أحداث ثقافية أخرى
حين أعادت أفريقيا اختراع الحداثة الأوروبية
الطيب ولد العروسي
الأربعاء 17 حزيران 2026

ينظّم متحف كاي برانلي – جاك شيراك في باريس، في الدائرة الخامسة عشر، معرضًا كبيرًا تحت عنوان “روح العصر والتجديد الفني” يستمر حتى 20 سبتمبر 2026.
 
يهدف المعرض إلى إبراز الدور الحيوي الذي لعبته الفنون الأفريقية والأوقيانية في تشكيل الإبداع الفني الحديث، حيث لا يعرض هذه الأعمال كقطع أثرية جامدة، بل كرموز فنية حية تعكس ثراء التعبير البشري وتداخل الثقافات المختلفة. يؤكد المتحف من خلال هذا المعرض أن الفن الحديث هو نتيجة لقاء بين حضارات وثقافات متنوعة، وليس نتاجًا لأفكار محلية فقط.
 
السياق التاريخي والمجتمعي
شهدت باريس، التي كانت عاصمة فنية وثقافية، في مطلع القرن العشرين تحوّلًا فنيًا وثقافيًا جذريًا متأثرًا بشدة “باستلهام الفنون الأفريقية والأوقيانية، التي دخلت إلى الساحة الفنية الأوروبية بين عامي 1913 و1923”. كان هذا التحول جزءًا أساسيًا من حركة الحداثة التي هدفت إلى تجديد الفن الغربي، مبتعدة عن القوالب التقليدية والكلاسيكية. تحولت هذه الفنون من مجرد مقتنيات إثنوغرافية تُعرض للدارسين إلى مصادر إلهام فني نابضة بالحياة والأصالة.
 
أتى هذا الاهتمام والتغير في سياق تاريخي مضطرب شهدته أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى، التي تركت تأثيرًا عميقًا على المجتمع والفكر الفني. ألهمت هذه الأزمة الفنانين للبحث عن أشكال جديدة تعبر عن تغيّرات الواقع والمتغيرات الاجتماعية التي بدأت تظهر. ووجدت باريس، كمركز ثقافي وفني عالمي، المكان المثالي لاستقبال وعرض هذه الفنون، التي كانت تُعتبر سابقًا مجرد أغراض إثنوغرافية، لكنها تحولت إلى أعمال فنية معبرة عن الجمال والتجديد.
 
برزت أسماء عدد من الفنانين والنقاد الذين كان لهم الدور الأساسي في إدخال وتطوير هذا التيار الفني، ومن بينهم “غيوم أبولينير، الذي دافع بحماس عن إدماج الفنون الأفريقية والأوقيانية في الفن الحديث”.
 
كما كان هنري ماتيس وبابلو بيكاسو من أبرز الفنانين الذين استلهموا من الأقنعة والتماثيل الأفريقية، حيث ساعدتهم على تطوير مدارس فنية جديدة مثل التكعيبية، معبرين عن خطوة جريئة نحو التجريد والتكثيف البصري بعيدًا عن الواقعية التقليدية.
 
إلى ذلك، فقد ساهم تجار الفن مثل بول غيوم وجوزيف برومر بشكل كبير في جمع هذه القطع الفنية وعرضها في باريس، مما ساعد على إنشاء سوق فني جديد وتعزيز التبادل الثقافي. هذه المعارض، “ومنها معرض غاليري ليفسك ومعرض ديڤامبرز بين 1913 و1923، لم تكن مجرد عروض، بل كانت منصات حيوية للتلاقي الثقافي والحوار الفني العقلاني بين الشرق والغرب”.
 
الفنون الأفريقية والأوقيانية
 
لقد بدأ الاهتمام بهذه الفنون مع “توسع الاستعمار الأوروبي في أفريقيا وجزر المحيط الهادئ، حيث وصل الأوروبيون إلى ثقافات غنية بفنونها الرمزية والتعبيرية”. في البداية، كانت هذه الأعمال تجمع لأغراض دراسات إثنوغرافية، لكن وقع تحول جذري عندما بدأ الفنانون الغربيون يرون في هذه “الفنون قيمًا جمالية وروحية بحد ذاتها، وأصبحت مصدر إلهام يتجاوز الحدود الثقافية”.
 
ويرى الكثير من النقاد والمتابعين للحركة الفنية، أن من “أبرز سمات الفنون الأفريقية والأوقيانية التجريد في التصاميم، التي تضمنت أشكالًا مبسطة وزوايا حادة وملمّحات رمزية روحية واجتماعية عميقة”.
 
 هذا التجريد كان له تأثير مباشر على ظهور مدارس فنية جديدة في أوروبا مثل التكعيبية، التي سعت إلى تفكيك الواقع وتمثيله من زوايا متعددة. أما بالنسبة إلى ماتيس، فكانت ألوان هذه الفنون وتكويناتها مصدر إلهام لتحرير التشكيل اللوني والفضاء في لوحاته.
 
لم يكن النقد موحدًا تجاه هذا التوجه الفني في تلك الحقبة؛ إذ أبدى بعض النقاد تحفّظاتهم، معتبرين هذه الفنون “بدائية”، في حين رأى آخرون مثل أبولينير “قيمتها الفنية واللغة البصرية الغنية التي تحملها، مما ساعد على بناء جسر فكري وثقافي يربط بين الثقافتين الغربية وغير الغربية”.
 
دور معارض باريس الفنية
 
مع نهاية الحرب العالمية الأولى، ازدادت الحاجة إلى أشكال فنية تعبر عن التغيرات الاجتماعية وإعادة تشكيل الهوية في أوروبا. قدمت الفنون الأفريقية والأوقيانية، برموزها الغامضة والقوية، بدائل تعبيرية جديدة كسر بها الفنانون قيود الكلاسيكية الأوروبية، وطرحوا مفاهيم حداثية جديدة للزمان والمكان.
 
وأسهم تنظيم معارض خاصة لهذه الفنون في باريس بشكل كبير في نشرها وتوسيع دائرة تأثيرها بين الفنانين والجمهور على حد سواء. هذه المعارض ساعدت على دمج الفنون الأفريقية والأوقيانية ضمن التيار الفني الحديث، وأكدت كيف يمكن للفنون غير الأوروبية أن تلعب دورًا مركزيًا في الحوار الفني والثقافي العالمي.
 
انطلاقًا من هذه المعطيات، شكلت الفترة بين 1913 و1923 نقطة تحول جوهرية في تطور الفن الحديث، حيث دمجت الفنون الأفريقية والأوقيانية كمصادر إبداعية حقيقية في باريس. أعادت هذه الفنون تعريف مفاهيم الجمال والإبداع، وأسهمت في إثراء الحداثة الفنية بأبعادها الجديدة. هذا اللقاء الثقافي والفني العميق بين الشرق والغرب وضع أسسًا إبداعية لا تزال تؤثر في الفنون العالمية حتى يومنا هذا، معبرةً بدقة عن روح العصر في معانيها العميقة والمتجددة.
 
المصدر: العرب اللندنية