أكبر من مجرّد لعبة... عندما رفعت إيطاليا كأس العالم من أجل فلسطين
بول مخلوف
الجمعة 12 حزيران 2026
كيف قرأت الذاكرة الفلسطينية والعربية فوز إيطاليا بكأس العالم عام 1982؟ وماذا تقول حكاية باولو روسّي وإيطاليا عن العودة بعد السقوط؟
مرة كل 4 سنوات، يحدث شيء يشبه الهدنة الكونية. تتوقف أمم بأكملها عن التفكير في نفسها بوصفها جيوشاً واقتصادات وحدوداً ومشاريع سياسية، وتعود إلى أصلها البدائي: جماهير تلاحق كرةً صغيرة تتدحرج فوق العشب. لعلّ هذه هي المعجزة الحقيقية لكأس العالم، أنه ينجح، ولو مؤقتاً، في تعليق صخب التاريخ وإقناع البشر بأن مصيرهم قد يُختصر في 90 دقيقة.
تاريخ كرة القدم حافلٌ بلاعبين لم يكتفوا بإتقان اللعبة، بل عرفوا الموقف السياسي، والتزموا به، وعبّروا عنه داخل الملعب وخارجه. وهو حافل أيضاً بلحظات نادرة تجاوزت فيها كرة القدم حدودها الرياضية الخالصة لتلامس التاريخ والسياسة والثقافة في آن معاً، وتتحوّل إلى ما يمكن وصفه بـ"الحدث" السياسي.
من بين تلك اللحظات تبرز حكاية إهداء كأس العالم عام 1982 إلى فلسطين، كما حفظتها الذاكرة الفلسطينية والعربية. وهي حكاية لا تُستعاد هنا بوصفها خبراً إدارياً بسيطاً أو واقعة مكتملة التفاصيل فحسب، بل بوصفها أيضاً جزءاً من ذاكرة سياسية ورياضية تشكّلت في لحظة تاريخية بالغة القسوة. ففيها يتداخل الخبر الأرشيفي مع الذاكرة الفلسطينية، وتتقاطع رواية المنتخب والاتحاد الإيطالي مع صورة الرئيس الإيطالي، ساندرو بيرتيني، الذي ارتبط اسمه لاحقاً بهذا الفعل الرمزي.
في هذه السلسلة، التي تتألف من 4 مقالات تنشر تباعاً، نستعيد هذه الحكاية وما يتفرّع عنها من شخصيات وأحداث وسياقات، عبر بورتريهات تتقاطع فيها كرة القدم مع السياسة والذاكرة والتاريخ.
في صيف عام 1982، كان العالم يشاهد صورتين معاً في وقت واحد. كانت ملاعب إسبانيا تحتضن أكبر مهرجان كروي على وجه الأرض، فيما كانت الدبابات الإسرائيلية تزحف نحو بيروت؛ المدينة التي كانت تحترق وتعيش أحد أكثر فصول تاريخها قسوة ومرارة.
وبين المشهدين هوّة بدت، للوهلة الأولى، عصيّة على الردم. ففيما كانت الملاعب الإسبانية تضجّ بالهتاف والاحتفال، كانت بيروت ترزح تحت وطأة الحصار والقصف الإسرائيلي.
غير أن التاريخ، أحياناً، يجمع بين أحداث متباعدة في لحظة واحدة، فتكتسب معاني لم تكن في الحسبان. لعل واحدة من أكثر تلك اللحظات دلالة وُلدت في صيف 1982، حين أحرزت إيطاليا كأس العالم، وقُرئ انتصارها، في الذاكرة الفلسطينية والعربية، كأنه إهداء لفلسطين. أو هكذا استقبلت تلك الذاكرة هذه اللحظة، بوصفها إشارة تضامن عبرت من ملعب مدريد إلى بيروت المحاصرة.
هكذا، كتب المنتخب الإيطالي حكاية بدت أقرب إلى الملاحم الخلاصية؛ حكاية انتصار وفوز تزامنت مع مأساة مدينة محاصرة وشعب يواجه القتل والاقتلاع، فبدا هذا الفوز، في رمزيته، كما لو أنه أُهدي إليه.
