
أما في مسابقة الأفلام الوثائقية، فقد توج الفيلم الفلسطيني "حبيبي حسين" للمخرج أليكس بكري بجائزة "السوسنة السوداء"، في حين حصد الفيلم السوري "الجانب الآخر من الشمس" للمخرج توفيق صابوني جائزتين، هما جائزة لجنة التحكيم وجائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين (الفيبريسي).
 
وتؤكد نتائج هذه الدورة أن مهرجان عمّان السينمائي يواصل ترسيخ هويته بوصفه منصة تحتفي بالأفلام التي تمنح الأولوية للأسئلة الإنسانية والرهانات الفنية، أكثر من انشغالها بالنجومية أو الإنتاج الضخم. كما تعكس الجوائز تنامي حضور السينما العربية المستقلة التي تنطلق من قصص محلية، لكنها تنجح في ملامسة قضايا إنسانية ذات بعد كوني، وهو ما جعل "نجوم الأمل والألم" يتجاوز كونه مجرد فيلم فائز، ليصبح نموذجاً لسينما ترى في الإنسان، بكل هشاشته وآماله، بطلاً يستحق أن تُروى حكايته.