بيروت لا تنام في «ليلة المتاحف»
جريدة الأخبار
الثلاثاء 14 تموز 2026
أعلنت وزارة الثقافة اللبنانية عن «ليلة المتاحف» لهذا العام، إذ يفتح 30 متحفاً ومؤسسة ثقافية أبوابها مجاناً مساء الخميس 16 تموز (يوليو)، من الساعة الخامسة بعد الظهر وحتى الحادية عشرة ليلاً، ضمن مبادرة تمتد من العاصمة إلى مختلف المناطق اللبنانية.
المتاحف المشاركة
تشارك في هذه الليلة مجموعة واسعة من المتاحف الأثرية والفنية والعلمية والتراثية، وهي: «بيت التراث» (متحف أثري في منجز عكار)، ومتحف بعلبك، والمتحف الوطني، ومتحف «سرسق» والمتحف الجيولوجي في الجامعة الأميركية في بيروت، ومتحف الآثار في الجامعة الأميركية في بيروت، ومتحف المعدنيات، ومتحف ما قبل التاريخ اللبناني في «جامعة القديس يوسف»، والمكتبة الشرقية في «جامعة القديس يوسف»، و«بيت بيروت»، ومتحف مصرف لبنان، و«متحف آرام بزيكيان» لأيتام الإبادة الأرمنية، ومتحف المتحجرات في جبيل، ومتحف موقع جبيل الأثري، ومتحف «مقام» في عاليتا، و«مؤسسة لويس قرداحي» في الجامعة اللبنانية الأميركية، ومتحف الآثار في «جامعة الروح القدس» في الكسليك، ومتحف «بيلي كرم» في نهر الكلب، ومتحف الشظايا في رمحالا، ومحترف عساف في الورهانية، ومؤسسة سلوى روضة شقير في رأس المتن وغيرها على كامل الأراضي اللبنانية.
ولا تقتصر الفعاليات على زيارة المتاحف، إذ يتضمن البرنامج أيضاً جولات سياحية بصحبة مرشدين في المدينتين القديمتين في صيدا وصور، ما يتيح للزوار التعرف إلى معالمهما التاريخية وتراثهما العمراني. ولتسهيل مشاركة الجمهور، خُصصت حافلات مجانية تنطلق من ساحة الشهداء في وسط بيروت إلى متاحف العاصمة، وتتولى أيضاً نقل الزوار منها وإليها طوال الأمسية.
جذور الليلة
تقوم فكرة هذه الليلة على كسر الصورة التقليدية للمتحف بوصفه مكاناً ساكناً وصامتاً. فتنظم المتاحف المشاركة عروضاً موسيقية، وجولات مع مرشدين، وورش عمل، وعروضاً ضوئية، وأنشطة تفاعلية، بهدف تحويل الزيارة إلى تجربة اجتماعية وثقافية متكاملة. تعود جذور هذه الليلة إلى مدينة برلين عام 1997، عندما أُطلقت «الليلة الطويلة للمتاحف»، في محاولة لجذب جمهور جديد إلى المؤسسات الثقافية.
وحققت التجربة نجاحاً لافتاً، فتبنتها فرنسا عام 1999 تحت اسم «ربيع المتاحف»، قبل أن تتحول سنة 2005 إلى «الليلة الأوروبية للمتاحف»، وهي فعالية تُقام سنوياً بدعم من وزارات الثقافة في عشرات الدول الأوروبية، وبمساندة من مجلس أوروبا واليونسكو والمجلس الدولي للمتاحف. واليوم، يشارك فيها أكثر من ألف متحف في أكثر من مئة مدينة، مستقطبة ملايين الزوار سنوياً.
وترتبط «ليلة المتاحف» أيضاً بتحول عالمي في مفهوم المتحف نفسه. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأ المتخصصون في علم المتاحف ينظرون إلى المتحف باعتباره مؤسسة تؤدي وظيفة اجتماعية، لا مجرد مؤسسة تحفظ المقتنيات. ويؤكد المجلس الدولي للمتاحف أن المتحف مؤسسة دائمة، غير ربحية، تخدم المجتمع، وتحافظ على التراث المادي وغير المادي، وتفسره وتعرضه بما يعزز التعليم، والبحث، والمتعة، والمشاركة المجتمعية. ومن هنا، تصبح ليلة المتاحف تطبيقاً عملياً لهذا المفهوم، لأنها تنقل المتحف من موقع العرض إلى موقع المشاركة.
النسخة اللبنانية
وفي لبنان، انطلقت «ليلة المتاحف» عام 2014 بمبادرة من وزارة الثقافة، مستلهمة النموذج الأوروبي، بهدف تشجيع اللبنانيين على زيارة المتاحف التي غالباً ما تبقى خارج اهتمامات الجمهور. وتُقام الأمسية عبر فتح أبواب المتاحف مجاناً حتى ساعات الليل، مع تأمين حافلات مجانية تربط بينها، بما يسمح للزائر بزيارة أكثر من متحف في ليلة واحدة. وتُعد هذه المبادرة من أبرز الأنشطة الثقافية الوطنية التي تجمع المؤسسات الرسمية، والجامعات، والمتاحف الخاصة، والمؤسسات التراثية في حدث واحد.
وتكتسب المبادرة في لبنان بعداً إضافياً يتجاوز الترفيه الثقافي. ففي بلد تعرضت فيه مؤسسات ثقافية عدة للتدمير أو الإهمال بفعل الحرب والأزمات الاقتصادية، تتحول زيارة المتحف إلى فعل مرتبط بحماية الذاكرة الجماعية. ويُعد المتحف الوطني في بيروت المثال الأبرز على ذلك، إذ نجا جزء كبير من مقتنياته بفضل عمليات حماية استثنائية خلال الحرب الأهلية، قبل أن يُعاد افتتاحه بعد ترميم طويل، ليصبح رمزًا لصمود التراث اللبناني في وجه الدمار.