أحداث ثقافية أخرى
"إعلان بيروت العالمي": حماية المكتبات والإرث الثقافي من الإبادة الإسرائيلية
نقولا طعمة
الإثنين 13 تموز 2026

انطلقت من "المكتبة الوطنية" في ببيروت مبادرة "إعلان بيروت العالمي"ـ بهدف إطلاق "شبكة وطنية لحماية المكتبات والإرث الثقافي في جنوب لبنان" إثر حرب الإبادة الإسرئيلية.
 
تصاعدت في بيروت صرخة مدوّية داعية إلى حماية الإرث الثقافي والحضاري للجنوب اللبناني، في ظل ما يتعرض له من اعتداءات إسرائيلية مركزة تستهدف معالمه الحضارية والثقافية ومواقعه الأثرية، بهدف محو ذاكرته، في محاولة تُذكّر بالأسلوب الذي اعتمده الاحتلال في فلسطين تمهيداً لاحتلالها وفق مشاريعه ومخططاته.
 
وانطلقت الصرخة من "المكتبة الوطنية" في الصنائع ببيروت، تحت عنوان "إعلان بيروت العالمي"، بهدف إطلاق "شبكة وطنية لحماية المكتبات والإرث الثقافي في جنوب لبنان"، وذلك خلال لقاء برعاية وزير الثقافة اللبناني، غسان سلامة.
 
وأعلن سلامة، في كلمة، أنه "لم نترك قانوناً أو عملاً دبلوماسياً إلا وقمنا به خلال الأشهر الثلاثة الماضية لحماية هذا الإرث".
 
وذكر أنه تمت مضاعفة المواقع المعزّزة بحسب لائحة "اليونيسكو" في لبنان من 39 إلى 79 موقعاً، وأنه تم تحويل آثار صور إلى لائحة التراث العالمي المهدّد، مضيفاً: "لم ندع مجالاً لأي وزير ثقافة في العالم ليقول إنه لا يعلم ما يحصل في جنوب لبنان. فقد اتصلت بأكثر من 30 وزير ثقافة لإعلامهم بنفسي بما يحصل، وذهبنا إلى باريس مباشرة لكي نقنع المدير العام لليونيسكو بخطورة ما يحصل. والأهم من ذلك أننا لم نتوقف ولن نتوقف".
 
ومن بين التدابير المرتقبة نتيجة التحركات التي قامت بها الوزارة وناشطون لبنانيون، خصوصاً من أبناء الجنوب، يُرتقب أن تعلن "لجنة التراث العالمي" قرار وضع قلاع جبل عامل الخمس، وهي تبنين وشمع والشقيف ودير كيفا وشقرا، على لائحة التراث العالمي.
 
وتناول سلامة المؤسسات الثقافية، كالمكتبات، ومنها مكتبة بنت جبيل التي وصفها بأنها "عزيزة على قلبي، لأنني أسستها منذ 25 عاماً. ومكتبة الطيب عزيزة على نفسي، لأنني كنت سأدشنها قبل 3 أيام من بدء الحرب، لكن العدو دمرها وأصابها مجدداً ليلة أول من أمس. وهناك مكتبات أخرى دُمّرت أيضاً. وأنا أتعهد بأنه، ما دمت هنا، فلن أتوقف يوماً عن محاولة إعادة بنائها".
 
وتابع: "أما المساجد والحسينيات والكنائس التي نملكها، فهي أملاك غير عامة، وبالتالي لا يُسمح لنا بالتدخل فيها مباشرة، لكن المديرية العامة للآثار ستقف إلى جانب المؤسسات الدينية المعنية لكي يُعاد بناؤها وفق التراث المحلي".
 
وقال سلامة إن هناك العديد من الأماكن المهمة، لكن الثقافة لا تتوقف عند حدود آثار صور أو آثار بعلبك أو آثار جبيل، بل هي موجودة في كل مكان يحيا فيه البشر ويتنفسون ويعتادون ويلتقون بجيرانهم وعائلاتهم وما شابه.
 
من جانبه، تلا الزميل، زاهي وهبي، "إعلان بيروت العالمي"، ودعا فيه "المؤسسات الثقافية والأكاديمية والإعلامية الدولية، والمكتبات الوطنية والجمعيات العالمية للمكتبات والأرشيف، والجامعات ودور النشر، والمنظمات الحقوقية والثقافية، والمثقفين والمبدعين وأصحاب الضمير الحر في العالم" إلى:
 
- إدانة استهداف الإرث الثقافي اللبناني والمكتبات العامة والخاصة، وكل أشكال التدمير الثقافي الناتج عن العدوان على لبنان.
 
- اعتبار حماية الذاكرة الثقافية للبنان قضية إنسانية عالمية تتجاوز الحدود والانقسامات السياسية.
 
- العمل على توفير حماية دولية عاجلة للإرث الثقافي اللبناني، بوصفه جزءاً من الإرث الثقافي الإنساني.
 
- دعم جهود التوثيق والإنقاذ والحماية العاجلة والأرشفة للمكتبات والأرشيفات والمقتنيات الثقافية المهددة في جنوب لبنان.
 
- إطلاق برامج تعاون دولية لترميم المكتبات والمؤسسات الثقافية المتضررة وإعادة بنائها.
 
