أحداث ثقافية أخرى
طنجة على موعد مع أول مهرجان دولي للصورة على ضفاف المتوسط
عبدالرحيم الشافعي
الأربعاء 10 حزيران 2026

أعلنت مدينة طنجة عن ميلاد حدثٍ ثقافي من طراز استثنائي: “صورة طنجة”، المهرجان الدولي للصورة، الذي يُطلق نسخته الأولى في صيف 2026، مُقدِّمًا للمشهد الثقافي المغربي والعربي والعالمي تجربةً بصرية متكاملة تُوثِّق الحاضر وتستحضر الماضي وتستشرف المستقبل وتمتد على مدى أكثر من شهرين ونصف الشهر، من السابع عشر من يونيو الجاري حتى الحادي والثلاثين من أغسطس المقبل، ليُحوِّل طنجة إلى فضاء إبداعي مفتوح تتعانق فيه الغاليريهات الخاصة والمتاحف والأماكن العامة في مسار فني متجانس يجوب أرجاء المدينة بأسرها.
 
ويرتكز المهرجان على مشروع فكري قبل أن يكون حدثًا فنيًا. نشأت الفكرة في صيف 2025، حين التقى عدد من المثقفين والمبدعين في طنجة حول الأديب العالمي طاهر بن جلون، فأدركوا جميعًا أن مدينةً بهذا الثقل الحضاري والأثر التاريخي تفتقر إلى حدث فني جامع يليق بمكانتها. وينبثق المهرجان إذن من إحساس صادق بالمسؤولية تجاه مدينة منحت أصحابها رؤيةً للعالم وانفتاحًا على الآخر، وباتت تستحق أن يُردَّ لها الجميل بما يصون هويتها ويُعزّز إشعاعها.
 
وقال طاهر بن جلون، رئيس مؤسسة المهرجان، “يُنصف مهرجان ‘صورة طنجة’، المدينةَ وحكاياتها، ويُعيد طنجةَ إلى انفتاحها التقليدي على الأفق الرحب”.
 
وتعود علاقة طنجة بالتصوير الفوتوغرافي إلى القرن التاسع عشر، حين كانت المدينة المحطة الأولى التي يطأها المصورون الأوروبيون في طريقهم نحو المشرق. وساهم وضعها الدبلوماسي المتميز، الذي أُقرَّ عام 1856، في تحويلها إلى المدينة المغربية الوحيدة التي يمكن لهؤلاء الفنانين والمستكشفين ارتيادها، فأُسِّست فيها أستوديوهات للتصوير منذ سبعينات القرن ذاته. ومع إرساء وضعها الدولي عام 1924، أصبحت طنجة ملتقىً كونيًا نادرًا يستقطب الأدباء والرسامين والمصورين من أصقاع المعمورة. في هذه المدينة بالذات، التقط علال دفوف لحظةً لن يمحوها التاريخ: خطاب السلطان محمد الخامس عام 1947 المطالب بالاستقلال. وفيها أيضا وقف دولاكروا وماتيس أمام ضوء لم يجداه في مكان آخر.
 
واختار المهرجان لنسخته الأولى موضوعًا بالغ الدلالة يُجسِّد جوهر طنجة وهويتها المركّبة: “نداء البحر”. إذ يستحضر هذا العنوان المدينةَ التي كانت على مرّ العصور بوابةً بين حضارتين وملتقىً بين قارتين، مدينةً نسجت تاريخها من خيوط الرحيل والعودة والانفتاح على المجهول. يسري هذا الموضوع في عروق البرنامج كله، من الأعمال المعروضة إلى الحوارات المنعقدة، مُذكِّرًا بأن الصورة ليست وثيقةً جامدة بل دعوةٌ دائمة إلى التأمل والسفر والتساؤل.
 
ويضم المهرجان جملةً من المعارض الكبرى الموزّعة على أبرز الفضاءات الثقافية في طنجة، تُشكِّل في مجملها مسارًا فنيًا متكاملًا يجوبه الزائر بين الجدران والأزقة والأحياء.
 