صيف 1982
كان ذلك الصيف مختلفاً. اعتاد المقاتلون الفلسطينيون واللبنانيون على الجبهات حمل بنادقهم ومتابعة نتائج المباريات عبر أجهزة الراديو الصغيرة. لم تكن كرة القدم قد انفصلت بعد عن إيقاع الحياة اليومية، ولم تكن قد تحولت إلى تلك الصناعة العملاقة التي نعرفها اليوم. كانت لا تزال أقرب إلى الناس، وأكثر التصاقاً بالشارع ومزاجه. لم تكن المنتخبات محاطة بجيوش من الخبراء، ولا كانت استوديوهات الشاشات مكتظّة بالمحللين والمنظّرين. كان اللاعبون أبناء أحيائهم ومدنهم قبل أن يصبحوا علامات تجارية عابرة للقارات.
في الجهة الأخرى من المشهد، كانت بيروت المحاصرة أكثر من عاصمة وأكبر من ساحة حرب. كانت، في نظر جيل كامل، استعارة حيّة لفكرة المقاومة نفسها؛ مدينة تتقاطع فيها حكايات المنفى الفلسطيني مع أحلام اليسار العربي.
لذلك لم يُنظر إلى حصار بيروت باعتباره حدثاً عسكرياً فقط، بل امتحاناً رمزياً لفكرة كاملة عن التحرر والكرامة.
لقد شكّلت بيروت في المخيلة العربية الحصن الأخير لحلم التحرير الطويل. وحين كانت أعمدة الدخان ترتفع فوق أحيائها، لم يكن المشهد يوحي بسقوط أبنية أو أحياء فقط، بقدر ما كان يعني اهتزاز عالم كامل من المعاني والأحلام.
وسط هذا المناخ، حضر كأس العالم كحدث يتعدى كونه بطولة رياضية. كان طقساً جماعياً تتقاطع فيه العواطف مع التحولات الكبرى التي تعصف بالعالم. كان مونديال إسبانيا أشبه بمسرح واسع تتجاور فوق خشبته الوقائع المتناقضة: صيحات الجماهير في المدرجات، وأخبار الحروب في نشرات المساء؛ الأعلام التي ترتفع احتفالاً بالأهداف، وصور المدن المحاصرة التي تتسلل إلى الشاشات.
كان هدير الجماهير يمتزج، على نحو رمزي، بهدير الطائرات، وكانت النقاشات حول اللعبة تتقاطع مع النقاشات حول الشرق الأوسط والحرب والمصائر المعلّقة.
حتى وإن تعددت الروايات حول تفاصيل الإهداء، وحول الجهة التي قامت به تحديداً، فإن قوة الحكاية لا تنبع من شكلها البروتوكولي بقدر ما تنبع من معناها الرمزي. لحظة بدا فيها أن الفرح لا يناقض الانحياز الأخلاقي، وأن نشوة الفوز يمكن أن تمدّ جسراً عابراً بين ملعب يحتفل بالبطولة، ومدينة كانت تقاتل من أجل البقاء.
على العشب الإسباني كانت تُعرض أجمل لعبة عرفها البشر، فيما كانت شاشات الأخبار تعرض وجهاً آخر للعالم. هكذا، بدا ذاك الصيف وكأنه يعيش على إيقاعين متوازيين: إيقاع الفرح الذي تصنعه كرة القدم، وإيقاع المأساة التي يصنعها التاريخ.
وعلى نحو يصعب تفسيره بلغة السياسة وحدها أو بلغة الرياضة وحدها، أخذت الصورتان تتجاوران في الوعي نفسه: بيروت المحاصرة من جهة، والمونديال من جهة أخرى.
وسط هذا المشهد كلّه، وصلت إيطاليا إلى إسبانيا من دون أن تكون المرشح الأول للقب. بل لعلها وصلت مثقلة بالشكوك أكثر مما هي محمولة على التوقعات. تعادلت في مبارياتها الثلاث الأولى وتأهلت بشق الأنفس، فيما كانت الصحافة الإيطالية تمطر المنتخب بالنقد والسخرية يوماً بعد يوم.
طالب كثيرون المدرب، إنزو بيرزوت، بإجراء تغييرات جذرية، وبدا الفريق متعباً ومترهلاً، يفتقر إلى البريق الذي أحاط بالبرازيل الساحرة، وإلى الهيبة التي رافقت ألمانيا الغربية الصلبة.
لم يكن أحد يتوقع أن هذا المنتخب الباهت، الذي دخل البطولة من باب الشك، سيخرج منها بعد أسابيع قليلة حاملاً كأس العالم بين يديه.
الاسم الذي غيّر المعادلة
في قلب تلك العاصفة كان يقف مهاجم نحيل يدعى باولو روسّي. نتذكر هذا الاسم اليوم بوصفه أحد أبطال كرة القدم الخالدين، غير أنّ صورته في صيف 1982 كانت مختلفة تماماً.
