رصد التقرير السنوي لمؤسّسة «فريدوم هاوس» المختصّة بالحريّات الإلكترونيّة، تدهور أوضاع الديموقراطية على الإنترنت عام 2017. فقد شدّد على ارتفاع عدد الحكومات التي تتدخّل في تلك الشبكات (خصوصاً الـ «سوشال ميديا»)، بهدف التأثير في الرأي العام لمصلحتها. ووصل عدد الدول المتدخّلة التي وصفها التقرير بأنّها تسير على نهج بدأته روسيا والصين، إلى 30 دولة.
وجعلت المؤسّسة عبارة «الحرية على الإنترنت» عنواناً لتقريرها الذي تمكن مطالعته في موقعها الشبكي «فريدوم هاوس.أورغ». ويتضمّن تقويمها لأوضاع الحريّة الرقميّة عالميّاً، مدعّماً بمؤشّرات إحصائيّة عن الحريات الشبكيّة للبلدان المختلفة. ويصف التقرير عينه حرية الإنترنت في لبنان بأنّها «جزئيّة»، بمعنى أنها تتمتع بها نسبيّاً، بل أعطاها 46/100 كتقدير إجمالي.
ووفق التقرير، هناك إعاقة شبه واضحة من الحكومة للوصول إلى الإنترنت (14/25)، ولا يتم استهداف المحتوى إلا قليلاً (12/35)، فيما تتساوى كفّتا الميزان بالنسبة إلى الاعتداء على حريّة المستخدمين في التعبير عن أنفسهم (20/40). وتجدر الإشارة إلى أن تلك الأرقام تُعطَى على عكس درجات الامتحانات المدرسيّة، فيكون الصفر مؤشّراً إلى حريّة مطلقة، أما 100 فهي غياب مطلق لها.
ويعطي التقرير رقماً مدهشاً عن عدد سكان لبنان (6 ملايين)، وربما لا يتفّق كثيرون معه، حتى لو احتسب كل اللاجئين ضمنه. وتقدّر نسبه انتشار الإنترنت بين السكان بقرابة 76 في المئة، ما يضعه في موقع جيّد مع ملاحظة أن المعدل العالمي بلغ 51 في المئة في حزيران 2017.
وينفي التقرير حدوث أي منع لتطبيقات رقمية للاتصالات والـ «سوشال ميديا»، لكنه يرصد «حدوث» منع محتوى سياسي أو اجتماعي، إضافة إلى رصد حالات توقيف مدوّنين إلكترونيّين ومستخدمي وسائل التواصل، كما يصف الصحافة بأنها «حرّة جزئيّاً».
آثار «التجربة الروسيّة»
لعلها مجديّة قراءة تقرير «فريدوم هاوس» في ضوء المتغيّرات التي رافقت كتابته، ما يذهب بالقراءة إلى أبعد من الكلمات ومعانيها وإشاراتها المباشرة. إذ يعطي التاريخ للكلمات معنى يجعلها تسير مع الزمن وتكتسب صفاته وسيولته أيضاً.
ويبدي تقرير «فريدوم هاوس» توجّساً خاصاً مما يصفه بأنّه تلاعب الحكومات بالإنترنت، مع إشارة خاصة إلى روسيا والصين، لكنه لا يقدّم قراءته لذلك التلاعب. والأرجح أنه أمر يكتسي أهمية خاصة، لعوامل أقلها أهمية الرضا الذي يبديه التقرير عن حال الديموقراطية الإلكترونيّة في الولايات المتحدة حاضراً. كيف يكون ذلك وهو تحديداً البلد الذي أطلق إلى النقاش مسألة التلاعب الإلكتروني، خصوصاً بالـ»سوشال ميديا»؟ لنُنَح جانباً أن الرئيس الشعبوي دونالد ترامب الذي يفترض أن التلاعب الروسي بالـ «سوشال ميديا» عمل لمصلحته، يرد على الأمر بطريقة مضحكة، متّهماً وسائل الإعلام الأميركيّة بأنّها هي التي تتلاعب بالناس، فلا يقيم ترامب فارقاً بين حرية الرأي والتلاعب من دولة أجنبيّة في رئاسة بلد آخر!
وكذلك من المهم تذكّر أن الـ «سوشال ميديا» جزء من الديموقراطية المعاصرة بمعانٍ منها أن حق الجمهور بالمعرفة الصحيحة هو ركن أساس فيها. وفي أميركا، وصل الأمر بشـــبكة «سي أن أن» إلى حدّ أنها تتناول التلاعب الروسي بالميديا الرقمية باعتباره جزءاً من محاولة ضرب الوحدة الوطنية الأمــيركيّة. ورد ذلك تكراراً في برنامج مايكل سميركونش في برنامج يحمل إسمه. وفي غير ظهور له على تلك الــشاشة، وافق خبير الـ «سوشال ميديا» في «سي أن أن» مايغن كيلي على ذلك الرأي. ويستند مــوقف «ســي أن أن» إلى أنّ الــتدقيق في التدخّل الروسي، تضمّن نشر آراء متطرّفة من خطابي الحزبين الديموقراطي والجمهوري.