ويقدِّم معرض “لماذا طنجة؟” في مقر مؤسسة الفوتوغرافيا جردًا بصريًا تاريخيًا يمتد عبر نحو 150 سنة من الفوتوغرافيا، جامعًا أعمال مصورين عالميين من أمثال سيسيل بيتون وهاري غرويار ونيكولاس مولر، في استحضار موثَّق لوجوه طنجة المتعددة وأحقابها المتداخلة.
 
ويضم معرض “نداء البحر” في غاليري محمد الدريسي أربعة أسماء لامعة: ليلى علوي، الفنانة المغربية التي اغتالها رصاص الإرهاب في أوج عطائها ولا تزال أعمالها تشهد على حضورها الإنساني العميق، ومحمد الباز الباحث في تشريح الانكسار المعاصر، ويوسف نبيل الحامل لحنين السينما المصرية الذهبية وأسئلة المنفى، ويورياس الذي يُضفي على الشارع روح الرقص والشعر.
 
ويُرسي معرض “حوار غير متوقع” لقاءً فنيًا نادرًا بين المصوِّرَين هشام بنوهود المغربي ودوني دارزاك الفرنسي، في أعمال تستفزّ الواقع وتُجرِّب حدوده، وتُحوِّل اللامتوقع إلى أسلوب قائم بذاته.
 
ويُلقي معرض “أن تنشأ بين الضفاف” الضوء على أربع فنانات عربيات بارزات هنّ مريم بودربالة وأمينة بنبوشتى وزليخة بوعبدالله وفادية أحمد، في أعمال تُعيد مساءلة صورة المرأة والجسد والهوية، وتُفكِّك الأحكام المسبقة بصرامة فنية ورؤية نقدية عميقة.
 
ويشكِّل معرض “نظرات المصورين المغاربة في العالم” في فيلا هاريس الحدثَ المحوري لهذه النسخة، إذ يجمع 14 فنانا مغربيا تتقاطع في أعمالهم تجربة التنقل والمنفى والانتماء المزدوج، مُقدِّمين رؤية بصرية تتجاوز ثنائية الأصل والاغتراب لتُؤسِّس حضورًا فنيًا عابرًا للحدود. يُنجَز هذا المعرض بدعم كريم من المجلس الاستشاري للجالية المغربية في الخارج.
 
ويقترح معرض “بطء” في قصر الفنون والثقافة قراءةً مغايرة لجغرافية المغرب، عبر رحلة مصوَّرة يقودها براهيم بنكيران المغربي وألكسندر شابلييه الفرنسي في الطرق المنسية بعيدًا عن السرعة والضجيج، مكتشفَيْن إيقاعات حياة ووجوه إنسانية ظلّت خارج إطار الصورة النمطية للمغرب.
 
ويستحضر الفنان خالد نماوي في معرضه بالهواء الطلق في ميناء طنجة روح الملاح البرتغالي ماجلان، في قراءة شعرية وبصرية للنداء الأزلي نحو المجهول، تتحوّل فيها المارينا إلى فضاء تأمل مفتوح على اللانهاية.
 
وسيُكرِّم مهرجان “صورة طنجة” في كل عام مصوِّري دولة بعينها، ويُمثِّل هذا الاختيار بُعدًا دبلوماسيًا وثقافيًا في آنٍ واحد، وتحلّ إسبانيا ضيفةَ الشرف في هذه النسخة الافتتاحية، تعبيرًا عن علاقة تاريخية متجذِّرة وجوارٍ جغرافي يفصله أقل من خمسة عشر كيلومترًا. يُقدَّم بهذه المناسبة معرضٌ استثنائي للمصورة العالمية إيزابيل مونيوز في معهد ثيرفانتيس بطنجة، تلك الفنانة التي رفعت الجسد البشري إلى مرتبة الملحمة البصرية. يُرافق هذا المعرض برنامجٌ سينمائي متكامل يُعرض في سينما الأكازار الأسطورية، ويتضمن أعمالًا لكبار المخرجين الإسبانيين من لويس بونويل إلى إيكار بولاين، في رحلة عبر تاريخ السينما الإسبانية من الخمسينات حتى اليوم.
 