- مقاطعة المؤسسات الثقافية الإسرائيلية الرسمية والخاصة، بسبب دعمها "الجيش" الإسرائيلي مباشرة، أو صمتها إزاء تدميره المكتبات والمطابع ودور النشر والأماكن الأثرية اللبنانية والفلسطينية.
 
- حثّ الجمعيات المهنية والمؤسسات الأكاديمية والأرشيفية والمكتبية والمتاحفية الدولية على إصدار مواقف واضحة ضد تدمير الإرث الثقافي في لبنان وفلسطين، ورفض الصمت أو الحياد أمام جرائم المحو الثقافي.
 
- دعم إنشاء أرشيف طارئ يوثّق تدمير المكتبات والأرشيفات والبيوت التراثية والمواقع الثقافية والزراعية في جنوب لبنان، ويجمع الصور والشهادات والوثائق والخرائط والمواد السمعية والبصرية المرتبطة بها.
 
- دعم حق المجتمعات المحلية في جنوب لبنان في حفظ ذاكرتها وروايتها بلغتها وشروطها، وعدم حصر تاريخها في سرديات الحرب والدمار، بل الاعتراف بها مساحةً للمعرفة والثقافة والزراعة والفكر والمقاومة والحياة.
 
- مراجعة طرق وصف المواد المتعلقة بجنوب لبنان وجبل عامل وأرشفتها وتصنيفها، بما يضمن عدم اختزال تاريخ المنطقة في الحرب أو الأمن أو الحدود، بل إبرازها بوصفها فضاءً ثقافياً وفكرياً وزراعياً واجتماعياً عريقاً. إن حماية الذاكرة لا تعني فقط إنقاذ الوثائق من الدمار، بل تعني أيضاً وصفها بلغتها وسياقها وكرامة أصحابها.
 
وفي بداية اللقاء، تحدثت المديرة التنفيذية للمكتبة الوطنية، جلنار عطوي سعد، لافتةً إلى أن "ما نتعرض له من خسائر ليس عابراً، بل هو محاولة ممنهجة لمحو تراثنا. ولأن الثقافة هي خط الدفاع الأول في الحفاظ على كتبنا وأرشيفنا وفننا، فقد يدمر العدوان الحجر، لكنه لن يدمر الذاكرة".
 
أما وزيرة البيئة، تمارا الزين، فلفتت إلى أن "المقاربات الحالية للأوضاع في الجنوب اللبناني باتت تُغلّب لغة الأرقام والإحصاءات على حساب الإنسان"، داعيةً إلى "ضرورة التركيز على حماية الإرث الثقافي والذاكرة الجماعية اللذين يتعرضان لمحاولات محو ممنهجة".
 
من ناحيته، ألقى مؤسس "الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والأرشيفات والإرث الثقافي في لبنان"، هادي بكداش، كلمة رأى فيها أن "الحرب الأخيرة أثبتت أن الدمار لم يطل الحجر والبشر فحسب، بل امتد إلى الذاكرة نفسها. ومنذ أشهر، لم نكن نجمع الكتب من المكتبات والبيوت المتضررة أو المهددة بالتدمير فقط، بل كنا نجمع ما تبقى من ذاكرة وطن وذاكرة عائلاته. ومن بين الركام وُلدت الفكرة".
 
وأضاف "لقد امتد الدمار في لبنان إلى المكتبات العامة والخاصة، والأرشيفات، والمراكز الثقافية، ودور النشر، والمجموعات الوثائقية التي حفظت ذاكرة عائلات، والأبنية الأثرية، والأشجار المعمرة، والمناحل، والحقول، والمقامات الدينية، والأسواق التراثية، كالنبطية وبنت جبيل. وهدّد المعتدي كنوزاً حضارية استثنائية، وفي مقدمتها مدينة صور وما تختزنه من إرث إنساني عالمي. كما هدّد قلعة الشقيف بالإزالة، وقلعة بعلبك".
 
ولفت بكداش إلى أن "حماية الإرث الثقافي ليست دفاعاً عن الماضي فحسب، بل هي دفاع عن المستقبل، وعن حق أبنائنا وأحفادنا في أن يعرفوا من كانوا، وكيف عاشوا، وكيف صنع لبنان حضوره الحضاري".
 
وأعلن بكداش عن توقيعات عالمية لإدانة التدمير الإسرائيلي المتعمد للتراث اللبناني، وبدء حملة المليون كتاب للمساعدة في إعادة إعمار المكتبات الخاصة وشبه العامة والعامة، وتأسيس مكتبة ومتحف متخصصين بتاريخ الجنوب وجبل عامل، ووضع خطة وطنية للطوارئ والاستجابة السريعة لإنقاذ المجموعات الثقافية المهددة، بالتعاون مع الجهات المختصة، إلى جانب مبادرات أخرى.
 
وكانت هناك مداخلات لكل من وفيق قانصوه عن تدمير المكتبة العامة في الهرمل، وريما شرارة عن مكتبة بنت جبيل، وعلي مزرعاني عن أرشيف النبطية، "حاضرة جبل عامل وقلب الجنوب اللبناني"، وعبد المجيد زراقط عن خسارته مكتبتين في الضاحية ومركبا، ومهيار كردي عن خسارات دور النشر لنتاجها، ومحمد ناصر الدين ومصطفى بزي عن خسارة مكتبتيهما.
 
 
المصدر: الميادين