قبل أسابيع قليلة من انطلاق المونديال، كان روسّي أقرب إلى المنبوذ منه إلى البطل. فقد خرج لتوّه من عقوبة طويلة على خلفية فضيحة مراهنات، وعاد إلى الملاعب وسط شكوك هائلة. حتى إن كثيرين رأوا في استدعائه إلى المنتخب الإيطالي مغامرة حمقاء، بل مقامرة يائسة من المدرب إنزو بيرزوت.
المباريات الأولى للفريق الإيطالي لم تساعد روسّي في إسكات منتقديه. بدا بعيداً من مستواه، شاحب الحضور، عاجزاً عن إقناع جمهوره بأنه الرجل المناسب في المكان المناسب. كان اسمه يُذكر بوصفه عبئاً على المنتخب. لكن كرة القدم، مثل المسرحيات العظيمة، تعرف كيف تؤجل الفصل الأجمل إلى اللحظة الأخيرة.
الانعطاف
ثم جاءت البرازيل. وليس أي منتخب برازيلي، بل ذاك الفريق الذي ما زال كثيرون من المشجعين يعدّونه أجمل منتخب لم يرفع كأس العالم في التاريخ. منتخب زيكو وسقراط وفالكاو وإيدر، الفريق الذي لعب كرة القدم كما لو أنها قطعة موسيقية أو قصيدة تُكتب بالقدمين.
كان الجميع تقريباً يتوقع أن يواصل طريقه نحو اللقب، وأن تكون إيطاليا مجرد محطة عابرة في رحلته. عندها قرر باولو روسّي أن يكتب واحدة من أجمل القصص على الإطلاق.
على العشب الإسباني كانت تُعرض أجمل لعبة عرفها البشر، فيما كانت شاشات الأخبار تعرض وجهاً آخر للعالم. هكذا، بدا ذاك الصيف وكأنه يعيش على إيقاعين متوازيين: إيقاع الفرح الذي تصنعه كرة القدم، وإيقاع المأساة التي يصنعها التاريخ.
سجّل روسّي، النحيل والشاحب، 3 أهداف كاملة في مرمى البرازيل، وأطاح بالفريق الأكثر سحراً والأشد إبهاراً في البطولة. خلال 90 دقيقة فقط، تبدّل كل شيء. الرجل الذي كان مادةً للشك والسخرية تحوّل إلى بطل قومي، واللاعب الذي دخل المونديال مطارداً بماضيه، خرج من تلك المباراة ليبدأ في صناعة أسطورته الخاصة.
منذ تلك اللحظة لم يتوقف روسّي. سجّل هدفين في نصف النهائي أمام بولندا، ثم افتتح التسجيل في المباراة النهائية أمام ألمانيا الغربية. وبين مباراة البرازيل وصفارة النهاية في مدريد، أكمل روسّي واحدة من أكثر رحلات الخلاص إدهاشاً في تاريخ الرياضة الحديثة. أنهى البطولة هدافاً لكأس العالم، ونال جائزة أفضل لاعب فيها، ليصبح رمزاً لواحدة من أعظم قصص العودة بعد السقوط التي عرفتها كرة القدم.
إيطاليا بطلة العالم
لكن بطولة إيطاليا عام 1982 لم تكن مجرد قصة لاعب استعاد مجده. كانت أيضاً قصة جماعة نجحت في تحويل الشك إلى قوة. كان المدرب إنزو بيرزوت يدرك أن فريقه لا يملك البريق البرازيلي ولا الخيال الفرنسي ولا صلابة الألمان، لذلك بنى منتخباً أقرب إلى الأوركسترا منه إلى مجموعة من العازفين المنفردين. كل لاعب يعرف مكانه ودوره وحدوده. وحين انفجر باولو روسّي في التهديف في الأدوار الحاسمة، اتضح أنه الثمرة الأخيرة لعمل جماعي طويل.
لهذا بقيت إيطاليا نسخة 1982 أكثر من مجرد منتخب فائز بكأس العالم. لقد تحولت إلى حكاية عن إمكانية النجاة بعد السقوط. وهي قصة نجاة تزامنت مع زمن كانت فيه بيروت تعيش ذروة حصارها الجارح، وكانت المقاومة، رغم كل ما أصابها من خسائر وانكسارات، توشك أن تدخل طوراً جديداً من تاريخها، مختلفاً وأكثر تعقيداً بعد الخروج من بيروت.