ويتجاوز المهرجان عرض الصور إلى التكوين والتربية البصرية. ويُنفَّذ في إطار شراكة مع وزارة الثقافة والشباب والتواصل برنامجٌ تربوي يُعرِّف الشباب بأسرار التصوير الفوتوغرافي وتقنياته وجمالياته. وتُفرَد من ضمن هذا البرنامج مسابقة الفوتوغرافيا الشبابية المغربية الموجهة للمصورين الشباب بين 18 و35 سنة، تحت موضوع “نداء البحر”. وأسفرت النسخة الأولى من هذه المسابقة عن ثلاثة فائزين متميزين: لويزا بن بسلسلتها الحميمية “يلّي” التي حصدت الجائزة الأولى تقديرًا لرقّتها ومعالجتها الفريدة لإشكالية الهوية المغاربية، وأيوب الصياب بسلسلته “Behind the Eyes” الحائزة على الجائزة الثانية، وسناء الزيدي بعملها “عبور” الذي مزج بين التوثيق والقصيدة البصرية.
 
وتُنظَّم على هامش المعارض، في التاسع عشر والعشرين من يونيو، سلسلة لقاءات فكرية تجمع فنانين وأكاديميين وصحافيين، وتتناول قضايا راهنة تمسّ جوهر الفوتوغرافيا ومصيرها. تشمل هذه اللقاءات مواضيع من قبيل: إزالة الاستعمار من الصورة، والممارسات الفوتوغرافية المعاصرة، وإسهام المصورين المغاربة في المشهد الفني الدولي، ومستقبل الصورة في ظل الذكاء الاصطناعي. تتناول إحدى هذه الجلسات بشكل خاص وضع المرأة المصوِّرة في العالم العربي، في نقاش يُوثِّق مسارًا إبداعيًا أسهم في إثراء المشهد البصري العربي إثراءً لا يُنكَر.
 
ويُجسِّد مهرجان “صورة طنجة” نموذجًا في التعبئة الجماعية حول مشروع ثقافي مشترك. ويحظى المهرجان بدعم شبكة واسعة من المؤسسات الوطنية والدولية، في مقدمتها: ولاية طنجة – تطوان – الحسيمة، وزارة الثقافة والشباب والتواصل، المجلس الاستشاري للجالية المغربية في الخارج، مؤسسة المتاحف الوطنية، ميناء طنجة المدينة، مؤسسة ألايانسيز، مؤسسة TGCC للفن والثقافة، فضلًا عن المعهد الفرنسي بالمغرب ومعهد ثيرفانتيس بطنجة وعدد من الشركاء الإعلاميين الإقليميين والدوليين. ويُجسِّد هذا التضافر إيمانًا مشتركًا بأن الثقافة ليست ترفًا بل ركيزة من ركائز التنمية الإنسانية ومحرِّك للجاذبية السياحية والقوة الناعمة.
 
ويُؤسِّس المهرجان في نسخته الأولى لتقليدٍ ثقافي سيتجذَّر ويتّسع مع الزمن. يحمل هذا المهرجان رسالةً مزدوجة: يُوجِّه إلى الداخل دعوةً لإعادة اكتشاف موروث بصري أصيل وتوظيفه في صياغة هوية معاصرة متجددة، ويُطلق إلى الخارج إشارةً واضحة بأن طنجة مدينةٌ حية تُفكِّر وتُبدع وتنفتح. ويُعيد المهرجان إلى الأذهان ما قاله ابن بطوطة ابن هذه المدينة بحياته كلها قبل أن يقوله بكلماته: إن الرحيل في طلب المعرفة فريضةٌ، وإن الأفق دائمًا أوسع مما تظنّ.
 
 
المصدر: العرب اللندنية