وهناك أمر آخر يدفع إلى الإلحاح في مسألة تعريف التلاعب، هو ما ظهر عند استقصاء الشركات الكبرى المعلوماتية والاتصالات (خصوصاً في الـ «سوشال ميديا») عن الأمر، إذ راج إعلاميّاً أنها سلّمت وثائق عن شراء الروس أو مرتبطين بهم، «إعلانات سياسيّة» موجّهة على الإنترنت. قبل كل شيء، ولو أنّه أمر لا يتسع المجال لنقاشه، لا يثير المدافعون عن الحريات الإلكترونيّة أمراً أكثر من الإعلانات الموجهة، بل إنها هي المسار الرئيس للتجارة بالبيانات الغزيرة التي تملكها شركات المعلوماتية عن الجمهور الإلكتروني، وذلك تهديد للحرية والخصوصيّة على الإنترنت.
ولنفكر قليلاً في تسليم شركات الـ «سوشال ميديا» بممارساتها في تجارة الإعلانات السياسيّة. ألا يعني ذلك أن نشر الإعلانات السياسية على الـ «سوشال ميديا» ومحرّك البحث «غوغل»، كان جزءاً مستمراً في ممارساتها اليوميّة؟ لماذا صمَت تقرير «فريدوم هاوس» عن الإشارة إلى النقاش المتشعّب عن علاقة شركات المعلوماتية والـ «سوشال ميديا» بالإعلانات السياسيّة، بل إنه لم يقدّم قراءة موسعة لتلك الظاهرة المعقّدة؟
وفي أميركا أيضاً، ظهرت صعوبة في نقاش مسألة الإعلانات السياسية الموجهة لأنها ممارسة شائعة، وهي جزء من حريّة الرأي أيضاً، أقله ضمن الموازين الأميركيّة. ولذلك، سعى المشرّعون الأميركيّون إلى العثور على أدلة مباشرة عنها، قبل أن يصل تصرف المؤسّسة السياسيّة إلى حثّ شركات الإنترنت والتواصل الاجتماعي على تجّنب أنواع منها، كالتحريض على العنف والكراهية والعرقية والتمييز والإرهاب وغيرها.
وبدهيّ القول أن الحدود الفاصلة بين ممارسة واسعة لحرية الرأي وتلك الشروط، هو أمر ليس هيّناً ولا سهلاً. مجدداً، لماذا صمتت «فريدوم هاوس» عن إعطاء تعريف مُجدٍ، بل خصوصاً أن يكون قابلاً للاستخدام في بلدان وسياقات متنوّعة؟
تفاصيل لبنانيّة مقلقة في التعامل مع الـ «نت»
يسجّل لتقرير مؤسّسة «فريدوم هاوس» عن لبنان أنّه لم يغفل ممارسات طاولت الحريّات الإلكترونيّة، ربما يهزّ البعض كتفيه استهانة بها، من دون تبصّر كافٍ. أليس أول الغيث قطرة؟ أليست رائجة منذ زمن «ألف ليلة وليلة» مقولة «أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض»؟ في ذلك المعنى، يفتح التقرير مجالاً أوسع لنقاش مسألة حرمان أهل عرسال اللبنانيّة، من الإنترنت عبر شبكات الخليوي. وتالياً، لم يحرم أولئك من الاتصال بتلك الشبكة عبر قنوات أخرى، كخطوط الهاتف العادية عبر تقنية «دي إس إل» الشائعة لبنانيّاً أو غيرها.
وكذلك لم يقبل أن تكون دعوى مكافحة الإرهاب عذراً مقبولاً، على رغم رواج تلك النغمة عربيّاً وعالميّاً وصولاً إلى الولايات المتحدة. ولعل المنع العرسالي هو قلب ما سجّله التقرير من تقييد للوصول إلى الشبكة الدوليّة.
ورصد التقرير 3 توقيفات لناشطين إلكترونيّين، أبرزها لأحمد أمهز (9 ليال). وتدعو التوقيفات إلى الحذر في شأن الحرية في بلد لا يراهن على شيء قدر الحريّات فيه، على رغم أنها تبدو هيّنة قياساً بممارسات في دول عربيّة وإقليميّة مختلفة.
ولم يمتنع التقرير عن رصد اختراق إلكتروني لموقع حاول مناصرة مثليي الجنس ومختلطيه، وهو أمر مهم في بلد لا يعاني قيوداً كبرى على الحريّات الجنسيّة، على رغم انطفاء النقاش فيها في ظل سيول الدم في لبنان وجواره. وربما ظهر من رأى أنّ الأمر يتصل أيضاً بصعود الظاهرة الدينيّة في شرق أوسط يتميّز عن العالم كلّه بكونه مهداً غير منازع عليه للأديان السماويّة الثلاثة بتفرّعاتها كلّها! وفي ظل تلك الظاهرة التي يبدو أنها غير مقتصرة على العرب والشرق الأوسط، يصبح النقاش عن حقوق الجنس والمثليّة أمراً يصعب عدم وصفه بأنه شائك ومعقّد.
المصدر: الحياة