أحداث ثقافية أخرى
"احكيلي يا جنوب": معرض يتحدى التدمير بحفظ ذاكرة جنوب لبنان
نقولا طعمة
الإثنين 15 حزيران 2026

يسعى المعرض إلى إبراز العلاقة العميقة بين الناس وأماكنهم، وإلى التأكيد أن توثيق الذكريات والأرشيفات العائلية ليس مجرد فعل حفظ للماضي، بل هو أيضاً فعل اعتراف واستمرار وحماية للوجود الإنساني والثقافي المرتبط بالمكان.
 
انطلق في متحف "بيت بيروت" معرض بعنوان "احكيلي يا جنوب"، بمشاركة مجموعة من الفنانين الجنوبيين الذين يعايشون التهديد العملي بتدمير قراهم وبلداتهم ومنازلهم، وتغييب مئات من أبنائهم، ومحاولة الاحتلال الإسرائيلي مسح هوية المنطقة وتفريغها من أهاليها.
 
بدأت فكرة المعرض من دعوة "احكيلي" البسيطة في البداية. ومع استمرار المبادرات فيه، توسعت أعماله، لتضم "مجموعة عفوية من الحكايات التي تشمل: أرشيفات عائلية، وبحوثاً فنية، وذكريات شخصية، وآثاراً من الحياة اليومية، وتأملات في معنى الانتماء"، بحسب مديرة مبادرة "احكيلي" في "بيت بيروت"، دلفين أبي راشد، في حديث مع "الميادين الثقافية".
 
وترى أبي راشد أن المعرض "يفتح المجال أمام أصوات متعددة لتروي تجاربها الخاصة وعلاقتها بالمكان، وما يحمله من ذاكرة وانتماء وحياة يومية، في ظل ما شهدته المنطقة من حروب وتهجير واحتلال وتدمير".
 
والمعرض من إعداد وتنسيق "احكيلي" وأديب فرحات، ويجمع أعمالاً فنية وبحثية من خلفيات وتجارب مختلفة حول الذاكرة والمكان والانتماء في جنوب لبنان.
 
ويضم المعرض مجموعة متنوعة من المواد والأعمال، منها: أرشيفات منزلية وصور عائلية من قرى وبلدات جنوب لبنان، وأعمال فنية وبحثية، وأفلام وتجهيزات سمعية وبصرية، ووثائق وصور تاريخية نادرة، وأعمال تعتمد على الخرائط والأرشفة الرقمية، ومساحات تفاعلية تدعو الزوار إلى مشاركة قصصهم وذكرياتهم وإضافتها إلى المعرض.
 
ويشارك في المعرض: أديب فرحات، بتول فاعور، فرح برّو، رباب شمس الدين، روان مازح، وسما بيضون، إلى جانب مواد أرشيفية من مجموعات خاصة ومساهمات من أهالي الجنوب.
 
ويهدف المعرض إلى الإصغاء إلى الجنوب من خلال أهله وحكاياتهم، وإلى خلق مساحة تحفظ الذاكرة وتواجه محاولات المحو والنسيان، تقول أبي راشد.
 
كما يسعى إلى إبراز العلاقة العميقة بين الناس وأماكنهم، وإلى التأكيد أن توثيق الذكريات والأرشيفات العائلية ليس مجرد فعل حفظ للماضي، بل هو أيضاً فعل اعتراف واستمرار وحماية للوجود الإنساني والثقافي المرتبط بالمكان.
 
ويتضمن المعرض جانباً تفاعلياً يتيح للزوار المشاركة المباشرة في بناء الأرشيف، من خلال كتابة الذكريات والرسائل والحكايات المرتبطة بقراهم وأماكنهم. ويرافق المعرض برنامج من الجولات واللقاءات والأنشطة الحوارية التي تُعلن تباعاً خلال فترة المعرض، بهدف توسيع مساحة المشاركة وإتاحة المجال أمام المزيد من الأصوات والقصص.
 
وتشير أبي راشد إلى أن "ما يميّز هذا المعرض أنه لا يتعامل مع الجنوب كموضوع للحديث عنه، بل كمساحة للإصغاء إليه. فالأعمال المعروضة تنطلق من تجارب شخصية وأرشيفات حقيقية وذكريات عاشها أصحابها، وتُقدَّم في بيت بيروت، وهو مكان يحمل بدوره طبقات من الذاكرة اللبنانية".
 
من هذا المنطلق، تعتقد أبي راشد أن المعرض مساحة للقاء بين الذاكرة الفردية والجماعية، وبين الماضي والحاضر، وبين ما فُقد وما لا يزال حاضراً في الحكايات. وكما نقول في "احكيلي": "الجنوب ينتمي. احكيلي. نحن نصغي".
 
أديب فرحات
تناول الفنان والمخرج الجنوبي، أديب فرحات، المعرض وأهميته، وقال لـ"الميادين الثقافية" إن أهمية المعرض في الوقت الحاضر تكمن "في أنه يجري في ظل الحرب والعدوان على لبنان، وخصوصاً على جنوبه". وأضاف أنه في ظل التوحش الذي يمارسه الاحتلال عبر التدمير الممنهج للقرى، من الضروري أن يظل الناس يحكون عن الجنوب، وعن الجنوبيين، ونضالهم ضد المحتل.
 