لقد شكّلت بيروت في المخيلة العربية الحصن الأخير لحلم التحرير الطويل. وحين كانت أعمدة الدخان ترتفع فوق أحيائها، لم يكن المشهد يوحي بسقوط أبنية أو أحياء فقط، بقدر ما كان يعني اهتزاز عالم كامل من المعاني والأحلام.
كان روسّي قد خرج من عقوبة وإدانة جماهيرية، وكانت الصحافة الإيطالية قد أعلنت المنتخب ميتاً قبل أن تبدأ البطولة فعلياً، لكن الفريق عاد من الهامش ليحتل مركز البطولة نفسها.
حين نعود إلى ذلك المونديال اليوم، يصعب ألا نراه وكأنه لحظة استشراف أو سردية خلاص جماعية: لاعب يستعيد سمعته، ومدرب يثبت صحة رهانه، ومنتخب يكتشف نفسه في اللحظة التي توقف الجميع عن الإيمان به. وكانت هذه السلسلة السردية، بعناصرها كلها، تتماهى على نحو ما مع قصة وطن.
لماذا نستعيد ذلك المونديال اليوم؟
لعلّ أهم ما يدفع واحدنا اليوم إلى استعادة مونديال 1982 هو ارتباطه بالمناخ الثقافي الذي أحاط به. ففي تلك السنوات كانت المقاومة لغةً كاملة لفهم العالم وتأويله.
ذلك أنها كانت حاضرة في الممارسة كما في الأغنية والقصيدة والملصق والسينما والجامعة والشارع. من هذا المنظور تحديداً يمكن فهم الطريقة التي استقبل بها مونديال إسبانيا. فالجماهير كانت تشاهد المباريات بوصفها حدثاً أكثر من رياضي، إذ نظرت إلى العالم كله من خلال حساسية ثقافية تبحث عن بارقة أمل وسط زمن تتراكم فيه الهزائم.
لا شيء، على الأرجح، يجمع بين المشهدين في الظاهر. كرة القدم وعدٌ بالمتعة، فيما الحرب نقيضها الكامل.
لكن هذا الفصل الصارم بينهما اهتزّ في صيف 1982، حين كان العالم يتابع حصار بيروت في نشرات الأخبار، ثم يعود مساءً إلى شاشاته لمشاهدة باولو روسّي وهو يعيد كتابة مصير فريقه فوق العشب الإسباني. آنذاك، سارت المأساة والفرجة جنباً إلى جنب، على الشاشة نفسها، وفي الوعي نفسه.
التاريخ، أحياناً، يجمع بين أحداث متباعدة في لحظة واحدة، فتكتسب معاني لم تكن في الحسبان. لعلّ واحدة من أكثر تلك اللحظات دلالةً وُلدت في صيف 1982، حين أحرزت إيطاليا كأس العالم، وقُرئ انتصارها، في الذاكرة الفلسطينية والعربية، كأنه إهداء لفلسطين.
في هذا المناخ بالذات اكتسبت حكاية إهداء الكأس إلى فلسطين دلالتها. لا يتعلق الأمر بتحويل المونديال إلى منبر سياسي، ولا بإقحام الحرب في قلب اللعبة، بل بلحظة إنسانية تسللت إلى داخل الفرجة نفسها.
وحتى إن تعددت الروايات حول تفاصيل الإهداء، وحول الجهة التي قامت به تحديداً، فإن قوة الحكاية لا تنبع من شكلها البروتوكولي بقدر ما تنبع من معناها الرمزي. لحظة بدا فيها أن الفرح لا يناقض الانحياز الأخلاقي، وأن نشوة الفوز يمكن أن تمدّ جسراً عابراً بين ملعب يحتفل بالبطولة ومدينة كانت تقاتل من أجل البقاء.
ولهذا ارتبطت تلك الحكاية، في الذاكرة، بمعنى يتجاوز واقعتها المباشرة: كأسٌ يُرفع في مدريد، ويُقرأ في بيروت كإشارة تضامن مع من واجهوا الحصار حتى آخر لحظة. وكأن إيطاليا أهدت البطولة، في رمزيتها، إلى من رفضوا أن يتحولوا إلى خبر عابر في نشرات المساء.
ستبقى تلك القصة حيّة في الذاكرة؛ لأنها تبدو كفصل من ملاحم إنسانية كبرى، حيث ينتصر الأمل على اليأس، والعودة على السقوط، والاحتمال على النهايات المعلنة.
إنها ملحمة تجعل كرة القدم، أحياناً، أكبر من مجرد لعبة، من دون أن تتوقف عن كونها اللعبة الأجمل على الإطلاق.
المصدر: الميادين