أحداث ثقافية أخرى
"أعمدة المجتمع": الحقيقة المخفيّة للمسؤول
شادي معلوف
الخميس 18 حزيران 2026

تجربة ثانية بأسلوب المسرح الانغماسي المتنقّل يخوضها الكاتب والمخرج لوسيان بو رجيلي ضمن حرم "الجامعة الأميركيّة في بيروت". فبعد الإنتاج الأول الذي قدّمه بالأسلوب عينه بين عامَي 2023 و2024 في مسرحية "عدوّ الشعب"، اختار هذه المرّة نصًّا كلاسيكيًّا قدّمه الكاتب المسرحي النرويجي Henrik Ibsen للمرّة الأولى عام 1877، بعنوان "The Pillars of Society". العرض الملبنَن يحمل عنوان "أعمدة المجتمع"، مع إسقاطات محليّة من وحي واقعنا اللبناني اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا.
 
يدور العرض المسرحيّ حول شخصية كارستن برنيك، أحد "أعمدة" مجتمع مرموق، يتمتّع بمكانة بين أبناء القرية التي يُعرف فيها بلقب "القنصل"، مع ما يخفيه هذا الحضور البارز من علامات استفهام تطال السمعة والضمير وطبيعة اشتغالاته، وتتبدّى إجاباتها تباعًا مع متابعة تفاصيل المشهدية التي يؤدّيها طلاب من "الجامعة الأميركية في بيروت"، وإلى جانبهم نخبة من الممثلين المحترفين، أبرزهم عبد الرحيم العوجي وفرح شاعر ومجد المصري وآخرون.
 
في الهواء الطلق، يرافق مشاهدو "أعمدة المجتمع" أبطال العرض وممثليه في أدائهم ضمن مواقع عدّة من حرم الجامعة، بين مبانيها وحدائقها. هناك لا ستارة تُرفع، ولا استراحة بين فصلَين، ولا ديكورات ثابتة، ولا ميكروفونات مثبتة. الاتكال وحده على قدرات الممثلين وتوجيهات المخرج، مع استفادة قصوى من "الديكور الطبيعي" لمواضع العرض، من دون إغفال بعض اللمسات الإضافية البسيطة حيث تدعو الحاجة، خدمةً للمشهد الذي يُؤدّى.
 
صحيح أنّ عدد الجمهور محدود في العروض المحدودة العدد بدورها، والتي تُختتم الليلة الخميس وقد تُستكمل في الخريف المقبل، لكنّ مشاهدي هذا العرض المتنقّل يشعرون وكأنهم جزء منه، وإن من دون تدخّل مباشر منهم. فهُم وجهًا لوجه، وجنبًا إلى جنب، مع كارستن برنيك ولونا هانسل ويوهان تونسن والسيد رومل ودينا دورف وسواهم من شخصيات المسرحية.
 
منذ انطلاق العرض من أمام الباحة الرئيسية لـ "الجامعة الأميركية في بيروت"، وحتى انتهائه في واحدة من زوايا الحرم الجامعي، وخلال التنقّل من موقع إلى آخر فيه، ثمة سلاسة مدروسة في حركة الممثلين المحسوبة بجزء الثانية، رغم مساحة العرض الواسعة، وإضاءة مناسبة، ومواكبة مريحة للجمهور في الممرات الطبيعية، مع عود العازف جهاد الشمالي ومؤدية الحركات الأكروباتية فاتن الخشن. كل ذلك تحت ناظرَي مصمّم العمل ومخرجه لوسيان بو رجيلي.
 
ويأتي هذا العرض الممتع والفريد، بين ما يُقدّم عادةً من عروض مسرحيّة، ثمرة تعاون بين "مركز الدراسات والأبحاث الأميركية" و "كلية الآداب والعلوم" و "دائرة اللغة الإنكليزية" و "The Theater Initiative" (مبادرة المسرح) و "صفّ الإنتاج المسرحيّ THTR 259" في "الجامعة الأميركية في بيروت".
 
"أعمدة المجتمع" تجربة مسرحية ممتعة وجديدة من نوعها ربما على الجمهور اللبناني، تستحق أن تُبرمَج عروض جديدة منها في خريف بيروت المقبل، أو ربما في واحدة من قرانا اللبنانية خلال الصيف الحالي، حيث المناخ ألطف من المدينة ومناسب لأداء الممثلين وتنقّلهم مع الجمهور ضمن مساحة غير صغيرة. أما القصّة بلمساتها اللبنانية، فتستحق بدورها فرصة أخرى لتُقدَّم أمام جمهور أوسع في الموسم المسرحي المقبل، ضمن توليفة مناسبة لخشبة مغلقة.
 
المصدر: نداء الوطن