وشارك فرحات بثلاثة أعمال أرشيفية عن الجنوب والاحتلال والحرب، وبصور لمفاتيح البلدات والمدن. أما مشروعه، الذي يحمل عنوان "بعد العشاء"، فيستكشف تجارب 4 نساء جنوبيات وحكاياتهن عن الاحتلال والتهجير ومعنى البيت، في سلسلة مقابلات شفهية.
 
روان مازح
شاركت الفنانة روان مازح بمشروعها "خطوط التغريب"، الذي يتناول استمرار طغيان العنف الناجم عن الاحتلال في الوقت الحاضر، حتى بعد فترة طويلة من تحرير الجنوب عام 2000.
 
وينطلق العمل من قصة حسن سعيد وزوجته، وهما الأكبر سناً في معتقل الخيام، ومن رسائل مكتوبة بخط اليد لابنهما محمد. تستعيد الفنانة هذه الأعمال، من الرسائل والصور إلى الفضاءات الداخلية للمنزل قبل تدميره الحالي في القصير بمرجعيون، بينما لا يزال محمد وعائلته مبعدين، كمعظم أهالي الجنوب.
 
وعرضت مازح صوراً لــ 15 رسالة تبادلها أفراد العائلة، منهم من كان داخل معتقل الخيام، ومنهم من كان خارجه.
 
وفي إحدى الرسائل التي ركزت عليها الفنانة، تظهر محاولة "إسرائيل" تحريف الرسائل بهدف الإيقاع بين أفراد العائلة الواحدة. لذلك سعت الفنانة إلى قلب الوقائع التي وضعها الاحتلال، بهدف تمتين الروابط بين الأهل، كما أوضحت لـ "الميادين الثقافية".
 
كذلك عرضت أعمالاً تضم صورة من داخل بيت المعتقلين في الخيام، وصورة للمعتقل محمد، وصورة لشجرة، وإخراج قيد عائلي، وصورة لسلاح قيل إنه لمحمد، وقد عُثر عليه مدفوناً في التراب، وكان قد استُخدم سابقاً في مقاومة الاحتلال.
 
ومازح مصوّرة فوتوغرافية مقيمة في لبنان، تحمل إجازة في التصوير الفوتوغرافي والوسائط المتعددة من جامعة سيدة اللويزة في لبنان عام 2018، وماجستير في التصوير والتصميم البصري من الأكاديمية الجديدة للفنون الجميلة "NABA" في ميلانو، إيطاليا.
 
ومنذ عام 2022، تعمل مازح أمينة للأرشيف في "المؤسسة العربية للصورة"، حيث تتولى إدارة المجموعات الأرشيفية، والإشراف على حفظها الوقائي ومشاريع صونها المختلفة.
 
بتول فاعور
بتول فاعور فنانة جنوبية ومهندسة معمارية، أسمت مشروعها "المستشفى والمعتقل والمطار". ويتناول المشروع 3 مواقع عسكرية تركها الاستعمار البريطاني الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية في الخيام.
 
وترى فاعور أن أهمية العمل تكمن في أن الخيام هي البلدة التي تتعرض راهناً للتدمير والمحو الكاملين لهويتها وتراثها، وقد شهدت معارك قاسية، وهي محتلة حالياً.
 
ومن اللقطات المعروضة توثيقاً لأحداث جنوبية، صفحة أولى من جريدة "السفير" عنونت بخط مجسم: "الجنوب يحرر الوطن"، وتحتها: "استسلام ألف عميل"، و"جيوب القليعة ومرجعيون والشقيف تتفكك"، و"معتقلو الخيام خرجوا إلى الحرية".
 
ومن المعروضات صور لأبواب خشبية عتيقة متآكلة، وصور طبيعة، وناس وأغراض منزلية، كما رصفها الجنوبيون على رفوف المنازل التقليدية.
 
كما تُعرض لوحة لفنانة تعبّر عن رشاش حربي وقنابل، وأخرى لرشاش متكئ على جذع شجرة رمان، في إحالة تتماهى فيها التسمية مع الرمانات اليدوية المتفجرة.
 
وتظهر أيضاً صورة لسيدة جنوبية مع قناني عطور ومشروبات من صناعة محلية، وصور عائلية ومناظر طبيعية، وسيدة جنوبية تخبز على الصاج، وطفلة تلهو قربها في لوحة تركيبية.
 
ويضم المعرض كذلك منزلاً من الداخل، وصوراً عائلية، وأثاثاً بسيطاً، ولوحات لبعض القرى والبلدات قبل التدمير، ورسائل ممزقة، وصورة لسيدة تدق الزعتر، وُضعت داخل تجويف أشبه بالكهف، إلى جانب متنوعات أخرى عديدة.
 
 
المصدر: الميادين